مع تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على مناطق جنوب لبنان والبقاع وبيروت، تتواصل موجات النزوح باتجاه المناطق الشمالية الأكثر أماناً، حيث بات مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان مقصداً للعائلات الفارّة من القصف والاشتباكات.

وفي ظل هذا الواقع الإنساني الصعب، باشرت اللجنة الشعبية في المخيم عملية إحصاء للعائلات النازحة بالتعاون مع عدد من المؤسسات الفاعلة، في محاولة لتنظيم الاستجابة وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للعائلات الوافدة، فيما فتح ناشطون مدارس وكالة "أونروا" بالتعاون مع إداراتها لاستقبال النازحين.

Picture2 1.jpg


رحلة نزوح قاسية… من بنت جبيل إلى الشمال

تروي النازحة غفران خطاب، التي كانت تقيم في بلدة بنت جبيل جنوبي لبنان، تفاصيل رحلة النزوح التي عاشتها عائلتها، مشيرة إلى أنهم استيقظوا عند الساعة الثالثة فجراً على أصوات القصف العنيف، ما اضطرهم إلى مغادرة منزلهم على عجل.

وتقول: إنهم غادروا بالسيارة دون أن يتمكنوا من أخذ أغراضهم أو حاجياتهم الأساسية، وسط حالة من الخوف والارتباك.

وتوجهت العائلة بداية نحو مدينة صور على أمل أن تكون أكثر أماناً، إلا أن الغارات المتواصلة حالت دون شعورهم بالاستقرار، فلم يتمكنوا من النوم أو حتى تناول السحور.

وفي اليوم التالي انتقلوا إلى صيدا، غير أن معاناتهم استمرت، إذ اضطروا خلال ثلاثة أيام إلى المبيت في الشوارع في ظل ظروف إنسانية قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار.

وتضيف خطاب أن رحلة النزوح كانت شاقة للغاية، حيث واجهوا نقصًا في الطعام والشراب، فيما كان الأطفال صائمين خلال شهر رمضان، والسيارة بالكاد تتسع لأفراد العائلة وبعض الأغراض القليلة التي تمكنوا من حملها، كما أشارت إلى أن القصف لم يتوقف، سواء في صيدا أو على الطريق المؤدي إلى بيروت، ما زاد من مشاعر الخوف والإرهاق.

Picture4.jpg

"كثير خفنا"… شهادة طفلة من قلب النزوح

من جهتها، تروي الطفلة رفيف خطاب تفاصيل تلك الليلة، قائلة: إن العائلة استيقظت على أصوات القصف، واضطروا سريعاً إلى جمع بعض الأغراض ومغادرة المنزل.

وتضيف أنهم توجهوا إلى صور ظناً بأنها أكثر أماناً، إلا أن القصف طال المدينة لاحقاً، ما أجبرهم على مواصلة النزوح. وتصف رفيف لحظات الخوف التي عاشتها العائلة حين خرج والداها لإحضار الخبز، لتقع غارة قريبة منهم، فتقول: "صرنا نبكي وخفنا كثير، وكان في زحمة عالم كبيرة… والحمد لله وصلنا لهون بخير:".

وتشير إلى أن أهالي المخيم استقبلوهم بحفاوة، وفتحوا لهم صفوف المدارس للإقامة المؤقتة، كما بادر السكان إلى السؤال عن احتياجاتهم وتقديم المساعدة.

من الجنوب إلى نهر البارد… استقبال يخفف المعاناة

بدوره، يؤكد النازح مصطفى الحاج عمر، القادم من قرى قضاء مرجعيون جنوبي لبنان، أنهم غادروا منطقتهم قبل أذان الفجر بقليل متوجهين نحو صيدا، إلا أن الازدحام الشديد على الطرقات وصعوبة التنقل زادا من معاناة الرحلة.

ويشير إلى أن الطريق من صور إلى صيدا استغرق يوماً كاملاً بسبب الاكتظاظ المروري، قبل أن يتفاجؤوا لاحقاً بامتداد القصف إلى صيدا ثم بيروت.

ويقول: "الحمد لله وصلنا بسلام إلى مخيم نهر البارد، وكان الاستقبال جيداً جداً. الناس لم تقصّر معنا ووقفوا إلى جانبنا بما يستطيعون".

أما غفران خطاب فتشير إلى أن مشاهد التضامن الشعبي كانت لافتة، موضحة أن كثيرين كانوا يبادرون إلى مساعدتهم فور إدراكهم أنهم نازحون، سواء عبر السؤال عن احتياجاتهم أو تقديم ما يستطيعون من دعم، وهو ما ساهم في التخفيف من معاناتهم بعد أيام من الخوف والتشرّد.

اللجنة الشعبية: إحصاء وتنظيم للاستجابة

في موازاة الاستقبال الشعبي للعائلات النازحة، باشرت اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد عملية إحصاء للعائلات الوافدة بهدف تنظيم عملية الاستجابة الإنسانية.

وفي هذا السياق، أوضح أمين سر اللجنة الشعبية الدوري في المخيم، أبو العبد عبد الله، أن اللجنة بادرت منذ بداية العدوان إلى اتخاذ خطوات عملية لدعم النازحين القادمين من الجنوب والبقاع وبيروت.

وأشار إلى أن عملية الإحصاء انطلقت بالتعاون مع مؤسسات أبدت استعدادها لتقديم المساعدة، مؤكداً ضرورة قيام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" بواجبها تجاه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

كما وجّه دعوة إلى أهالي المخيم لفتح منازلهم أمام العائلات النازحة والتخفيف من الأعباء التي تواجهها، ولا سيما من خلال خفض الإيجارات، لافتاً إلى وجود إقبال ملحوظ على التسجيل لدى اللجنة.

وأضاف أن عدد العائلات التي سُجّلت لدى اللجنة الشعبية بلغ حتى الآن نحو 170 عائلة، مع استمرار عمليات التسجيل يومياً بهدف ضمان تقديم الدعم والخدمات لها بالتنسيق مع المؤسسات المعنية.

وبينما أجبر القصف العائلات على مغادرة منازلها وقطع مسافات طويلة بحثاً عن الأمان، وجد كثير من النازحين في مخيم نهر البارد ملاذاً مؤقتاً ومساحة من التضامن الشعبي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استجابة إنسانية منظمة تواكب تزايد أعداد الوافدين وتؤمن احتياجاتهم الأساسية.

 

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد