من مخيمات سوريا إلى مخيم الجليل في البقاع اللبناني، تتكرر فصول اللجوء بأسماء مختلفة ووجع واحد. يعيش فلسطينيو سوريا واقعاً قاسياً يتجدد فيه النزوح، وتتناقله الأجيال في ظل غياب الأمان، فيما تتفاقم التحديات المعيشية والقانونية التي ترسم ملامح حياة غير مستقرة، مع تصاعد عدوان "إسرائيلي" جديد على لبنان.
حرب جديدة… لكن الوجع قديم
في مخيم الجليل، تصف أم قيس، وهي لاجئة فلسطينية سورية، واقعها بعبارة مكثفة: "حرب جديدة، بس وجع قديم"، مضيفة أنها تعيش اليوم الخوف ذاته "لكن هذه المرة بلا صدمة وبلا أمل".
وتؤكد أن الحروب المتكررة انعكست مباشرة على أطفالها، قائلة إنهم "كبروا قبل أوانهم"، حتى إن أصغرهم بات يميّز بين صوت القصف والرعد، مشيرة إلى أنها اضطرت للتنقل من منزل إلى آخر بحثاً عن الأمان.
وعن تكرار تجربة النزوح، تقول: "ما كنت متوقعة أعيش الحرب والنزوح مرة تانية، بس اللجوء ما إله كلمة خلص". وتضيف بغصّة أن أصعب ما تعيشه هو رؤية الخوف في عيون أطفالها دون القدرة على طمأنتهم.
وتوضح أن المساعدات التي تلقتها عند وصولها إلى لبنان اقتصرت على "أكل وفرشات"، قبل أن تتوقف لاحقاً؛ لأنها باتت مخصصة للنازحين الجدد فقط، ما جعلها غير قادرة على تأمين إيجار المنزل والكهرباء والأدوية والتدفئة. كما تشير إلى صعوبة الحصول على العلاج، قائلة: "الأدوية غالباً ناقصة أو غالية، وإذا ما لقيتها بالمستوصف بدي اشتريها على حسابي بالدين من الصيدلية".

ثلاث حروب… وقرار العودة القاسي
أحمد (س) يروي تجربته مع ثلاث حروب، بدأت بخروجه من سوريا إلى لبنان، حيث استقر في مخيم الجليل، واصفاً تلك المرحلة بالصعبة نتيجة تغير الظروف المعيشية والمناخ.
ويشير إلى أنه فقد إقامته في لبنان، ما أدى إلى "صعوبة في التنقل وصعوبة في المعيشة، خاصة مع اندلاع الحرب الأخيرة". ويؤكد أن قرار مغادرة لبنان بعد 14 عاماً كان من أصعب القرارات التي اتخذها، إذ اضطر للعودة إلى سوريا، رغم تشابه الظروف مع حرب عام 2024.
ويقول إن الأشهر الأخيرة كانت "صعبة جداً"، حيث لم يتمكن من التنقل أو تجديد إقامته أو إيجاد عمل، مضيفاً أن من أبرز التحديات التي واجهها كانت تصديق شهادته، والتي دفع مقابلها مبالغ كبيرة "وأغلبها كان بالدين".
أما اليوم، فيصف وضعه في سوريا بأنه "صعب"، إذ إن منزله في حالة سيئة جداً، ولا يصلح للسكن، ويحتاج إلى مبالغ كبيرة لترميمه، معبّراً عن أمله في أن تتحسن أوضاعه، وتعود حياته إلى الاستقرار.
نعيش من هجرة إلى هجرة
بدورها، تقول سارة علي، خريجة الأدب الإنكليزي، إن النزوح أثّر بشكل كبير على حياتها، إذ خسرت منزلها ومحيطها وكل ما تملكه، لتصل إلى مخيم الجليل، وتبدأ من الصفر.
وتضيف أنها لم تتمكن من إكمال دراستها بشكل طبيعي، ما انعكس على حالتها النفسية، مشيرة إلى أنها تشعر بأنها تعيش "من هجرة إلى هجرة"، ما أفقدها الإحساس بالاستقرار والانتماء.
وتؤكد أن الأحداث الأخيرة أعادت إليها مشاهد القصف في سوريا، قائلة إن "الحرب ما بتفرّق بين سوري ولبناني وفلسطيني"، وإنها اليوم جزء من هذا الواقع. كما تشير إلى أن غلاء المعيشة يشكل عبئاً كبيراً، خاصة في ظل عمل غير مستقر، موضحة أنها تضطر للعمل بشكل يومي في أحد محال الألبسة في سوق بعلبك.
وتلفت إلى أن مسألة تجديد الإقامة تمثل عائقاً كبيراً في حياتها، إذ تتطلب إجازة عمل، ما يدفعها للعمل بشكل غير منتظم.
الفلسطيني السوري من أكثر الفئات ضعفاً
من جهته، يؤكد الناشط الفلسطيني السوري رأفت مقداد أن الفلسطينيين السوريين في لبنان "من الفئات الأكثر ضعفاً"، وقد ازدادت معاناتهم في ظل الأزمة الاقتصادية ومنعهم من العمل.
ويشير إلى أن الحرب في لبنان فاقمت هذه المعاناة، خاصة بعد توقف المساعدات المالية التي كانت تقدمها "أونروا"، والتي كانت تسد جزءاً من احتياجاتهم.
ويوضح أن عدد العائلات الفلسطينية السورية في مخيم الجليل ومحيطه يُقدّر بنحو 270 عائلة، مشيراً إلى أن الإنذارات الأخيرة دفعت بعض العائلات للنزوح مجدداً إلى المخيم، بينما توجهت عائلات أخرى إلى مراكز إيواء أو منازل أقارب.
وعن الوضع القانوني، يقول إن أزمة الإقامات مستمرة منذ أكثر من عامين، بعد توقف الأمن العام اللبناني عن منحها دون توضيح الأسباب، مع تحديد مهلة للمغادرة كان آخرها 31 آذار/مارس 2026.
ويضيف أن الناشطين تواصلوا مع جهات عدة، بينها "أونروا" ولجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، لإيجاد حل، "لكن دون جدوى".
المساعدات تراجعت إلى الصفر تقريباً
ويؤكد مقداد أن المساعدات التي كانت "شريان حياة" منذ عام 2012 تقلصت بشكل كبير بسبب العجز المالي للوكالة، لتصل اليوم "إلى الصفر تقريباً" بعد أن كانت منتظمة شهرياً.
ويشير إلى أنهم عقدوا لقاءات مع جهات دولية، من بينها مدير عمليات "أونروا" في سوريا أمانيا مايكل إيبي، الذي أوضح أن الوكالة لا تمتلك تمويلاً كافياً في لبنان وسوريا، باستثناء قطاعي التعليم والصحة.
ومع اشتداد الحرب في لبنان منذ عام 2024 وتجددها مؤخراً، يصف مقداد الوضع بـ"الكارثي"، خاصة مع تراجع دور الجمعيات الأهلية في تقديم المساعدات الغذائية ومواد التدفئة، مؤكداً أن العائلات لم تعد قادرة على شراء المازوت بعد ارتفاع أسعاره بشكل كبير.
وبين من اضطر للعودة إلى سوريا رغم دمار منزله، ومن بقي في لبنان بلا بدائل، يعيش فلسطينيو سوريا واقعاً معلقاً بين حرب وأخرى. فبعد لجوء أول من فلسطين إلى سوريا، وثانٍ إلى لبنان، يجد كثيرون أنفسهم اليوم أمام خيارات قاسية، في ظل غياب الأمان واستمرار الأزمات.
وفي البقاع، حيث تقترب الحدود اللبنانية السورية، تستمر هذه الدائرة المفتوحة من النزوح، بينما ينتظر اللاجئون حلولاً من الجهات المعنية، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبلهم في ظل واقع لا يكاد يتغير.
