الثلاثاء 19 مارس 2019
تقرير: طرق خطيرة إلى اليونان .. منافذ فلسطينيي سوريا في تركيا نحو أوروبا

فلسطينيو سوريا | 2018-12-18 | خاص - بوابة اللاجئين الفلسطينيين
تركيا
تقرير: محمد حامد


تعتبر ظاهرة اللجوء والهجرة غير الشرعية من أهم نتائج الحرب السورية ، وقد تصدرت عناوين الأخبار العربية والغربية منذ العام 2012. وبالإضافة أكثر من 4.5 مليون لاجئ ومهاجر سوري تم تسجيلهم حتى اليوم ، كان بينهم أكثر من 550 ألف لاجئ فلسطيني سوري، بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" تعرضوا لعملية التهجير، بينهم ما يقارب 280 ألف لاجئ  انتقلوا من مناطقهم إلى مناطق أكثر أمناً داخل سوريا وأكثر من 120 ألف اضطروا للخروج منها .

وتوزع اللاجئون الفلسطينيون السوريون على عدد من الدول العربية و الأوروبية، حيث بلغ عدد الواصلين من اللاجئين الى أوروبا بين عام 2012 – 2016 حوالي 80 ألف لاجئ فلسطيني موزعين على جغرافيا الاتحاد الأوروبي جلّهم عبروا طرق التهريب الشاقة والمكلفة للوصول الى بر الأمان، أما في الدول العربية المجاورة لسوريا لجأ عدد من اللاجئين الفلسطينيين هرباً من ويلات الحرب ومآسيها، ففي لبنان قدر عددهم بما يقارب 30 ألف لاجئ،أما في الأردن بلغ عددهم حوالي  الـ 10 ألاف لاجئ ، وما يقارب 5 ألاف لاجئ في جمهورية  مصر بينما عاد حوالي ألف لاجئ فلسطيني سوري إلى وطنهم فلسطين عبر الأراضي المصرية واستقروا في قطاع غزة. واتجه عدد منهم الى تركيا عبر الأراضي السورية وقدروا بـ 8 آلاف لاجئ فلسطيني سوري, بحسب إحصائيات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا .

فلسطينيو سوريا في تركيا – رحلة الهجرة بين الأمل والألم 
كانت تركيا أشهر المحطات التي  ينطلق منها اللاجئون بحراً عبر بحر إيجة ومن ثم الى الجزر اليونانية المقابلة للسواحل التركية، أو براً عبر قطع نهر ايفروس اجتيازاً ، للحدود البرية اليونانية والبلغارية، وتعتبر هذه الطرق من أكثر الطرق خطورةً على اللاجئين، مما يجعلهم عرضةً للإعتقال والتوقيف أو النصب والاحتيال في ظل المنع الممارس تجاههم لمنعهم الدخول الى دول الاتحاد الأوروبي .

واصطدم اللاجئون الفلسطينيون السوريون في تركيا بالأوضاع المعيشية والإقتصادية الصعبة التي تواجههم ويعيشونها في تركيا من غلاء في الأسعار وقلة فرص العمل وتفشي البطالة وعدم تسوية أوضاعهم القانونية والأمنية وعدم حصولهم على الإقامات، مما يضطر أعداداً كبيرة منهم لإتباع طرق الهجرة غير الشرعية سواء كانت براً أو بحراً الى اليونان أو حتى جواً في بعض الأحيان للتوجه إلى العمق الأوروبي .

طريق البحر .. 
يعد هذا الطريق من بين أخطر الطرق التي يسلكها اللاجئون وأكثرها مغامرة، بسبب كثرة المهاجرين وكثرة مهربي البشر عديمي الخبرة وتعاملاتهم اللا إنسانية مع اللاجئين، وتنوع طرق احتيالهم عليهم وعدم معرفة اللاجئين بالطرق اللا أخلاقية التي يتبعها المهربون من مكائد وحيل لاستغلالهم .



مع بداية صيف عام 2015 وفتح الدول الأوروبية لحدودها أمام اللاجئين كان الوصول إلى الجزر اليونانية ليس بالشيء الصعب بسبب تسهيل السلطات التركية واليونانية لذلك مقارنةً مع الوقت الحالي، من حيث التكلفة وسهولة الوصول والتدقيق من قبل خفر السواحل والجندرما التركية على الحدود، وقد تجاوزت تكلفة الوصول إلى اليونان حوالي 1800 دولار أمريكي للشخص الواحد على متن القارب المطاطي (البلم). 

 في ذلك العام، وعلى الرغم من كل الصعوبات اضطر العديد من اللاجئين الفلسطينيين إلى سلك هذا الطريق للوصول الى مناطق أكثر امناً لهم ولعائلاتهم، معرضين أنفسهم للغرق الذي أودى بحياة العشرات من الفلسطينيين، إذ كان حينها يعد الأرخص سعراً وتكلفته غير عالية بسبب إغلاق الحدود الأوروبية مع نهاية العام، مما اضطر المهربين لخفض أسعارهم بهدف استقطاب أكبر شريحة ممكنة منهم، ويعود ذلك أيضاً إلى  نوع المركبة التي سيستقلونها للوصول الى الجزر اليونانية عبر بحر إيجة من السواحل التركية في مدينة أزمير غربي تركيا، فإذا كانت الرحلة بواسطة القارب المطاطي ( البلم) والذي يتجاوز عدد ركابه 40 شخصاً ليصل أحياناً إلى 60، فيما لا يتعدى طوله 9 أمتار وعرضه متر و80 سم ، فتكون تكلفة الشخص الواحد بين ( 300 – 500) دولار أمريكي في أغلب الأحيان،وقد تستغرق الرحلة وقتاً أطول للوصول، ويعتمد أيضاً هذا على مكان الجزيرة التي يتوجه إليها اللاجئون.  

أمّا إذا كانت بواسطة القارب السريع  ( الجيت بوت ) والتي لا يتجاوز عدد ركابها 10 أشخاص فتتراوح تكلفتها  (700 – 1100) يورو على الشخص الواحد. 

 فعلى سبيل المثال " إذا كانت وجهة اللاجئين إلى جزيرة كيوس فقد تستغرق الرحلة بواسطة (البلم) بين 45 دقيقة إلى 60 دقيقة، في حال عدم تعرضهم لأي مشكلة  وبواسطة ( الجت بوت )  تستغرق الرحلة بين 12 دقيقة إلى 15 دقيقة، في حال عدم تعرضهم لملاحقة خفر السواحل أو انقلاب القارب .

وفي حال الوصول إلى الجزر يتم إتلاف المركب من قبل خفر السواحل  ويقوم اللاجئون بتسليم أنفسهم الى السلطات اليونانية على الجزيرة لتقوم الأخيرة بإبقائهم داخل الجزيرة مدة قد تتجاوز شهرين أو أكثر باستثناء الحالات الصعبة، التي تطلب منهم نقلها الى العاصمة اليونانية أثينا بسرعة. 

 أما سابقاً  قبل عام 2015 ، كانت السلطات اليونانية تحتجز اللاجئين لمدة يوم أو يومين ومن ثم تقوم  بإعطائهم ( الخارطية ) والتي تعد كوثيقة هوية تُعرف عنهم وتسهل حركتهم داخل الأراضي اليونانية، ومن ثم يتم نقلهم عبر سفن كبيرة من الجزر إلى العاصمة أثينا في وقت أسرع لعبورهم البلد الذي يريدون .

وفي حال تم القبض على المركب في المياه التركية من قبل خفر السواحل التركي يتم تسليمهم إلى خفر الحدود أو ما يسمى بالـ " جندرما" التي تقوم بإعادتهم الى مدينة أزمير بعد توقيعهم على تعهدات شكلية لعدم عودتهم إلى هذه السواحل .
وقبل عدة أشهر قامت الجندرما والشرطة التركية بحملة على الحدود البحرية والبرية لاعتقال اللاجئين وقد تم إلقاء القبض على المئات منهم وترحيلهم إلى بلدانهم ومن بينهم لاجئون فلسطينيون سوريون تم ترحيلهم الى الشمال السوري بسبب حملهم أوراق الحماية المؤقتة التي تُعّرفهم على أنهم سوريون .

شهادة.. 
اللاجئ الفلسطيني السوري "أنس محمود" المقيم في تركيا منذ سنتين ونصف السنة تقريباً، أكد لموقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"  بأنه من  حوالي سنة ونصف السنة، وهو يحاول الوصول إلى اليونان، انطلاقاً من مدينة "أزمير" التركية لكن دون جدوى، يقول: "الكثير من أصدقائي حالفهم الحظ ووصلوا إلى جزيرة كوس القريبة، لكنهم مازالوا عالقين فيها للشهر الرابع على التوالي، في أخر محاولة لنا غرق " البلم " ونحمد الله على أننا كنا على مقربة من خفر السواحل التركي الذي بدوره أنقذنا وأعادنا الى مركز الجندرما ومن هناك تمت اعادتنا الى مدينة ازمير" .

وحادث الغرق هذا ليس الأول الذي يحصل مع لاجئين فلسطينيين، ففي عام 2016 غرق المركب الذي كانت تستقله اللاجئة الفلسطينية سناء هزاع وأولادها عدي وقصي ولمى وهم من أبناء مخيم خان الشيح، وللأسف فقد   قضوا جراء غرقهم في بحر إيجة أثناء توجههم إلى اليونان . 

وشهد شهر آذار من العام 2016  أعلى مستوى تدفق من اللاجئين الى السواحل الأوروبي، فيما أشارت الإحصائيات الى أن اكثر من 5000 لاجئ غرقوا في البحر خلال 2016 وكانت هذه أعلى نسبة سجلت في منطقة البحر المتوسط . 


 طريق البر .. 
لا يقل هذا الطريق خطورةً عن طريق البحر، إلا كونه عبر الحدود البرية التركية اليونانية أو البلغارية مشياً على الأقدام، مع إمكانية تعرض اللاجئين للغرق في نهر إيفروس الذي يكون في أعلى مستوى لمنسوب المياه فيه في أشهر ( آذار ونيسان وأيار ) أو ربما للضياع في الغابات المحاذية له، ويعتبر هذا الطريق أكثر الطرق شيوعاً وأعلاها تكلفة ًفي الفترة الأخيرة حيث تتراوح التكلفة للشخص الواحد بين 1700 – 2100 يورو، ويعود ذلك الى الميزة الوحيدة التي يرغبها اللاجئون وهي عدم إجبارهم على بصمة اللجوء داخل الاراضي اليونانية، وبشكل آخر وصولهم إلى العاصمة أثينا دون الخوف من احتجازهم داخل مخيمات اللجوء في اليونان كما يحدث في الجزر اليونانية، وفي حال تم إلقاء القبض عليهم  على مقربة 100 كلم من مدينة سالونيك والتي تعد المدينة الرئيسية للاجئين في اليونان، يتم احتجازهم في مخيم لمدة يومين أو أكثر حسب اكتظاظ المخيم،ومن ثم إعطائهم (خارطية ) للتحرك داخل الأراضي اليونانية، وتبعد مدينة سالونيك عن الحدود التركية قرابة  420 كلم، فيما إذا تم إلقاء القبض عليهم في المناطق القريبة من الحدود، فيتم نقلهم عبر نهر إيفروس الى الأراضي التركية من قبل الشرطة اليونانية، وفي الآونة الأخير بدأت الشرطة اليونانية الموجودة على الحدود بضرب اللاجئين عند إلقاء القبض عليهم وسلبهم أموالهم وهواتفهم، وإجبارهم على خلع ثيابهم وتركهم بالملابس الداخلية وإعادتهم الى تركيا .

وبتاريخ 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2018 اعتدت الشرطة اليونانية بالضرب على لاجئين فلسطينيين وعرب، بعد أن ألقت القبض عليهم، عقب عبورهم نهر "إيفروس" الفاصل بين تركيا واليونان، قبل أن تجبرهم على خلع ملابسهم والعودة عراة إلى تركيّا، بحسب ما نقلته "مجموعة الإنقاذ الموحّد للإغاثة الإنسانية". 



وقدّم الفلاحون على الجانب التركي من الحدود في قرية " كرميتش صالح" في مدينة أدرنة العون لهؤلاء اللاجئين، وأرفدوهم بالملابس والطعام والمأوى، قبل تسليمهم إلى الشرطة التركيّة، وبدت آثار الضرب المبرّح على أجسادهم.

ولكل مهرب عدة مناطق محددة على الحدود يسميها" بالنقاط " الخاصة والنقاط عبارة عن مناطق صغيرة معروفة بينهم، تنطلق منها الرحلات إلى داخل الأراضي اليونانية ، بالإضافة الى الأدلاء وهم عبارة عن مجموعة أشخاص يعملون لصالح المهرب الرئيسي ويسمى الفرد منهم بالـ " ريبر " وتكون مهمتهم مرافقة اللاجئين في اجتياز الحدود البرية عبر قطع نهر ايفروس بواسطة قارب مطاطي صغير يتسع الى 8 أشخاص في الدفعة الواحدة يتم التنقل به بين ضفتي النهر لنقل اللاجئين، ويحفظ هؤلاء الأدلاء طريق الدخول والخروج من وإلى اليونان لإيصال اللاجئين إلى نقطة معينة داخل الاراضي اليونانية وقد تتجاوز قرابة 7 كيلومترات يقطعونها مشياً على الأقدام .

 ثلاثون محاولة للوصول إلى اليونان .. فشلت ؟ 
محمد لاجئ فلسطيني  وصل إلى تركيا عبر طرق التهريب من جبال كردستان قبل حوالي عام ونصف العام، يقول محمد لموقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين : "إن المرة الأخيرة التي حاولت فيها العبور إلى اليونان كانت في شهر أيلول / سبتمبر من العام الجاري، وكان ترتيبها على ما اعتقد المرة الثلاثين، لكنها كانت الأصعب بين جميع المرات بسبب ضياعنا لمدة 5 ساعات تقريباً داخل الغابات الكثيفة على الطرف التركي، بعد أن تركنا سائق السيارة الذي رفض إعادتنا الى اسطنبول."
  
يتابع محمد : " أحد المهربين الذين حاولت معهم الدخول إلى اليونان عرض علي العمل معه كدليل بعد أن عرف أن محاولتي هذه كان رقمها الثلاثين" .

ويضيف: أنه لم يعد يفكر باجتياز الحدود إلى اليونان بعد كل هذا العذاب، والخسارة المالية التي تقدر بـ 50 يورو في كل مرة يحاول فيها الهروب، ويدفعهالحساب مكتب التأمين الذي يكون وسيطاً بين اللاجئ والمهرب لحين وصول اللاجئ الى الأراضي اليونانية .

طريق يحفه التعرض للضرب والسرقة والنصب 
الأمر ذاته بالنسبة للاجئ الفلسطيني  يحيى حسن الذي قال : إنه بعد ثاني مرة حاول فيها العبور، أدرك أن جميع المهربين يتلاعبون بأرواح اللاجئين ويفتقدون لأدنى معايير القيم الإنسانية والأخلاقية. 

يتحدث عن تجربته: " تركونا على الضفة الثانية من النهر داخل الأراضي اليونانية، بعد أن سلبوا أموالنا وهواتفنا بتهديد السلاح، وأتلفوا القارب المطاطي الصغير، يعد عودتهم إلى الجانب التركي، لذا عزفت عن الهجرة بهذه الطرق الصعبة، وأنتظر حصولي على فرصة لأسافر عبر الجو الى البلد الذي أريد ." 

وأما اللاجئ الفلسطيني السوري "محمد عدنان" فقد تعرض أثناء عبوره الى اليونان للضرب المبرح وإجباره على خلع ملابس واتهامه بالعمل لصالح المهرب، حيث تم احتجازه لمدة أسبوع في اليونان مما تسبب في ضياع أوراقه الرسمية، وعند الإفراج عنه تمت إعادته إلى تركيا، تسليمه للجندرما التركية والتي بدورها أعادته الى مدينة اسطنبول . 

وللأسف لا يتسع أي تقرير لوصف معاناة اللاجئين الفلسطينين السوريين في تركيا مع الهجرة وما يعيشونه كل يوم في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية وقانونية صعبة .

   وخلاصة القول :  مسار الهجرة المحفوف بالمخاطر من تركيا لأوروبا يُمثل بُعداً آخر في مشهد التشرد الذي يعانيه الفلسطينيون منذ أكثر من سبعين عاماً، وهو لا يقل في جوهره عن مأساة اللجوء إلى باقي دول الجوار.

وإن معاناة ما يزيد على 8 آلاف لاجئ فلسطيني سوري ستبقى قائمة حتى يوم عودتهم إلى دفء وطنهم  فلسطين، لا سيما مع تخلي منظمة التحرير وسفارة السلطة في أنقرة، والفصائل الفلسطينية الموجودة في تركيا عن القيام بمسؤولياتها الحقيقية تجاه هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين. 
منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة
أكثر الأخبار قراءة
آخر الأخبار المضافة