القدس 23
دمشق 25
بيروت 25
عمان 24

تقرير : "ترانزيت" الفلسطينيون في مصر سيكولوجية المؤقت واللامُستقر

الإثنين 07 أغسطس 2017

"ترانزيت" الفلسطينيون في مصر سيكولوجية المؤقت واللامُستقر
صورة أرشيفية

مصر - بوابة اللاجئين الفلسطينيين

بيسان عدوان

"هذه الوثيقة لا تخول صاحبها دخول البلاد، إلا بعد الحصول على إذن أو تصريح أو تأشيرة الدخول وموافقة السلطات المختصة"، هكذا ختمت وثيقة السفر الممنوحة للفلسطينيين في مصر بتلك العبارة التي تعيق الفلسطيني من ممارسة إحدى الحقوق الإنسانية " الإقامة والسفر والتنقل " والتي كفلتها تشريعات ومواثيق دولية بجانب مواثيق جامعة الدول العربية .

وما بين الخوف الذي تمنحه تلك العبارة، والشعور بالتهديد الدائم، يعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين المنسيين في مصر، حالتيّ المؤقت واللامستقر، مما يعكس الكثير من سلوكيات هشّه تحكم تلك الجماعة المنسية من كل الأطراف الفلسطينية.

يمكن أن نطلق على الفلسطينيين حملة الوثائق المصرية، "فلسطينيو الترانزيت" فهم ذو الأوضاع القانونية الهشّة في بلدان اللجوء، حيث أنّ لهم وضعاً هشاً ومؤقتاً ويعيشون حالة من الحدودية الدائمة، أي "سيكولوجية المؤقت" والشعور الدائم بالانتظار، وتظهر تلك الحدودية في طريقة حياتهم الاقتصادية والشبكات الاجتماعية التي ينسجونها فيما بينهم.

ولا يحق للفلسطينيين الذين يحملون وثائق سفر مصرية، العودة إلى مصر بصورة تلقائية، فلا يمنح حق الدخول لمصر بعد الخروج منها مرة أخرى، إلا لمن يحمل تأشيرة عودة سارية، والتي يجب الحصول عليها عادة قبل مغادرة مصر.

ومنذ أزمة الخليج، في بداية التسعينيات، وما تبعها من هجرة قسرية للفلسطينيين من الكويت، كان ما يزيد على 5000 نسمة يحملون وثائق سفر مصرية، أصبح تجديد تصاريح الإقامة في مصر أكثر صعوبة من ذي قبل. ويحق للاجئين الفلسطينيين في مصر الحصول على وثيقة سفر سارية لمدة خمس سنوات.

وصدرت وثائق السفر لهؤلاء الذين لجأوا إلى مصر عام 1948 من الحاكم العسكري المصري فيما يسمي "الادارة العسكرية لقطاع غزة" التي كانت تشرف عليه الدولة المصرية قبل نكسة1967.

 في مصر كان يحمل الفلسطينيون وثائق سفر من حكومة عموم فلسطين حتى سنة 1960، إلى أن صدر في مصر القانون رقم 28 لسنة 1960، ومنح بموجبه فلسطينيو مصر وقطاع غزة وثائق سفر مصرية ضعيفة الفاعلية، حيث لم تمنح حاملها حق الدخول إلى مصر، إلا بإذن مسبق من قنصليات مصر في الخارج، على أن تكون " الاقامة " سارية المفعول والتي تمنح له دورياً بحسب سنة قدومه إلى البلاد، وسنوات إقامته، أو للمزاج الأمني كإجراءات منعكسة من حالات الشد والجذب للسياسة المصرية تجاه الفلسطينيين. 

كما لا يحق لهم البقاء خارج القطر المصري  لمدة تزيد عن 6 شهور أو سنة على الأكثر، بعد الحصول على تصريح دخول وعودة من الجهات الأمنية، الأمر الذي يعرضه لفقدان الإقامة والمنع من دخول الأراضي المصرية، ولا يسمح للرجال أقل من 50 عاما دخول مصر بعد الحصول على تأشيرة، ومن تجاوز السن القانوني يسمح لهم بعد حصولهم على الموافقة الأمنية فيما عدا دولة ليبيا، والتي يحمل الكثير من الفلسطينيين فيها وثائق سفر مصرية، نظراً للأوضاع السياسية المتردية بين الحكومتين خاصة في فترة الحصار الذي فرض على طرابلس في تسعينيات القرن الماضي، وتستمر الأوضاع على حالها حتّى يومنا هذا.

هشاشة المؤقت في مصر

يمنح اللاجئون الفلسطينيون في مصر ثلاثة أنواع من الإقامة: الإقامة الخاصة، والتي تسري لعشر سنوات، والإقامة العادية،  والنوعان السابقان انتهى العمل بهما وتوقف منحهما للفلسطينيين منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاصة بعد مقتل وزير الثقافة المصرية يوسف السبعاوي كـ"إجراء عقابي".

 أما النوع الثالث فهو الإقامة المؤقتة، ويحمل أغلب الفلسطينيين المقيمين في مصر تصاريح إقامة مؤقتة، وهي تسري لمدة تتراوح ما بين سنة إلى ثلاث سنوات، وتعتبر مصر الدولة العربية المضيفة الوحيدة، التي تطلب من جميع اللاجئين الفلسطينيين أن يجددوا إقامتهم بصفة منتظمة.

قٌسِم الفلسطينيون إلي فئات تعتلي الصفحة الأولى من وثائق السفر خاصتهم، (أ،ب،د،ه)، تبعاً لسنوات خروجهم القسري من فلسطين، ولتجديد الإقامة المؤقتة كثير من التعقيدات والإجراءات التعسفية والغرامات في حالة التأخير، الذي عادة ما يكون متعمداً من قبل الدولة، فيما يمنح الطلبة الفلسطينيون إقامة سنوية تبعا لكفالة المدرسة أو الجامعة بعد استيفاء المصروفات عالية الثمن، والتي عادة ما يعجز الفلسطينيون عن استيفائها، مما يهدد وضعهم القانوني حينما لا تقبل الجهة منحهم إثباتات لانتمائهم إليها، ولا تشفع لهم المرحلة التعليمية التي ينتمون لها باعتبارها كفيلاً لاستمرارهم في التعليم.

كما تمنح الإقامة السنوية بكفالة أحد الوالدين، أو الاجداد اذا كانوا مصريين، أو كفالة بنكية أو دفتر توفير بريدي، وصلت في بعض السنوات إلى 25 ألف  جنيه مصري رغم ارتهانها ايضا للموافقة الأمنية.

 أما الإقامة الثلاثية، فهي تمنح لمن يحصل على تصاريح عمل، ومع صعوبة الحصول على عمل في ظل قوانين العمل التي تكاد تحد من التحاق الفلسطينيين في وظائف العمل الرسمية، يعمل  أغلب الشباب الفلسطيني في وظائف موسمية  ويمنحون بموجبه تصاريح عمل من قبل اتحاد العمال الفلسطيني، بعد استيفاء ضريبة الدخل المحددة التي ينظمها القانون المصري الخاص بالأجانب.

سنّت بعض الحكومات العربية قوانين تحظر على اللاجئين الفلسطينيين العمل في بلادها، وتفرض كفالة مالية كبيرة، وعقوبة بالحبس على رعاياها الذين يستخدمون فلسطينيين، بأجر أو بدون أجر. وظلت هذه القوانين سارية المفعول، لفترة طويلة، في البلاد التي فرضتها ولم يوقف العمل بها في معظم البلدان.

كما يمنح الفلسطيني المستثمر(1) المتزوج من مصرية أو أمه مصرية (قبل قانون الجنسية 2004)(2) إقامة ثلاثية باعتبارهما كفيلتين له، فيما يمنح المستثمر الفلسطيني الذي يثبت رأسمال شركته من 50 ألف دولار فيما فوق مع إلزامه بشراكة مصرية تملك 51% من الشركة،  إقامة خمس سنوات وتسمى إقامة دائمة، وفقا لقرارات فرضتها الدولة المصرية من قبل وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار قرار رقم 344 لسنة 2017 لتنظيم دخول وخروج وإقامة الأجانب في البلاد،وفرض ورسوم جديدة لذلك.

  في مطلع سنة 1984، صدر قانون (تنمية موارد الدولة)، الذي اعتبر الفلسطينيين "أجانب"، وفرضت وزارة الداخلية المصرية الإقامة السنوية على كل فلسطيني رسماً قدرة 42,5 جنيهاً مصرياً.

 بينما لا تتعدى نسبة القادرين 2% من مجموع الفلسطينيين في مصر، فيما على الفلسطينيين الوافدين إلى مصر والراغبين في الإقامة فيها، أن يحولوا 180 دولاراً عن كل فرد، شهرياً.

فيما ارتفعت الرسوم على الإقامات بموجب قرار وزير الداخلية الجديد، إلى أضعاف مضاعفة رغم انخفاض دخل الفلسطينيين نظراً لسياسات التمييز ضدهم في سوق العمل. 

شهد عام 2017 أوضاعاً اقتصادية صعبة على المجتمع المصري خاصة مع سياسات رفع الدعم الكلي والجزئي على السلع الأساسية، وتعويم الجنيه المصري و تراجع الدولة عن دعم القطاعات الاجتماعية المختلفة، طبقا لخارطة الطريق الخاصة بإشتراطات البنك الدولي، الأمر الذي زاد من معدلات التضخم في مصر، إذ يعاني المواطن المصري بكافة طبقاته الاجتماعية وشرائحه من الأوضاع الاقتصادية شديدة القسوة، وسياسيات الإفقار، فكيف يعيش الفلسطيني من حملة الوثائق المصرية؟، حيث ارتفعت الرسوم للحصول على الإقامة من 42 جنيهاً مصرياً للاقامة السنوية إلى 1860 جنيهاً مصريا، فيما وصلت رسوم الإقامة الثلاثية إلي 3650 جنيهاً مصرياً، والخماسية إلي فوق ال 5000 جنيه،  أمر أثقل كاهل الكثير من العائلات الفلسطينية التي تعيش في أوضاع اقتصادية صعبة نظراً لعدم اشتمالها في أي برامج دعم ومساندة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية أو الصندوق القومي للفلسطينيين بشكل رسمي أو منتظم، فقط النذر اليسير من مساعدات تعليمية من قبل الجمعية الخيرية الفلسطينية وهي مؤسسة غير حكومية، واتحاد المرأة الفلسطينية في مصر، عبر تشبيك الفلسطينيين مع رجال أعمال لدفع مصروفات التعليم باهظة التكاليف.

فلسطينيو مصر رهائن العلاقات السياسية

ويشار إلى أنّ اللاجئين الفلسطينيين من حملة  وثائق السفر المصرية، غير مشمولين بخدمات وكالة "الأونروا" أو المفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR حيث عامل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر اللاجئين الفلسطينيين، معاملة المصريين فيما عدا الحقوق السياسية وممارستها، وصدرت عدة قوانين في فترة الستينيات تنظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في الإقليم المصري.

لقد استمرت أوضاع الفلسطينيين في مصر على حالها، طوال حكم عبد الناصر، وفي السنوات الخمس الاولى من حكم السادات. وفي يوليو 1978، صدر قراراً من رئيس الجمهورية، رقم  47 و48 لسنة 1978، بإلغاء القرارات التي كانت تعامل الفلسطينيين معاملة المصريين، كما حظرت وزارة القوى العاملة اشتغال الاجانب وضمنهم الفلسطينيون في الأعمال التجارية، والاستيراد والتصدير، إلا لمن كان متزوجاً بمصرية، منذ أكثر من خمس سنوات .

في ربيع سنة 1995، أنهت وزارة الداخلية المصرية حصراً لعدد الفلسطينيين من أبناء قطاع غزة المقيمين في مصر، و الحاصلين على وثيقة السفر التي تمنحها مصر للفلسطينيين المقيمين فيها أو في قطاع غزة. وتشير مصادر رسمية بأن مصر تضم أكبر عدد من النازحين من قطاع غزة، حيث بلغ عددهم 89 ألفاً، بالإضافة إلى عدد عشوائي لم يتم حصره بعد، يتراوح ما بين 10و 20 الفا، مشتتين في ريف مصر و قراها. علما بأن مجموع من غادر فلسطين إلى مصر، إبان نكبة 1948 الفلسطينية، يصل إلى حوالي 35 الف لاجئ أقاموا في مصر.(3)

طرأ تحسن  طفيف  على اللاجئين الفلسطينيين بعد ثورة الخامس والعشرين من  كانون الثاني / يناير، وصدور قرار وزير الداخلية المصري الأسبق منصور العيسوي بتطبيق قانون منح أبناء المصريّة المتزوجة من فلسطيني الجنسية المصريّة الصادر عام 2004، واستطاع الكثير من الفلسطينيين من الحصول على الجنسية المصرية ليس فقط من حملة الوثائق المصرية بل كل من كان من أم مصرية حتى وأن حمل جواز سفر السلطة الوطنية، خاصة في فترة حكومة الإخوان لمصر(4)، وبعد 2013  مارست الحكومة المصرية الكثير من العراقيل والإجراءات التعسفية للحد من حصول الفلسطينيين على الجنسية بحجة الدواعي الأمنية، مما يعد مخالفا للدستور المصري 2014.

(1) استثمارات صغيرة ومتوسطة محلات الملابس البقالة، ورشة تصليح أحذية... الخ

(2) قانون الجنسية لابناء الأم المصرية لعام 2004، والذي منع الفلسطيني من الأم الفلسطينية الحصول عليها تحت ذريعة الحفاظ على الهوية الفلسطينية.

(3) لا يوجد احصاء دقيق للفلسطينيين من حملة الوثائق المصرية في مصر، وترفض الجهات الرسمية التصريح بأي معلومات بهذا الشأن.

(4) منح 24 ألف فلسطيني الجنسية المصرية في الفترة ما بين 2012-2013، منهم 8 آلاف حصلوا عليها في عهد الرئيس السابق محمد مرسي وفقا لتصريح اللواء حسين الريدي، مساعد وزير الداخلية لمصلحة الجوازات والهجرة والجنسية

بيسان عدوان

كاتبة فلسطينية، ومدير دار ابن رشد للنشر – تعيش في القاهرة، من حملة الوثائق السفر الفلسطينية فئة "هـ "والتي تمنح بموجبه إقامة سنوية نظرا لانقطاع إقامتي في البلاد في سنة 2011 نظرا للثورة المصرية وتوقف العمل في المصالح الحكومية.

المصدر : خاص - بوابة اللاجئين الفلسطينيين