في هذه الحلقة من برنامج "رمضان في المخيم"، ترصد الكاميرا جانباً من تفاصيل الحياة اليومية في المخيمات، عبر التوقف عند "المونة" بوصفها أكثر من مجرد مؤونة غذائية، إذ تمثل ثقافة ادخار متجذّرة في الوعي الجمعي، شكّلت عبر عقود مصدر أمان وطمأنينة، وعكست في الوقت ذاته روح التعاون والتكافل بين العائلات.

مراسلة "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" زارت منزل الحاجة أم محمد في مخيم اليرموك، حيث استحضرت ذاكرة المونة بكل تفاصيلها، من رفوف كانت تتزين بالمربيات والمخللات والزيت والزيتون، إلى جلسات النساء اللواتي كنّ يجتمعن لتحضيرها وسط أجواء من الغناء والضحكات.

توضح أم محمد أن المكدوس كان يتصدر قائمة المونة، إلى جانب الملوخية والبازلاء والفول، مشيرة إلى أن تحضير هذه الأصناف لم يكن عملاً فردياً، بل مناسبة جماعية بامتياز.

وتقول لمراسلتنا إن النساء كنّ يتناوبن على العمل، مثلاً: "اليوم عند جارة لتحضير الملوخية، وغداً عند أخرى للبازلاء"، حتى يشمل التعاون كامل الحارة، في مشهد يعكس مستوى عالياً من المحبة بين الناس.

مونة.jpeg
 

ورغم التحولات التي شهدتها حياة اللاجئين، تشير أم محمد إلى أن بعض هذه العادات بدأت تعود تدريجياً، خاصة مع استعادة التواصل بين الجيران، ما يعيد إحياء الذكريات القديمة، ويمنحها بعداً معنوياً في ظل الظروف الراهنة.

وتستعيد أم محمد ملامح المونة في فلسطين، حيث كان زيت الزيتون يحتل المرتبة الأولى، ويُعرف باسم "زيت الغوّاف"، إلى جانب عمليات تصنيع البرغل من القمح، وطحنه لإنتاج الطحين المستخدم في الخبز على الصاج، أو في الأفران.

كما لفتت إلى أن الشعيرية كانت تُصنع يدوياً، ما يمنحها نكهة مميزة تختلف عن المنتجات الصناعية، بينما كان الأرز يعرف باسم "شلب" ويزرع محلياً، ويجري دقّه وتجهيزه يدوياً.

أما في واقع المخيم اليوم، فتفرض الظروف تحديات مختلفة، أبرزها غياب الكهرباء، ما يدفع السكان إلى اعتماد أساليب بديلة مثل تجفيف البازلاء بدلاً من تجميدها، إضافة إلى تحضير المخللات كخيار سريع الاستهلاك، مثل مخلل اللفت والخيار، كما توضح الحاجة أم محمد.

وتشرح أم محمد أن المونة كانت تعبيراً عن الاستعداد الدائم لمواجهة الأزمات، في ظل مخاوف مستمرة من نقص الغذاء، حيث كانت العائلات تحرص على تأمين احتياجاتها مسبقاً لضمان توفر الطعام في أي وقت، خصوصاً في أوقات الأزمات.

وتختم بالإشارة إلى أن كل شيء في الماضي كان يُحضّر منزلياً ويُخزّن في "النملية"، من زيت الزيتون إلى اللبنة والمكدوس، حيث كانت النساء يعملن طوال فصل الصيف لتحضير المونة، مع مواسم المحاصيل المختلفة، لافتة إلى أن بعض الأصناف، كمخلل الخيار، تحتاج إلى نحو 15 يوماً لتصبح جاهزة للاستهلاك.

بهذا المعنى، لا تبدو "المونة" مجرد عادة غذائية، بل موروثاً اجتماعياً وثقافياً يعكس تاريخاً من التكاتف والصمود، ويواصل حضوره اليوم كجزء من هوية اللاجئين في مواجهة تحديات اللجوء والحياة اليومية.

شاهد/ي التقرير 

 

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد