اضطرت عائلات فلسطينية من جنوبي لبنان وجنوبي بيروت إلى مغادرة منازلها تحت وقع القصف والخوف، وذلك في ظل الاعتداءات "الإسرائيلية" الأخيرة والمتواصلة، التي طالت مناطق في جنوبي لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وبعلبك، لتتجه تلك العائلات نحو مخيم نهر البارد في شمالي لبنان، والذي تحوّل إلى ملاذ مؤقت للنازحين وسط مبادرات تضامن محلية قادها شبان المخيم وأهاليه.
القصف يلاحق البيوت… وقرار النجاة يتقدم
أيمن إبراهيم إبراهيم، من مخيم برج البراجنة في محيط الضاحية الجنوبية، يروي لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن الصواريخ والارتجاجات المتواصلة لم تترك مجالاً للطمأنينة، وأن منزله لم يعد يحتمل ضغط الانفجارات، بعدما تضرر السقف وتشققت الأعمدة، فيما ملأت رائحة البارود الأجواء.
ويقول: إن البقاء في المنزل تحول إلى مغامرة يومية غير محسوبة، في ظل غارات قريبة ومتكررة، ما اضطره إلى مغادرة المخيم حفاظاً على حياته وحياة عائلته، مؤكداً أن الخوف لم يكن خياراً بل واقعاً فرض نفسه تحت وقع القصف.
من جهته، يؤكد أحمد الشيخ عيسى، وهو أيضاً من أبناء مخيم برج البراجنة، أن سقوط قذائف بالقرب من منزل عائلته عجّل بقرار النزوح، ويوضح أنه غادر برفقة والديه وإخوته وبنات شقيقته، بعدما أصبحت المنطقة مسرحاً لضربات متكررة لم تترك للعائلات سوى خيار الرحيل.
الشمال ملاذاً مؤقتاً…مخيم نهر البارد مساحة أمان نسبي
عائلات كثيرة، فضلت النزوح الى مخيم نهر البارد، باعتباره أبعد نسبياً عن دائرة الاستهداف، ويصف أيمن ابراهيم المخيم بأنه "أكثر أماناً" في هذه المرحلة، مشيراً إلى حالة الاستقرار الأمني داخله، وإلى طيبة أهله واستعدادهم للاحتضان، ويضيف أن الشعور بالأمان، ولو النسبي، كان العامل الحاسم في اتخاذ قرار التوجه شمالاً.
أما أحمد الشيخ عيسى، فيوضح أن معرفته بأشخاص داخل المخيم سهّلت عليه الخطوة، بعدما تواصل مع أحد الأصدقاء الذي ساعده في الوصول إلى منزل يؤويه مع عائلتهـ ويؤكد أن البعد الجغرافي عن مناطق القصف منحهم هامشاً من الطمأنينة بعد أيام من القلق المتواصل.
المرض في زمن الحرب… خطر مضاعف
ومن تجمع المعشوق جنوبي لبنان، لم يكن القصف وحده ما دفع ربيع إبراهيم جنى وعائلته للنزوح، بل هاجس إغلاق الطرقات أيضاً.
ويقول: ربيع إن والدته تخضع لجلسات غسيل كلى مرتين أسبوعياً، وأي انقطاع في الطرق أو تعذر الوصول إلى المستشفى قد يشكل تهديداً مباشراً لحياتها. ومع اقتراب الغارات من منزلهم، أصبح قرار المغادرة حتمياً.

نزح ربيع برفقة والدته وإخوته وبنات شقيقته إلى مخيم نهر البارد، حيث يقيم لهم أقارب، ويشير إلى أن إمكانية نقل والدته لتلقي العلاج في مخيم البداوي شكّلت عامل أمان إضافياً، في ظل ظروف إنسانية معقدة تعيشها العائلات النازحة.
مبادرات أهلية… المخيم يتكئ على شبابه
في المقابل، لم يقف أهالي مخيم نهر البارد موقف المتفرج، فالناشط الشبابي أحمد الشاعر يؤكد أن استقبال العائلات النازحة كان واجباً إنسانياً قبل أن يكون مبادرة.
ويوضح أن شباب المخيم تحركوا منذ اللحظة الأولى لوصول العائلات، بالتعاون مع أهل الخير، لتأمين مساكن مؤقتة وفرش وأغطية ومواد غذائية وحاجات أساسية.
ويشير الشاعر إلى أن ما يجري هو جهد جماعي يعكس روح المخيم، حيث تتقدم قيم التكافل على ضيق الإمكانات، ويشدد على أن الهدف هو أن تشعر كل عائلة بأنها بين أهلها، لا غريبة ولا متروكة لمصيرها، مؤكداً أن الوقوف إلى جانب المتضررين في أوقات الشدة واجب وطني وأخلاقي.
وتختصر هذه الشهادات مشهداً يتكرر في حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، نزوح فوق نزوح، وقلق يتجدد كلما اشتعلت الجبهات. وبين منازل تصدعت تحت القصف وأخرى فُتحت أبوابها لاستقبال الوافدين، تتجلى صورة المخيم كمساحة هشّة، لكنها نابضة بالتكافل والتضامن.
