الأربعاء 24 يوليو 2019
رحلة من أجل الحياة

شنطة سفر | 2018-12-10

لم أكن اعرف معنى التوحد، إلا عندما بلغ صغيري الثالثة فاقدا تواصله.

 من هنا بدأت رحلة لجوء أخرى غير التي كنت أعيشها بوصفي من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.. لجوئي هذه المرة كان هربا من حرب أخرى تشن على ولدي بأشكال مختلفة، منها نظرة الشفقة عليه التي كنت أراها على وجوه بعض المقربين.. ابتعدت عن الناس وتوحدت مع صغيري، وتوحدت فيه.  

الحرب لم تتوقف على المحيط الصغير حولي وحوله، بل وصلت إلى رياض الأطفال التي رفضته باعتباره "متوحد". حتى أني في مرة من المرات توسلت إحدى الرياض  من أجل قبوله، وبالفعل حصل ما أردت، وبقي فيها عام، إلى أن حان موعد دخوله المدرسة النظامية، والتحق بالفعل.. في الصف الأول وهذه كانت المشكلة ليست من أقرانه في الصف بل من أهل بعضهم، حيث بدأت الكوارث، إذ لم يتقبلوا وجود أولادهم مع ولدي غير الطبيعي بنظرهم.

هذا الحال اللإنساني أوصلني إلى مرحلة اليأس من المجتمع، وإدراك كم الخراب الذي وصلت إليه النفوس.. فكان قرار السفر، أو بالأحرى الهجرة إلى بلد يحترم وضع ولدي ولا ينظر إليه بفوقية، بالتالي يساعده على التقدم.. فكان اللجوء إلى الغرب.

رحلة

الطريق إلى أوروبا لم تكن سهلة. انتظرت في تركيا نحو خمسة أشهر، عانيت خلالها الكثير، عشت في فندق معظم نزلائه من السوريين الفارين من الحرب المشتعلة في سوريا.

خلال مكوثي في هذا الفندق، وجدت نفسي محاطة بغيلان بشرية، فلم أكن بنظر الذكور الكثيرة الموجودة، إلا أنثى وحيدة من الممكن افتراسها.. فلم يكن يكفيني رعبي من فكرة ركوب البحر مع صغيري، ليضاف إليه رعبي من تلك العيون المفترسة والتي تنتظر فرصة للانقضاض إما بلفظ أو سلوك أو حتى محاولة اقتراب بشعة.

تلك الفترة أفقدتني نفسي، وعانيت خلالها اغترابا قاسيا متوحشا، فلا المكان لي، ولا الناس ناسي، وأخبار الموت القادمة من المكان الذي تركته، كانت وحدها كفيلة أن تفتك بقلبي.

بعد مضي أشهر الانتظار، جاء وقت الرحيل.. كان الوقت ليلا، مشيت مع مجموعة من الناس وفق توجيهات "المهرب" في إحدى الغابات بمدينة إزمير، إلى أن وصلنا قرابة الثامنة صباحا إلى الذي صار اسمه بالنسبة لي "مركب الموت".

كان الإنهاك قد نال منا جميعا، ولم يكن بوسع أحدنا حتى الاعتراض على سوء المركب الذي لا يصل طوله إلى أكثر من 14 مترا.. هذا الطوف سيحملنا إلى شواطئ إيطاليا. اليوم لا أستطيع أن أتذكر حتى كيف اتسع لثمانين شخصا.

80شخصا، كل واحد لم يكن يفكر إلا بنفسه وبمن معه من عائلة، وأنا مثلهم، لكنني ضمنهم لم أجد مكانا أجلس فيه وأضع طفلي في حجري. لا مكان لي ولا لطفلي سوى البقاء وقوفا بين الجالسين، كل هذا مع دوار البحر ، وعلو وهبوط الموج.

احتج اغلبهم، وارتفعت أصواتهم في وجه "المهرب" إلا أن الأخير بادلهم بالصراخ "من لا يريد الذهاب إلى أوروبا، فلينزل ويعود من حيث أتى" هنا صمت الجميع، ومضينا كيف ما اتفق.

قبل انطلاق المركب كانت الرحلة تقاس بالمال وباحتمالات ما سيحصل في البحر، أما خلال الرحلة التي استمرت خمسة أيام، فلا شيء يمكن قياسه سوى الحياة والموت.. مع فجر اليوم الخامس تعطل المركب، لكننا ولحسن الحظ كنا قد دخلنا المياه الإقليمية لإيطاليا، فجاء خفر السواحل وانتشلنا.

انهيار

ما إن صعدت مع ولدي إلى سطح المركب الإيطالي، حتى انهرت باكية، لا أعرف إن كان هذا البكاء فرحا بالنجاة أم من شدة التعب الذي لم يكن بالإمكان التعبير عنه بأي نوع من الكلام أو الإفصاح.

بكيت أكثر، حين أخذت طفلي إحدى العاملات على السفينة وأدخلته غرفة دافئة لتغير له ملابسه.. كنت أتابع المشهد من خلف زجاج. حينها جلست على الأرض وبدأت أدرك الذي فعلته، بدأت أفهم خمسة أيام كان عقلي قد توقف عن التفكير، وإدراكي للأشياء كان كأنه تلاشى، فلا حول لي ولا قوة وسط البحر، ولا حول لولدي ولا قوة سواي..

تلك اللحظات التي جلست فيها على الأرض، وتلك الدموع التي ذرفتها، ولدت داخلي بركانا انفجر على تاريخي، على الأسباب التي دفعتي إلى مغامرة السفر هذه. إلى الذهاب في رحلة احتمال النجاة يتساوى مع احتمال الموت غرقا.

أخذنا خفر السواحل الإيطالي إلى البر، ووضعونا في خيام للمبيت بقينا فيها نحو أسبوع، لم أشعر خلاله إلا بالبرد القارس.

ولادة

خرجت مع طفلي من المخيم، وعبر "مهرب" تمكنا من الوصول إلى الأراضي الألمانية، وفيها تقدمت بطلب اللجوء.

ومن تلك اللحظة، وبعد الذي عشته خلال رحلتي التي طالت، قررت أن امرأة جديدة يجب أن تولد.

أول قرار اتخذته أن أرفض، أن أعرف كيف أرفض، كيف أعيد تكوين ذاتي ووعيي في هذه البلاد. الرفض شكل لدي حافزا أن أفهم كيف أعيش، ولماذا على أقبل، ومتى على أن أقول لا.. خلافا لما كنت عليه، لا أعرف سوى كلمة "نعم".

هذه الـ "نعم" كان لها أن تقضي على باقي حياتي لو بقيت خاضعة لأهواء من يطلقوا أوامرهم في وجهي..

هذه الـ "نعم" جعلتني أنعزل من أجل ولدي الذي بات اليوم طالبا في مدرسة خاصة بحالته، تقدم له ما يجب، وتعلمني كيف أكون له أما مثالية.

هذه الـ "نعم" لم أحذفها من حياتي، لكنها أصبحت كلمة في قاموسي، أستخدمها حين يجب أن تستخدم من دون المساس بإنسانيتي واحترامي لنفسي ووجودي.

سنوات أربع مرت على وجودي وولدي في ألمانيا.. ولكن سؤالا كبيرا يعيش في عقلي ويؤرقني.. نولد أحرارا، ونكمل حياتنا من أجل استردادها، لماذا؟

الأخبار المرتبطة