مع اقتراب عيد الفطر، تتبدل ملامح المناسبة في مخيم نهر البارد شمالي لبنان، حيث تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء تستقبل عائلات نزحت من الجنوب وبيروت والبقاع ومناطق أخرى، بفعل العدوان "الإسرائيلي" المستمر، وبين الصفوف الدراسية التي غدت غرفاً مؤقتة، يحاول النازحون التكيّف مع واقع قاسٍ، يفرض عليهم استقبال العيد بعيداً عن بيوتهم وأحيائهم وذكرياتهم.

في هذا السياق، جال موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" في المخيم، ورصد شهادات مباشرة لنازحين -سواء داخل مراكز الإيواء في المخيم أو في بيوت أقاربهم- تعكس صورة عيد مختلف، تغيب فيه الفرحة وتحضر فيه المعاناة.

الحنين إلى البيوت… عيد يمرّ بلا ملامح

يقول عمر شويش، النازح من مخيم برج الشمالي إلى مخيم نهر البارد: إن العيد كان دائماً يرتبط بالأصدقاء والأقارب وأجواء المخيم التي تمنح الإنسان إحساساً بالألفة والانتماء.

ويضيف: "الواحد كان يحس بالعيد من قبل ما ييجي، من حركة الناس، ومن زيارات الأقارب، ومن الضحكة اللي بتكون بالمخيم. هالمرة العيد رح يمرّ علينا وإحنا موجودين بالمدرسة، وهاد الشي صعب كتير نفسياً".

ويشير إلى أن احتضان أهالي مخيم نهر البارد للنازحين خفّف من قسوة التجربة، مؤكداً أنهم لم يقصّروا في تقديم المساعدة، سواء عبر تأمين الاحتياجات الأساسية أو الدعم النفسي والمعنوي، معرباً عن أمله بانتهاء الأزمة قريباً وعودة الجميع إلى منازلهم.

معاناة الأمهات… “لا طعم للعيد دون بيت”

من جهتها، تؤكد سحر أورفلي، النازحة من تجمع جل البحر في مدينة صور، أن أصعب ما في النزوح لا يقتصر على مغادرة المنزل، بل يمتد إلى تفرّق أفراد العائلة.

وتوضح أنها نزحت مع ثلاثة من أطفالها، فيما بقي زوجها وابنها في الجنوب، مشيرة إلى أن الحياة داخل المدرسة تبقى صعبة رغم توفر بعض الاحتياجات الأساسية. وتقول: "الإنسان ممكن يتحمل التعب، بس الإحساس إنك مش ببيتك، مش بالمكان اللي بتحسي فيه بالأمان، هاد الشي صعب كتير".

وتتابع بحزن: "العيد بالنسبة إلي خلص. ما في عيد من دون بيت، ولا من دون لمّة عيلة. قبل كنا نتحضّر للعيد، نعمل معمول، نشتري ثياباً للأولاد، ونزور بعض. أما الآن عندما أتذكر هذه الأشياء أشعر بالألم والفراغ".

وتضيف أنها كانت تصطحب أطفالها إلى الحدائق والملاهي خلال العيد، لكنها اليوم تكتفي بمحاولة التخفيف عنهم بالكلمات.

الأطفال بين محاولات الفرح وواقع الفقد

بدوره، يشير مصطفى عمر، النازح من منطقة صور، إلى أن الضغط النفسي للنزوح ينعكس بشكل أكبر على الكبار، نظراً لإدراكهم حجم الخسارة، بينما يحاول الأطفال التكيّف مع الواقع الجديد.

ويقول: "الطفل يمكن يفرح بأي جو عيد، بس بالنهاية بيعرف إنه مش ببيته"، لافتاً إلى أن غياب الإمكانيات داخل مراكز الإيواء يحرم العائلات من التحضيرات التقليدية للعيد، كإعداد الحلويات واستقبال الضيوف، ما يجعل العيد محدوداً ومختلفاً في تفاصيله.

WhatsApp Image 2026-03-19 at 2.08.42 PM.jpeg

"من لم يشعر برمضان لن يشعر بالعيد"

أما نسرين قاسم، النازحة إلى مخيم نهر البارد، فتؤكد أن العيد هذا العام فقد معناه في ظل الظروف التي عاشتها العائلات خلال شهر رمضان، قائلة بحرقة: "ما حسّينا برمضان كيف رح نحسّ بالعيد".

وتوضح أن العيد كان يرتبط بالزيارات العائلية ولمّة الأقارب والجيران، معتبرة أن غياب هذه الطقوس يحوّل العيد إلى يوم عادي، مستعيدة أجواء السنوات الماضية حين كانت الشوارع تضج بالحياة، والأطفال يجهّزون ملابسهم الجديدة، فيما توزّع الجمعيات الحلوى والعيديات، وهي مشاهد باتت اليوم مجرد ذكريات، بالنسبة لها.

WhatsApp Image 2026-03-19 at 2.08.41 PM.jpeg

أمنيات بسيطة… وعودة مؤجلة

داخل مراكز الإيواء، تختصر أمنيات الأطفال حجم المعاناة، إذ يحلمون بملابس جديدة، والذهاب إلى المراجيح والألعاب كما في كل عام. غير أن الأمنية الأبرز التي تتكرر على ألسنتهم تبقى العودة إلى منازلهم ومناطقهم، للاحتفال بالعيد بين أصدقائهم وفي أحيائهم.

ويشهد مخيم نهر البارد تدفّقاً متزايداً للنازحين من مناطق الجنوب وبيروت والبقاع، على وقع العدوان العسكري "الإسرائيلي" المستمر، ما أدى إلى ارتفاع أعداد العائلات التي لجأت إلى المخيم بحثاً عن الأمان، وسط ظروف إنسانية ومعيشية متردية، وقلّة الخدمات.

وبحسب المعطيات التي حصل عليها بوابة اللاجئين الفلسطينيين، فإنّ عدد العائلات النازحة في المخيم بلغ 1143 عائلة، توزعت على النحو التالي: 796 عائلة من الفلسطينيين اللبنانيين، و216 عائلة لبنانية، و99 عائلة من فلسطينيي سوريا، إضافة إلى 32 عائلة سورية.

بين ذكريات الأعياد الماضية وواقع النزوح القاسي، تعيش العائلات في مخيم نهر البارد عيداً مختلفاً، تغيب فيه مظاهر الفرح وتحضر فيه مشاعر الفقد والحنين. ورغم ذلك، يبقى الأمل قائماً بانتهاء هذه الأزمة، وعودة النازحين إلى ديارهم، ليستعيد العيد معناه الحقيقي كمساحة للفرح ولمّة العائلة والحياة.

 

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد