القدس 30
دمشق 35
بيروت 30
عمان 31

ما بين نكبتين

الخميس 18 مايو 2017

ما بين نكبتين
هاني زعرب . “إرث” . أكرليك وزفت وأصباغ على قماش . 120x100 سم . 2009

(ما لم تستطع قتل حقٍّ فاقتل صاحبه وتخلص من شهوده)

عندما نقول ذكرى فربما المقصود على وجه الدقة هو ذلك الحدث الذي وقع في زمن ماضٍ وانتهى، ولأهميته أو عظمته ترك أثراً بالغاً في نفوسنا جعلنا نمنحه صفة الاستمرارية لكي يظل حياً في وجداننا على أقل تقدير.

ولست أدري إن كانت صفة الذكرى تنطبق على نكبتنا، وهل انتهت أصلاً؟! وهل نحن في حاجة فعلاً لإحيائها أو إنعاشها في ذاكرتنا؟!

أفترض أنني لو كنت في مكان مفكر استراتيجي صهيوني، كيف يمكنني أن أفكر؟! كيف أفكر وأنا أرى الفلسطينيين يتكاثرون في خاصرتي ويزدادون وعياً بفلسطينيتهم، ويزدادون تشبثاً بهويتهم؟!! ويحهم ألا يموتون!!

سأفكر بأننا سنكون في خطر ما دام الفلسطينيون يتنسمون هواء بلادهم، لن أستريح ما داموا على قيد الحياة، وسأبحث عن أية فرصة للتخلص منهم.

تشريد الفلسطينيين عام 1948 زادهم قوة ومعرفة، نسبة التعليم ارتفعت إلى حدودها القصوى، في حين كانت نسبة الأمية في حدودها القصوى أيضاً حين كانوا يعيشون في فلسطين، ذاكرتهم ما زالت حية، واستطاعوا أن يسقطوا نظرية غولدا مائير التي ظنت أن "الكبار سيموتون والصغار سينسون قضيتهم". مات الكبار أو أغلبهم ولكنهم ورَّثوا ذاكرة حية لأبنائهم وأحفادهم، وكل هذا كان مرتبطاً بشكل أساسي مباشر بوجود المخيمات التي تحولت إلى فلسطين مصغرة.

مخطئ جداً من يظن أن الصهاينة اطمأنوا لاستقرار كيانهم عملياً، أو أنهم لا يستشعرون الخطر الكامن في تلك المخيمات، هم يفكرون بالمستقبل ويستقرئونه بكل تفاصيله واحتمالاته، فمن هذه المخيمات خرجت طلائع الثورة الفلسطينية الأولى، وهي التي أوجعت الكيان الصهيوني على مر عقود النكبة، كان الصهاينة يراقبون وقد رأوا أن من بين الاحتمالات أن الفلسطيني ما زال موجوداً بالقرب من حدودهم، وهو لا يحتاج إلا لفرصة لكي يقتحم الحواجز ويعود إلى دياره، هذه الفكرة كانت مفاجئة ومرعبة بالنسبة لهم، إذاً الخطر ما زال موجوداً ولن تهنأ إسرائيل مع وجود نقيضها التاريخي والوجودي (المخيمات)، فما لم يختفِ أصحاب الحق أو يُلجموا فالخطر قادم لا محالة.

التجلي الناصع للنكبة هو مخيمات اللجوء هذه التي أبقت النكبة واقعاً متجدداً، كانت حافزاً للفلسطيني لينهض ويتقدم بخطى ثابتة واثقة نحو فلسطينيته وهو قادر دائماً على إعادة النكبة إلى مربعها الأول، وما زال قادراً على ملء العالم ضجيجاً، إذاً ما دامت المخيمات موجودة فسوف تظل النكبة حية متجددة ولا بد من إزالة هذا الخطر بإزالة مصدره، وتدمير المخيمات نهائياً وهذا بالضبط ما حدث.

ما أجملها من فرصة!!! وما أروعها من هدية!! تلك التي قدمها رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد حين عرض على الإسرائيليين "أمن إسرائيل رهن ببقاء نظام الأسد" الرسالة كانت سنهديكم المخيمات مقابل إهدائنا النظام…

أولاً أطلق يد الفلسطينيين على الحدود مع فلسطين بعد تعبئة جنونية، قليلون -والحق أنني لست من القليلين- الذين انتبهوا في المرة الأولى إلى ما كان يخطط له النظام السوري بإلقائهم بكل ما في قلوبهم من غضب وحب لفلسطين على حدود فلسطين، فاقتحموا حقول الألغام والحواجز بصدورهم العارية ووصل بعضهم إلى حيفا يومها، (حدث ذلك في ذكرى النكبة 15/ 5/ 2011)، أراد النظام السوري أن يرى الصهاينة فكرة عملية عما يمكن أن يحدث إذا أطلق الفلسطينيين على الحدود أو حملوا السلاح، في الحقيقة لم تستطع المجزرة منعهم عن الإصرار على العودة إلى ديارهم، وليس لدى الفلسطيني ما هو أسمى من أن يموت في سبيل أرضه، سقط يومها ثلاثة شهداء:

بشار شهابي

قيس أبو الهيجاء

عبيدة زغموت.

" لِمَ لا؟!" هذا ما فكَّر به الاستراتيجي الصهيوني ونشأت فكرة "فليبقَ النظام الذي سيخلصنا من الفلسطيني وإلى الأبد"، وسينفذ وعد شارون الذي أطلقه عام 1982 حين قال "لك يوم يا مخيم اليرموك!!" لم يكن يخطر في بال أحد أن النظام السوري سيلتقط هذه المعادلة ويستغلها أبشع استغلال:

بعد ذلك انتقل النظام إلى المرحلة الثانية: أنا أضمن لكم تدمير واقتلاع قضية اللاجئين في سوريا إلى الأبد شريطة الوقوف على الحياد والضغط على دول العالم للتخلي عن فكرة إسقاط النظام. وهذا ما قبلته إسرائيل دون نقاش، وبهذا ضمن النظام السوري بقاءه لأنه يعرف أن أي قرار أمريكي أو أوروبي بإسقاطه لا يمكن أن يصير واقعاً إذا لم توافق عليه إسرائيل.

وسعى ثالثاً إلى إقحام المخيمات الفلسطينية في الصراع السوري ليتم محاصرتها وتفريغها ثم في الوقت المناسب تدميرها بشكل نهائي.. (هذا ما سنناقشه قريباً).

ما بين النكبتين 1948 و 2012 كان الفلسطيني يعيد تخليق نفسه من تحت الرماد ليصعد أقوى.

تُرى ما الذي ينتظره من نكبات؟! وإلى أين سيمضي؟!  سؤال سيجيب عنه المستقبل.. لكن ما أعرفه أن الفلسطيني لا يموت ولا يستطيع أن يموت.