السبت 14 ديسمبر 2019
تقرير: حقائق مجزرة الصفصاف حبيسة "الأرشيف السري" .. ماذا جرى في ذلك الخريف من عام 1948؟

فلسطين المحتلة | 2019-10-28 | خاص

 

صابر حليمة - بوابة اللاجئين الفلسطينيين
 

هي جرح لا تزال آثاره جلية ظاهرة، وفاجعة لوعتها حاضرة في نفوس من شهدها أو حتى سمع بها، لم تفلح إحدى وسبعين سنة بمحو شناعتها أو الصفح عن فحش سفاكيها..

 

قرية الصفصاف قبل النكبة

تقع قرية الصفصاف، الممتدة على مساحة 7.391 دونماً، على تل غير مرتفع ومائل قليلاً نحو الجنوب الغربي، في الجهة الشرقية لطريق صفد - ترشيحا العام.

كانت الزراعة، البعلية والمروية، عماد اقتصاد القرية، التي شغلت أشجار الزيتون مساحة 488 دونماً فيها. وتوسط القرية جامع هو الوحيد فيها، وحوله بضعة دكاكين، فيما أنشئت المدرسة الوحيدة فيها، وكانت ابتدائية للبنين، أيام الاحتلال البريطاني.
 

(خريطة لبيوت أهالي قرية الصفصاف من ذاكرة محمد دغيم، أحد الناجين من المجزرة)

 

وصل عدد سكان القرية في عام 1948 إلى 1,056، لم يكن بينهم أي يهودي.

 

عملية "حيرام" للسيطرة على الجليل الأعلى

في 29 تشرين الأول/أكتوبر عام 1948، أطلقت العصابات الصهيونية عملية "حيرام"، التي هدفت خلالها إلى الاستيلاء على الجليل الأعلى (الجزء الشمالي لمنطقة الجليل)، بقيادة الإرهابي موشيه كرمل.

 

(موشيه كرمل – قائد عملية "حيرام"، الذي خطط ونفذ المجازر في الجليل الأعلى وهجّر ما يربو على 50 ألف فلسطيني)


خطة العملية تلخصت في القيام بهجوم تضليلي من قبل وحدات اللواء "جولاني" الإرهابي على قوات جيش الإنقاذ من ناحية الجنوب والجنوب الغربي لجذب انتباهها هناك، بينما تقوم القوة الرئيسية المشكلة من اللواء السابع بكتائبه الثلاثة وسرية "شركسي" واللواء "عوديد" بالإطباق على قوات جيش الإنقاذ بشكل "حركة كماشة".

سبق الهجوم البري قصف جوي ومدفعي مكثف، تواصل من 22 تشرين الأول/أكتوبر وحتى 29 من الشهر نفسه، استهدف ترشيحا والجش وسعسع.

وفي ليلة 28-29 تشرن الأول/أكتوبر 1948، بدأ الهجوم البري لعملية "حيرام"، فبدأ الهجوم المخادع لقوات اللواء "جولاني" من الجنوب والجنوب الغربي، إلا أنه فشل في تثبيت قوات جيش الإنقاذ. وفي الوقت نفسه، تحرك اللواء السابع تجاه الشمال الغربي انطلاقاً من صفد نحو قرى قديتا وميرون والصفصاف والجش.

 

مجزرة الصفصاف

كانت الصفصاف أولى القرى التي احتلت في عملية "حيرام"الإرهابية.

 وكانت القرية، خلال الشهر الأولى من النكبة، مقر قيادة فوج اليرموك الثاني الذي كان يقوده المقدم أديب الشيشكلي، بحسب المؤرخ الفلسطيني عارف العارف.

هاجمت القرية فصيلتا مصفحات وسرية مجنزرات من اللواء السابع للعصابات الصهيونية الإرهابية واحتلتاها بعد معركة قصيرة.

(العصابات الصهيونية تهاجم قرية الصفصاف، تشرين الأول/أكتوبر 1948، أرشيف جامعة بيرزيت)

 

روى أحد شهود العيان أنه لما بدأ الهجوم على القرية كان المدافعون عنها متأهبين، إلا أنهم فوجئوا بهجوم مثلث الجبهات، فيما قال أحد الجنود لاحقاً: "لم نكن نتوقع مقاتلتهم على ثلاث جبهات.. ولما لم ينضم إلى المعركة أي من الجيوش العربية، انسحبنا مع متطوعي جيش الإنقاذ العربي إلى لبنان، وقد تركنا في القرية معظم سكانها، وكثيرين من القتلى والجرحى".

المؤرخ نافذ نزال، الذي أجرى مقابلات مع ناجين في مخيم عين الحلوة في عام 1973، نقل عن أحد سكان القرية: "وبينما كنا نصطف، أمر بعض الجنود اليهود أربع فتيات بمرافقتهم لجلب المياه إلى الجنود. لكنهم أخذوهن، بدلاً من ذلك، إلى منازلنا الخالية واغتصبوهن. وقد عُصبت أعين نحو سبعين رجلاً منا وقتلوا رمياً بالرصاص، الواحد تلو الآخر، أمام أعيننا. ثم أخذ الجنود جثثهم وطرحوها على الغطاء الأسمنتي القائم فوق عين القرية، وجرفوا التراب ورموه فوقها".

رئيس أركان عصابة "هاغاناه" الإرهابية السابق، يسرائيل غاليلي، وضع قائمة بالجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في الصفصاف: "52 رجلاً رُبطوا بحبل وطُرحوا في بئر وأُطلق الرصاص عليهم، قُتل عشرة. النسوة بكين مسترحمات. 3 حالات اغتصاب.. فتاة في الرابعة عشرة من عمرها اغتُصبت. أربع نساء أُخريات قُتلن".

شهادة أخرى من العدو يكتبها يوسف نحماني، الذي كان أحد كبار الضباط في "هاغاناه": "في الصفصاف، بعد أن رفع السكان علم أبيض، قام الجنود بجمع وفصل الرجال والنساء، وقيدوا أيدي 50–60 من الفلاحين، وأطلقوا النار عليهم وقتلوهم ودفنوهم في حفرة. واغتصبوا أيضا عدة نساء".

(صورة نادرة للقرية بعد أيام من احتلالها، موقع "فلسطين في الذاكرة")

 

وعقب المجزرة، أمرت العصابات الصهيونية من بقي في القرية بالتوجة إلى لبنان تحت نيران المدافع والرشاشات.

 

حقائق مروعة في "الأرشيف السري" لجيش الاحتلال

قبل نحو شهرين، تشرت صحيفة "هآرتس" العبرية تحقيقاً تضمن وثائق ، تحجبها وزارة جيش الاحتلال في قسم سري.

التحقيق أكد أن عشرات المجازر، واغتصاب الفتيات الصغار، والسلب والنهب، وتفجير وتدمير قرى بأكملها، نفذتها العصابات الصهيونية بأوامر من دافيد بن غريون، لكن  قسم "الأرشيف السري" في وزارة الجيش، يستمر في حجب وثائق تاريخية، عن جرائم العصابات الصهيونية.

وفيما يتعلق بمجزرة الصفصاف، أكد التحقيق أن العصابات الصهيونية قيدت 52 رجلاً مع بعضهم البعض، ووضعوهم في حفرة، وأطلقوا النار عليهم. وكان 10 منهم لا يزالون ينازعون الموت، فيما توسلت النساء وطلبن الرحمة، ووجدن حينها 6 جثث، ثم 61 جثة، كما كان هناك ثلاث حالات اغتصاب، إحداهن  لفتاة عمرها 14 عاماً، أطلقوا النار عليها وقتلوها، وقطعوا أصابع أحد الضحايا بسكين ليسرقوا الخواتم.

ووفق الصحيفة، فإن مقاتلو اللواء السابع هم المسؤولون عن تلك الفظائع.

وتعمل حكومة الاحتلال منذ مطلع العقد الحالي، على إجراء مسح للأرشيفات لديها، وتقوم بإخفاء وثائق تاريخية، خاصة تلك المتعلقة بأحداث وقعت أثناء النكبة عام 1948.

 

وفاة آخر الناجين من مجزرة الصفصاف

عبد قاسم يونس، أبو كامل، أحد أبناء قرية الصفصاف، أصيب في يده وأنحاء مختلفة من جسمه إبان المجزرة، لكنه ادعى أنه ميت، ليتم إنقاذه في اليوم التالي للمجزرة، ويهجّر مع بقية عائلات القرية إلى لبنان وسورية.

قصة عرفها أهالي مخيم عين الحلوة أباً عن جد.

كان أبو كامل حينها في 30 من عمره، وعاش في مخيم عين الحلوة بقية حياته، ومات في السابعة والتسعين.

يروي الكاتب والمخرج السينمائي الفلسطيني نصري حجاج، أن أهالي المخيم كانوا يعرفون يونس بـ "أبو كامل الصفصاف".

(أبو كامل الصفصاف، أحد الناجين من مجزرة الصفصاف)

 

ويقول حجاج: "كانت الإصابة في يده اليسرى التي تركت له صعوبة دائمة في تحريكها دليلاً على نجاته، ما جعله يختار مهنة التجارة التي لا تحتاج قوة بدنية، بل كان أبو كامل أيضاً عنواننا البريدي في المخيم، فقد كان دكانه من أول الدكاكين في المخيم، والقائم في مدخله الفوقاني، وعلى المفرق الداخلي المؤدي إلى تلة سيروب. وهكذا كان عنوان المكاتيب المرسلة من الخارج إلى المخيم، مخيم عين الحلوة، مفرق سيروب، دكان أبو كامل الصفصاف، ثم اسم المرسل إليه".

كان ساعي البريد اللبناني "أبو جورج"، يضيف حجاج، "يتحاشى الدخول إلى مجاهل المخيم، فكان دكان أبو كامل الصفصاف مكانه الآمن والمفضل. يضع بريد الناس عنده، ويعود إلى المدينة من غير حاجة إلى المكوث طويلاً".

ووفق حجاج، الذي عرف أبو كامل، فقد ظل دكان ظلّ دكانه عنواناً بريدياً ثابتاً لأهالي المخيم إلى أن اجتاح الاحتلال الإسرائيلي نفسه الذي حاول قتل أبو كامل عام 1948 ولم يفلح، لبنان عام 1982، ودخل بآلياته مخيم عين الحلوة، وجرّف البيوت والدكاكين، ومنها دكان أبو كامل الصفصاف، لكنه لم يفلح في قتله هذه المرة أيضاً".

في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، توفي أبو كامل، آخر الناجين من مجزرة الصفصاف، في مخيم عين الحلوة.

منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة
أكثر الأخبار قراءة
آخر الأخبار المضافة