وسط الخيام المؤقتة وأنقاض المنازل المدمرة، افترش فلسطينيون موائد إفطار متواضعة في أحد أحياء شمالي قطاع غزة، في مشهد امتزجت فيه الزينة الرمضانية بأكوام الركام، إيذانًا بمحاولة إعادة الحياة إلى منطقة أنهكتها حرب الإبادة على غزة.
في الحي الذي دُمّر بالكامل خلال الحرب الأخيرة، تطوع عشرات الشبان لإزالة الركام من محيط منازلهم وتعليق الأضواء والزينة بين الجدران المتصدعة، استعدادًا لتنظيم إفطارات جماعية خلال الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك.
مبادرة شبابية بعنوان: "نحن باقون"
أحد الشبان المتطوعين قال إن المبادرة جاءت لتأكيد البقاء في الحي الذي دمره الاحتلال على مرأى من العالم. وخصص المتطوعون 48 ساعة متواصلة لإزالة ما أمكن من الأنقاض وتهيئة ساحة تتسع لمئات العائلات.
وحملت المبادرة رسالة واضحة إلى النازحين مفادها: "عودوا إلى الشمال، حتى لو كان فوق أنقاض منازلكم، لنزرع الأمل ونقول إن هذا الحي ما زال حيًا بأهله".

وشهد اليوم الخامس من رمضان إقامة ثالث مائدة إفطار جماعي في الحي؛ إذ شاركت في اليوم الأول نحو 800 عائلة، ثم 600 في اليوم التالي، قبل أن ينخفض العدد إلى 500 في اليوم الثالث، بحسب المنظمين.
ولا تتمكن المبادرة يوميًا من تلبية احتياجات مئات العائلات التي تعجز عن تأمين وجبة إفطار كاملة، في ظل اعتمادها على تبرعات أهل الخير لاستمرار الإفطارات الجماعية. وفي إحدى المرات، اقتصر الإفطار على حساء العدس الذي قدمه "المطبخ العالمي".
أجواء رمضانية رغم الألم
ورغم قسوة المشهد، أضفت الفوانيس والأضواء المعلقة بين الأنقاض أجواءً رمضانية خاصة، افتقدها الغزيون الذين عاشوا أهوال الحرب على مدار عامين ونصف. وتجمع الجيران والأقارب حول موائد الطعام مجددًا في محاولة لاستعادة طقوس الشهر الفضيل التي غابت خلال أشهر العدوان.

"المجاعة انتهت… لكن الأسعار ترهقنا"
ويقول القائمون على المبادرة إن الأوضاع المعيشية ما تزال صعبة، رغم تحسن نسبي في توفر بعض المواد الغذائية، مؤكدين أن المجاعة انتهت، لكن الأسعار لا تزال مرتفعة جدًا.
وأشار أحد الشبان إلى أسعار الدواجن الباهظة التي تفوق قدرة كثير من العائلات، ما يجعل تأمين الاحتياجات اليومية أمرًا بالغ الصعوبة، مضيفًا: "رسالتنا إلى العالم أن الأطفال هنا فقدوا كل شيء، وهم بحاجة إلى مزيد من الدعم والتبرعات لإعادة بناء حياتهم".
رمضان مثقل بالذكريات المؤلمة
مها حمادة، إحدى سكان الحي، فقدت زوجها واثنين من أبنائها خلال الحرب، أحدهم في رمضان الماضي. وتقول إن الشهر الذي كان مناسبة للفرح وصلة الرحم بات مثقلًا بالذكريات المؤلمة.
وأضافت: "كنا نجتمع كل عام مع الأحباب، نزور الأقارب ونفرح بلمة العائلة. بعد فقدان زوجي أصبح كل شيء صعبًا، لكننا حاولنا التمسك بعاداتنا".
وأشادت حمادة بجهود لجنة الحي التي عملت على تزيين المنطقة وإعادة الحياة إليها، قائلة: "كنا نظن أن المكان أصبح ميتًا ومرعبًا، بلا ماء ولا خدمات، لكننا أحييناه شيئًا فشيئًا بالخيام وخراطيم المياه. لقد عاد فيه بعض الأمل".
ويعكس المشهد في شمال قطاع غزة محاولة الأهالي استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية، رغم الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية. وبينما لا تزال آثار الحرب حاضرة في كل زاوية، تشكّل موائد الإفطار الجماعي مساحة للتكافل الاجتماعي ولمّ الشمل، ورسالة صمود في وجه واقع ثقيل.

