انتفاضة الحجارة.. هكذا قاوم أبناء المُخيّمات الفلسطينيّة

الأربعاء 09 ديسمبر 2020
أحمد حسين-قطاع غزة/بوابة اللاجئين الفلسطينيين

شهد يوم السادس من ديسمبر/ كانون الأوّل في العام 1987 جريمة بشعة ارتكبها سائق شاحنة "إسرائيلي" على حاجز "بيت حانون - إيرز" شمال قطاع غزّة، إذ قام بدهس مجموعة من العمّال الفلسطينيين من سكّان مُخيّم جباليا للاجئين ما أدى إلى استشهاد أربعة منهم، لتشعل هذه الجريمة شرارة انتفاضةٍ شكّلت مرحلة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني.

الانتفاضة الأولى، أو انتفاضة الحجارة كما أطلِق عليها فيما بعد، انطلقت بعد يومين من هذا الحادث الذي رفض أهالي مُخيّم جباليا أن يجعلوه يمر مرور الكرام، وقرّروا الرد على هذه الجريمة، فانتفض المُخيّم في وجه جنود الاحتلال، وكانت انتفاضة امتدّت إلى كامل مُخيّمات القطاع ومدنه وبلداته، وانتقلت إلى مخيم بلاطة في نابلس فإلى كامل المُخيّمات والمدن الفلسطينيّة المحتلة.

وسُميت انتفاضة الحجارة بهذا الاسم لأنّ الحجارة كانت أداة الهجوم والدفاع التي استخدمها أبناء المُخيّمات ضد جنود الاحتلال، كما عُرف الصِغار آنذاك بأطفال الحجارة.

أذكر أنّ جيش الاحتلال بكامل قواته وعتاده لم يستطع السيطرة على مُخيّم جباليا أو تهدئة حالة الغليان

"محطّة فارقة في تاريخ شعبنا، وأيّام مجدٍ وعز، لنتذكّر سوياً هذه المرحلة البطوليّة الهامة وننقلها للأجيال الحاليّة"، بهذه الكلمات وافق الأسير المُحرّر سمير الحلو "أبو محمود" على الحديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" حول مُخيّم جباليا ودوره المركزي في انتفاضة الحجارة عام 87.

يقول أبو محمود: إنّ مُخيّم جباليا كان دائماً شعلة في العمل الوطني، وعقب حادثة دهس العمال تحوّل المُخيّم إلى حالة من الثوران، وأذكر أنّ جيش الاحتلال بكامل قواته وعتاده وجبروته لم يستطع السيطرة على المُخيّم أو تهدئة حالة الغليان على الأقل.

ولفت إلى أنّ جيش الاحتلال نفّذ حملة اعتقالات غير مسبوقة في صفوف أهالي المُخيّم بمُختلف أعمارهم وأجناسهم، حتى أنّه وللمرّة الأولى نُشاهد الدبابات الحربيّة داخل المُخيّم لأنّ الجيش فشل بمعنى الكلمة في السيطرة على المُخيّم، وازدادت الأمور اشتعالاً بعد دفن شهداء الحادث، وفي اليوم الثامن من كاتنون الأول/ ديسمبر زادت رقعة المواجهات وانتقلت إلى كامل المُخيّمات التي اشتعلت.

الانتفاضة خلقت لُحمة حقيقيّة

يتابع المُحرّر سمير الحلو: الانتفاضة خلقت حالة من اللُحمة والتواصل الحقيقي بين المُخيّمات وما حولها من قرى ومدن، فأصبحنا نسمع أن هناك تواصلاً ما بين مُخيّم جباليا والنصر وبيت حانون وبيت لاهيا من خلال التكبير والتهليل طوال الليل، حتى أنّه خلال عمليات المطاردة أحياناً لم نكن نبيت في المُخيّم، كنّا نبيت في بيت لاهيا أو في بيت حانون 20 يوماً والناس تحفظنا في عيونها ولا تجعلنا نحتاج لأي شيء.

وأشار إلى أنّ سكّان المُخيّم كانوا يعيقون تحركّات جيش الاحتلال من خلال إشعال الكوشوك (إطارات السيارات والشاحنات) داخل أزقّة المُخيّم، ولم يكن يستطع الجيش التنقّل بسهولة، فمثلاً كان الشباب يشعلون كوشوك الشاحنات في الشوارع الضيقة وعندما يأتي جيب "البور" ويدعس على هذا الكوشوك فيحترق بكامله وتعاق حركته، وكان الشباب طوال الليل وخاصة في شارع النادي يحضّرون ويجهّزون الإطارات لهذا الغرض.

من أول المعتقلين صاحب محل صيانة السيارات في وقت كانت الإطارات المشتعلة تؤرق الاحتلال

ولفت إلى مُشاركة كبار السن والمثقّفين والمعلّمين الذين كان الاحتلال يعتقلهم ويزج بهم في السجون، وأيضاً داخل السجون كانوا شعلة في النضال والتحريض على هذا الاحتلال، ومن أوّل المعتقلين في سجن أنصار كان المرحوم أبو نبيل البرعي صاحب محل البناشر (محل لصيانة إطارات السيارات) وكان دائماً يدعو الشباب لعدم الخوف ويجب أن نظّل أقوياء أي كان يُمارس عمليّة تعبئة ثوريّة حقيقيّة للشباب هو ومعه كبار الشخصيات مثل الأستاذ ناجي أبو جاسر الذي كان يقف على رأس الشارع ويُنادي على الشباب: (لا تخافوا يا شباب.. تحركوا.. فلسطين بدها، انتو الجيل اللي راح يرجّع فلسطين)، وأيضاً كان المرحوم أبو طلعت التلولي الذي كان طوال النهار يجري وراء الشباب في الشوارع ويرفع من معنوياتهم ليواصلوا الفعل النضالي، والكثير الكثير من الشخصيات والنشطاء الذين حُفرت أسمائهم وأفعالهم في ذاكرتنا إلى اليوم.

"ندافع عن أنفسنا ونحب الحياة"

وعن عملية اعتقاله خلال الانتفاضة، بيّن الحلو أنّ الأسبوع الأوّل من الانتفاضة كان جيش الاحتلال يعتقل الناس بشكلٍ عشوائي من داخل البيوت فتم اعتقالي وأخي منير وجيراننا من عائلة طافش وعائلة عزام وعائلة البرعي وعائلة خليل، وكان جيش الاحتلال يقتحم المنزل إذا لم يجدني يعتقل أخي، أو أي شخص من الأسرة، وبعد ذلك أصبحت عمليات الاعتقال من خلال الملفات فيدخلون بيتاً بيتاً ويسألون: فلان موجود؟ وين أمير؟ وين منير؟ وتم اعتقال ابن الجيران أكرم عطالله وهو اليوم صحفي كبير، وحولونا جميعاً إلى الخيمة في الإدارة المدنيّة وقاموا بالاعتداء على أكرم وكان يصفه الضابط بالمشاغب جداً، واتهمنا الاحتلال مع مجموعة كبيرة جداً من شباب المُخيّم ومناطق أخرى بأنّنا السبب في تثوير وإشعال المُخيّم.

ويُتابع "هناك نقطة مهمة جداً على الجميع أن يعرفها وهي أنّنا لم يكن همنا رمي الحجارة على الجيش فقط، أو إشعال الكوشوك فقط، لا، كنّا شعب مثقّف وواعي ومتعلّم، فمثلاً كنّا نشاهد الطفل بعد إلقاء الحجارة على جنود الاحتلال يذهب لمؤسسة ثقافيّة ليتعلّم الثقافة والفنون، والصبايا يتعلّمن التطريز الفلاحي، ودورات رياضة، أي أنّ أبناء شعبنا لديهم حس وطني ويدافعون عن أنفسهم، ولكن في ذات الوقت نُحب الحياة والثقافة والفنون.

القيادة السياسيّة لم تكن على قدر المسؤولية المطلوبة

"لكن بعد ذلك للأسف لم تستغل القيادة السياسيّة الانتفاضة بالشكل المطلوب، وبدلاً من أن تضع الحصان أمام العربة، فعلت العكس، ولم تكن القيادة على قدر المسؤوليّة المطلوبة إزاء الانتفاضة"، يُضيف أبو محمود، ويُختم حديثه مع "بوابة اللاجئين": أيّام الانتفاضة كانت المساعدات تفيض عن حاجة السكّان، وكلما ذهبنا لمساعدة أحد يقول: المؤسسة الفلانية ساعدتنا أو التنظيم الفلاني ساعدنا، فعلاً كانت الناس متماسكة ومترابطة إلى أبعد حد، ولكن اليوم كيف هي أوضاع الناس؟ نعم سيّئة جداً، اليوم أقترب من الـ20 يوماً محجوراً داخل البيت بسبب فيروس "كورونا" وخلال هذه الفترة لم تصلنا إلّا مساعدة صغيرة جداً بالكاد تكفي ليومين، فلا مقارنة ما بين اليوم والأمس. 

مُخيّم بلاطة المحطّة الأولى في الضفة

وبالانتقال إلى مُخيّم بلاطة للاجئين الفلسطينيين في نابلس الذي كان بمثابة المحطّة الأولى التي وصلتها شعلة الانتفاضة ومن ثم انطلقت إلى باقي المُخيّمات والمدن، رأى عضو اللجنة الشعبيّة للاجئين إبراهيم صقر خلال حديثه مع "بوابة اللاجئين"، أنّ جميع الأجيال في مُخيّم بلاطة شاركت في الانتفاضة، وكان هناك وحدة حقيقيّة وهذا ما نفتقده اليوم، وكان للمُخيّم الفضل الكبير في انتقال الانتفاضة إلى بقيّة المُحافظات في الضفة المحتلة.

ولفت صقر إلى أنّ خيرة شباب مُخيّم بلاطة إمّا استشهدوا أو أصيبوا أو تم اعتقالهم خلال الانتفاضة وحوكموا أحكاماً عالية وحتى اللحظة يتواجدون في السجون، وفعلاً المُخيّم كان حرب حقيقيّة بالحجارة من طرفنا وبشتى أنواع الأسلحة وأحدثها من طرف الاحتلال، فاستخدموا الطائرات والآليات والوحدات الخاصة والقنابل والرصاص، واستخدم الاحتلال كل الأساليب البشعة من حرق للبيوت واتباع سياسة تكسير الشباب، وانتهكوا حرمة النساء، فهذا الاحتلال البغيض يختلف عن أي مُستعمِر شهده العالم. 

وأضاف صقر أنّ شواهد الانتفاضة ما زالت حيّة حتى اليوم، فهناك بيوت هُدمت خلال الانتفاضة ما زالت كما هي، وهناك إصابات وإعاقات لا زالت موجودة، ورغم كل هذا البطش إلى أنّ المُخيّم لم تُكسر شوكته، واليوم إذا دخلت دوريّة صهيونيّة يخرج المُخيّم بكل أطيافه للدفاع والمُواجهة.

النضال بحاجة إلى حاضنة وبيئة داعمة

ورأى أيضاً أنّ النضال بحاجة إلى حاضنة وبيئة داعمة لضمان عمليّة الاستمرار في النضال، ولكن حسب الاتفاقيات ودور السلطة فيما بعد واتباع نهج سياسي جديد أدّى إلى نوع من التراجع كما أنّنا نفتقد اليوم لدعم الدول العربيّة، ولكن فكرة النضال والمقاومة ما زالت موجودة في صدور أبناء المُخيّم، لافتاً إلى أنّ في مُخيّم بلاطة 35 ألف نسمة على كيلو متر مربّع واحد فقط، ويُعاني اليوم من البطالة والفقر والمباني التي لا تصلح للسكن، ما يدعو لضرورة دعم هذا المُخيّم واسناد سكّانه.

وختم صقر حديثه مع موقعنا بالتذكير بتقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" الكبيرة، يقول: كانت "أونروا" تقدّم دعماً كاملاً للاجئين في السابق وكانت توفّر معونة غذائيّة لكل لاجئ ومعونة ماليّة بشكلٍ شهري وتنفّذ مشاريع بنية تحتيّة ومشاريع تطويريّة، ولكن للأسف منذ عام 2010 تقريباً قامت الوكالة بتقليصات وصلت حتى اللحظة إلى معدّل 70% من الخدمات الصحيّة والتعليميّة والخدماتيّة وهذا سبب كبير في تراجع حالة اللاجئين داخل المُخيّم.

نحو 1500 شهيد في أعوام الانتقاضة

يُشار إلى أنّه وعلى مدار 79 شهراً ما بين عام 1987 وعام 1994 الذي شهد تراجع ذروة انتفاضة الحجارة مع قدوم السلطة الفلسطينيّة من الخارج وما لعبته من دور في الالتفاف حول أهداف الانتفاضة، قدّم الشعب الفلسطيني وفق إحصاءاتٍ حقوقيّة 1376 شهيداً، وهناك إحصاءات أخرى تقول أنّ عدد الشهداء تجاوز 1500 شهيد.

وفي الذكرى 33 لانتفاضة الحجارة، أصدر مركز فلسطين لدراسات الأسرى، تقريراً بيّن فيه أنّ اعتقالات الاحتلال طالت ما يُقارب مليون فلسطيني منذ احتلال الأراضي الفلسطينيّة عام 1948، ومنذ بداية الانتفاضة حتى قدوم السلطة في منتصف عام 1994، كان هناك (210) آلاف حالة اعتقال طالت كافة فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني منهم آلاف اعتقلوا أكثر من مرّة، كما افتتح الاحتلال العديد من السجون ومراكز التوقيف لاستيعاب هذه الأعداد الكبيرة، أبرزها معتقل النقب الصحراوي عام 1988، والذي زجّ به عشرات الآلاف من الأسرى واستشهد بداخله عدد منهم.

البث المباشر

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد