القدس 16
دمشق 11
بيروت 21
عمان 15

مقال : أطفال فلسطين والحرب في سورية

الثلاثاء 27 ديسمبر 2016

أطفال فلسطين والحرب في سورية
صورة ارشيفية لأطفال في مدارس الأونروا في مخيم خان الشيح للاجئين

ساو باولو – أحمد أبو حسنة

من نافل القول أن الأطفال هم الفئة التي تدفع الثمن الأكبر في كل الحروب. وإن كانت الحرب تنتهي إلى طرف منتصر وآخر خاسر، أو تنتهي إلى "شراكة" تقاسم لمخلفات الحرب وفق تسوية ما؛ إلا أن "أطفال الحرب" يخسرون في كل الأحوال. وليس أطفال الحرب هم، فقط، من تم استغلاله من قبل أحد الأطراف المتصارعة ليتم تجنيده في الأعمال العسكرية المباشرة، أو في عمل لوجستي يدعم الأهداف العسكرية المباشرة. أطفال الحرب هم من عاشوا الحرب، زمانها ومكانها، هم دون غيرهم من خسر دون أي أمل في التعويض.

يصعب الحديث في العام السادس من عمر الحرب في سورية، عن إحصاءات دقيقة لضحايا الحرب، ولئن كانت كلمة "دقيقة" لا تفي بالغرض المطلوب، فلنقل إنه من الصعب الوصول إلى إحصاءات صادرة عن جهات محايدة أو مهنية في الحد الأدنى. وهذا قد يبدو طبيعياً في حالة حرب لم تضع أوزارها بعد. فإحصاءات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" تشير إلى أن "ما بين أربعة وثمانية ملايين طفل ... في سورية تأثروا بسبب النزاع"، وباستخدام مصطلحات علم الإحصاء، فإن الحد الأعلى للمدى الإحصائي في العينة السابقة هو تماماً ضعف الحد الأدنى لها. ويكون الفارق بين الحدين في "العينة" السابقة هو أربعة ملايين طفل فقط!!

في الواقع، فإن هذه الإحصاءات كلها لا تبدل من الوضع، بل إنها فقط تحول الضحايا إلى أرقام، وتنجح في جعل العذابات والآلام اللا منتهية جزءاً من "العينة الإحصائية"، قد يفيد "الإحصائيون" في تعيين "مدى العينة"، و"المتوسط الحسابي للعينة"، ودراسة "التشتت الإحصائي"، وغيرها من "الدوال الإحصائية".. ومن يدري! لعل مأساة طفل تكون جزءاً من "خط بياني"، أو قد تعدّل من قيمة "المنوال".

ليست غاية هذا التقرير توجيه ضربة إلى "مصداقية" الإحصاءات أو تصويب مدى "دقتها". إنما لإبراز قصورها التام عن تعيين الوضع ودراسته بشكل جيد، فما بالك بتلمس حلول تستهدف تحييد الأطفال قدر الإمكان، ناهيك عن التخفيف من معاناة من لم تستطع تحييده.

ولا حاجة هنا للتأكيد مرة إضافية على أن فلسطينيي سورية، تأثروا تماماً كما باقي أبناء سورية بنتائج هذه الحرب. وبالتالي، ينسحب ما سبق على وضع أطفال اللاجئين الفلسطينيين في سورية، وتتجلى صعوبة الحديث عن أرقام. لكن إذا طبقنا تقديرات اليونيسيف ورجعنا إلى "المصادر غير الرسمية" وتوثيقاتها، فإننا نكون أمام ما يصل إلى مائتي ألف طفل فلسطيني يعتبرون متأثرين بوقائع الحرب في سورية. قضى منهم جراء الحرب (209) أطفال حسب آخر إحصائيات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية.

ينحصر تركيز وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، على اللاجئين الفلسطيين الذين لا زالوا ضمن "منطقة عملياتها" المحصورة في دول الطوق الفلسطيني، وعلى الأخص في سورية ولبنان، في الوقت الذي تعاني هذه الوكالة من صعوبات مالية ولوجستية. وبالطبع لم يكن دور هذه الوكالة بأفضل حالاً من شقيقاتها من المنظمات الدولية. فهي لم تستطع عمل الكثير للتخفيف من معاناة اللاجئين الفلسطينيين الذين ظلوا يعانون في "مخيماتهم" وتعرضوا لمختلف أنواع الانتهاكات التي بقي معظمها عصياً على "التوثيق". هل يمكن توثيق "وجع" طفل؟

فيما لم يكن الحال أفضل لمن انتقلوا بحثاً عن مناطق "أكثر أمناً" داخل الأراضي السورية. وبالأخص الأطفال. تقول "س. أ" ، اللاجئة الفلسطينية في سورية والنازحة لمنطقة آمنة: "فشلت بعد كل هذا الوقت في توفير الأمان لابني رامي.. الطفل يستشعر أمانه في بيته وبين ألعابه.. أحياناً كثيرة كان يمضي يومين دون أكل.. كان يصعب عليه أن يأكل في الوقت الذي كان فيه أبناء عمه لا زالوا في المخيم ومعرضين كغيرهم للموت جوعاً.. قصفاً أو قنصاً..".

أمام هذا الواقع، فإن ما يصل إلى مائة ألف لاجئ فلسطيني، نصفهم من الأطفال باتوا خارج نطاق عمل هذه الوكالة، وباتوا "لاجئين" في دول أوروبية وأمريكية، مسجلين ضمن فئة "البدون". ركب هؤلاء الأطفال مرغمين مع أهليهم عباب البحر المتوسط، جاعوا وعطشوا، وخافوا وغرق منهم عديدون، وضاع منهم عديدون، فيما نالت أوروبا بدروبها وغاباتها حصتها من وجعهم وجوعهم وتعبهم، وكانت شاهدة على عذابات "أطفال" هاربين من الحرب.

بعد الأزمة النفسية التي دخلها "رامي"، لم يكن أمام عائلته التي حاولت وتحاول إنقاذه من الحرب دون المخاطرة في خوض غمار البحر، إلا اللجوء إلى البرازيل، عبر برنامج التأشيرات الإنسانية البرازيلي. العائلة التي وصلت مع بداية العام الحالي، تحاول جاهدة وبمعونة إحدى الجمعيات الخيرية، متابعة العلاج النفسي لطفلها ذي التسعة أعوام. تضيف أم رامي: "المستقبل لا يزال يحمل الكثير من القلق.. صعوبات التعلم الناتجة عن معاناة رامي النفسية زادت من سوء وضعه.. لا زال يواجه صعوبة في اللعب مع الأقران وتنتابه موجات البكاء والخوف.. وإحساسه بالغربة عن المحيط. وهذا كله يجعل من محاولة دمجه مع أقرانه للدراسة واللعب مهمة أصعب".

قد تبدو حالة رامي وأترابه، حالة "مترفة" أمام ما عاناه ويعانيه أطفال تركت الحرب ندوبها عليهم، ومورس كل أنواع الانتهاكات بحقهم. فيما يزداد السؤال إلحاحاً عن "الغد" أمام جيل من اللاجئين كان على مسافة قريبة من فلسطين، وساهمت هذه الحرب بإبعاده عنها آلاف الأميال.. حتى على المستوى العاطفي.

المصدر : خاص-بوابة اللاجئين الفلسطينيين