الإثنين 16 ديسمبر 2019
تقرير: نقابة للسائقين الفلسطينيين في لبنان؟

المخيمات الفلسطينية في لبنان | 2018-07-14 | خاص - بوابة اللاجئين الفلسطينيين
لبنان

زينب زيّون
"نقابة للسائقين الفلسطينيين!" جملة رددها عدد كبير من السائقين الفلسطينيين في مدينة صيدا جنوبي لبنان، مبدين تعجّبهم، عند سؤالهم عن وجود نقابة تحمي حقوقهم وتحدد نطاق عملهم بلبنان، خصوصاً بعد مرحلة صدور قانون السير اللبناني الجديد، عام 2015، الذي حرمهم من حق مزاولة المهنة، التي تُعتبر ملاذاً للكثيرين منهم، تحديداً العاطلين عن العمل، بُغية تأمين قوت يومهم بعيداً عن البطالة ومدّ يد العوز، في مخيّمات تعصف بها الآفات ويتدنى فيها المستوى المعيشي والاقتصادي للعائلات. 

ولكن ما هي المسؤولية التي تقع على عاتق نقابة السائقين الفلسطينيين في لبنان؟ وهل تشمل النقابة كافة السائقين الفلسطينيين في لبنان؟ هل تتواصل النقابة مع الجهات اللبنانية، السياسية والنقابية، لإيجاد حل لعمل الفلسطيني؟ وإلى متى يبقى العامل الفلسطيني محروماً من أدنى حقوقه الانسانية والمعيشية؟

هي أسئلة طرحها السائقون الفلسطينيون، خلال لقائهم فريق "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، الذي عمل على نقلها إلى أمين سر نقابة السائقين الفلسطينيين في لبنان، ناصر ميعاري، للاطلاع منه على واقع السائقين الفلسطينيين في لبنان.

 


مهنة "السائق" منتشرة كثيراً في صفوف الفلسطينيين

قال ميعاري إنّ "مهنة قيادة السيارة، مهنة الفقراء"، مشيراً إلى أنّ هذه المهنة هي الملجأ الوحيد لهؤلاء الأفراد في وقت تقل فيه فُرص العمل،  وما يُعانيه الفلسطيني في لبنان، في ضوء حرمانه من مزاولة أكثر من 72 مهنة، من ضمنها مهنة السائق. 

وتابع ميعاري: "صحيح أنّ هذه المهنة ممنوع مزاولتها، بحسب ما ينصّ قانون السير اللبناني الجديد، إلا أنّها مهنة كثيرة الانتشار في صفوف فلسطينيي لبنان".

وأوضح ميعاري أنّ في لبنان، ينقسم سائقو التاكسي الفلسطينيون إلى ثلاث فئات: منهم من يعمل على سيارة عمومية يمتلك لوحتها، ومنهم من يعمل على سيارة عمومية مُستأجرة من لبناني، أما الفئة الثالثة هم سائقو السيارات ذات لوحة خصوصية، وهذه الفئة لا يمكن انتسابها للنقابة، لأنها غير شرعية 100%. 

وأشار ميعاري إلى أنّ "السائق الفلسطيني يُسمح له، بموجب القانون اللبناني، امتلاك لوحة سيارة عمومية، لكن لا يستطيع الحصول على رخصة قيادة عمومية، فيحق له إما تأجيرها لشخص لبناني أو بيعها، لكن يمنع مزاولة عمله كسائق". 

وعن سبب المنع، قال ميعاري إنّ "الدولة اللبنانية تمنع حصول الفلسطيني على رخصة قيادة عموميةً لأنّها تضع الفلسطيني تحت مُسمّى (الأجنبي)، علماً أن الفلسطيني ولد في لبنان، وتعلّم في مدارسه، ويُساهم في إنعاش الدورة الاقتصادية للبلد المُضيف عبر الأموال التي تُرسل له من ذويه في الخارج، إلا أن القوانين اللبنانية تحدّ من فرص عمله".

السائقون الفلسطينيون عرضة للتوقيف

لا تقتصر لفظة "سائق" على سائقي التاكسي، بل تتعداها لتشمل السائقين العاملين في ورش البناء أو في المزارع، بحسب ما أشار ميعاري. مشيراً إلى أن "العديد من هؤلاء السائقين تعرّضوا للتسريح من وظائفهم بعدما تعرّضوا لملاحقات توقيف واحتجاز المركبة المستخدمة لنقل مواد البناء أو حتى المحاصيل الزراعية".

وفي حال تعرض السائق الفلسطيني لتوقيف واحتجاز سيارته، بسبب ما يسميه القانون اللبناني "مُخالفة" فمن أين يؤمن المبلغ المالي لدفع مبلغ الجزاء لفك الحجز؟ تساءل ميعاري، واصفاً واقع العامل الفلسطيني في لبنان، الذي لا يتمتّع بأدنى حقوقه المدنية والاجتماعية والانسانية، والذي يعيش ظروفاً حياتية مريرة وصعبة.

وعن الشروط التي يجب توفيرها لفك الحجز عن السيارة، قال ميعاري: "يجب على السائق الفلسطيني دفع غرامة مالية وقدرها 350$ وأكثر، بالإضافة إلى تأمين سائق لبناني بحوزته دفتر عمومي، بالإضافة إلى تأمين وكالة قيادة للسائق اللبناني ورخصة مزاولة المهنة من وزارة الأشغال حتى يتمكن من فك الحجز عن السيارة التي تم توقيفها".

النقابة وواجباتها تجاه السائقين الفلسطينيين في لبنان

يقتصر دور النقابة على التعاطي مع السائقين الفلسطينيين الموجودين في لبنان ومحاولة تخفيف معاناتهم، وتعد النقابة جزء من الاتحاد النقابي العام لعمال فلسطين، الذي تأسس منذ حوالي 45 عاماً، إلا أنّ معاناة السائق الفلسطيني التي اشتدّت بعد وضع قانون السير الجديد، أدّت إلى بروز دور النقابة بشكله الطبيعي.

وفي هذا الصدد، قال ميعاري إنّ "العمل النقابي هو عمل خدماتي، لكن النقابة لا تستطيع تأمين أيّة خدمات للسائق الفلسطيني، إن كان على صعيد الخدمات الصحية وغيرها، لكنّ يمكن للسائق الحصول على بطاقة انتساب للنقابة، يمكن الاستفادة منها في حال توقيفه بسبب "مخالفته" لعدم حيازه على دفتر قيادة عمومي.

ففي منطقة الجنوب، استطاع الاتحاد تأمين بطاقات للسائقين الفلسطينيين في المنطقة، وباتفاق حصل بين الجهات الأمنية والنقابية، حيث تمّ اتباع سياسة "غضّ البصر" عن السائقين المخالفين فقط بموضوع امتلاك دفتر قيادة عمومي، لكنّهم ملتزمين بكافة الشروط الأخرى "اللوحة العمومية، استخدام مادة البنزين بدلاً عن المازوت..."

وأشار ميعاري إلى أنّ لقاءً جمعهم مع النقابات اللبنانية، طرحت خلالها نقابة السائقين الفلسطينيين في لبنان فكرة حصول السائق الفلسطيني على رخصة قيادة مؤقتة، مقابل مبلغ مالي مقبول نسبياً، بمثابة ضريبة، إلا أنّ الجهات اللبنانية أوضحت أنّ هذا يتطلب تشريعاً من قبل مجلس النواب.

السائق الفلسطيني ليس منافساً لنظيره اللبناني

يبلغ عدد السائقين الفلسطينيين في لبنان حوالي 2500 سائق، بين مالك ومستأجر، بحسب إحصائيات النقابة، وهؤلاء السائقون لا يشكلون خطراً على السائق اللبناني، لأنّ جغرافية تحركه، أي داخل المخيمات ومحيطها، أماكن لا يدخلها اللبناني.

وفي هذا السياق، تطرقّ ميعاري للحديث عن الحواجز الموجودة على مداخل المخيمات، حيثُ يتعرّض السائق الفلسطيني لتدقيقات أمنية كبيرة، لدى دخوله وخروجه، والمطلوب منه الحصول على تصريح من مخابرات الجيش اللبناني يتم تجديده كل ستة أشهر.

"بحكم المتوقفة عن السير"

في العام 2009 صدر مرسوم جديد، يقضي بأنّ باستطاعة الفلسطيني وضع السيارة بحكم "المتوقفة عن السير"، وذلك بحال عدم وجود سائق لبناني يقودها، وهذا القرار جاء بمثابة إعفاء الفلسطيني من دفع المستحقات للضمان الاجتماعي، والتي كانت مترتّبة عليه، ولكنّها من جهة أخرى حرمته من الحصول على فرق ارتفاع مادة البنزين، التي ظلّت من حقّ اللبناني فقط.

اللوحة الخصوصية منتشرة في لبنان ولكن لا يمكن انتسابها للنقابة

يعمل الفلسطيني سائق تاكسي على سيارته التي يملك، ذات اللوحة الخصوصية، وذلك بطريقة سريّة وبعيداً عن عيون الدولة، حسب ما قال ميعاري، ليشير إلى أنّ سائقي السيارات الخصوصية لا يمكنهم الانتساب لنقابة السائقين.

ولدى سؤاله عن سبب لجوء هؤلاء الأفراد للعمل كسائقي تاكسي على سياراتهم التي تحمل لوحة خصوصية، قال ميعاري أن الفرد منهم يُفضّل العمل لمدّة ثلاث أو أربع ساعات يومياً على سيارة خصوصية وتأمين القوت لعائلته بالمبلغ الذي حصل عليه، بدلاً من العمل على سيارة عمومية حيث يصير بحاجة للعمل كافة ساعات النهار وبالكاد يستطيع الحصول على المال الكافي لتأمين قوت يومه، لأنّه سيترتّب عليه مصاريف إضافية من إيجار السيارة أو اللوحة العمومية، وسواها من المستحقات السابق ذكرها.

مهنة "قوت ولا تموت"

يعمل السائق الفلسطيني أبو محمود في نطاق منطقة محددة في مدينة صيدا، وهي المنطقة المحاذية لمخيّم عين الحلوة، يغنّي للرُكّاب، ليُخبرهم بعد ذلك أنّ الغناء يُلهيه عن التفكير بالمعاناة التي تتربص بعائلته، فالأوضاع الاقتصادية صعبة والأسعار بالبلد نار...

أبو محمود الذي يعمل على سيارة استأجرها من شخص لبناني، لوحتها عمومية، يقول: "أنا أعمل من الفجر للنجر، وعند انتهاء دوام العمل أقوم بِعَدّ الغلّة وتقسيمها، لتتوزّع على الشكل التالي: ثمن البنزين، إيجار السيارة، ويبقى لي ثمن قليل أعطيه لزوجتي بغية تأمين القوت للأولاد". وتابع أبو محمود "كل يوم منعيد نفس الموّال، وما في مبلغ بيصمد على جَنَب، ما إلنا غير الله".

وما بين هاجس تأمين القوت اليومي لأسرته، ودفع إيجار المنزل وإيجار السيارة العمومية، صار أبو محمود يتفادى حواجز التدقيق لئلا يقع ضحية إحدى المحاضر ذات الغرامات العالية أو حجز السيارة أو سواها من الإجراءات التي يمكن أن يتعرّض لها.

أما أحمد فرهوت الذي يعمل على سيارة تحمل لوحة عمومية، يقول "عايشين كل يوم بيومه"، وتابع "بالسابق كان سائقو التاكسي الفلسطينيون يعتمدون على إدخال الأهالي وإخراجهم من وإلى المخيم، ولكن بعد الإجراءات الأمنية التي اتخذها الجيش اللبناني وازدياد الزحمة على مداخل المخيّم، صرنا نوصل الركاب على المداخل ونطلب منهم متابعة الطريق سيراً على الأقدام، فعامل الوقت مهم بالنسبة لنا". 

 


استطاع الفلسطيني في لبنان مزاولة مهنة السائق، كما استطاع تأسيس نقابة تجمع السائقين الفلسطينيين، لكنّه ظَلَّ حتى يومنا هذا، يعمل في ظِلِّ سياسة "غض النظر"، يُحاول ويتحايل، يهرب لتأمين لقمة عيش كريمة، يتحايل لانتزاع حقٍ غير مشروع له من قبل الدولة المضيفة.
منشورة في زاوية
رابط مختصر
الأخبار المرتبطة