في قلب مخيم عين الحلوة، وتحديدًا في منطقة المنشية، تمضي الحاجة عائدة الخارسة، المعروفة بـ"أم يوسف"، أيامها في غرفة صغيرة متواضعة، بلا معيل، ولا كهرباء، ولا اشتراك، وسط ظروف معيشية قاسية تجعل من كل يوم تحديًا جديدًا للبقاء.
بوابة اللاجئين الفلسطينيين دخلت إلى منزل الحاجة "أم يوسف"، وأضاءت على أوضاعها، كواحدة من قصص كثيرة في المخيمات، لنساء يكافحن من أجل البقاء في ظروف قاسية، دون إعالة أو التزام من أيّة جهة فلسطينية أو أممية تنظر في أوضاعها.

تروي الحاجة، البالغة من العمر 69 عامًا، لموقعنا: "هذه غرفة صغيرة أعيش فيها، وهي كل ما أملك. لا أستطيع دفع اشتراك الكهرباء، فهو مكلف بالنسبة لي، لكنني لا أحتمل العتمة، لذلك أنام باكرًا عند الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً، ولا أخرج إلى أي مكان".
رغم هذه الوحدة، تستيقظ "أم يوسف" صباحًا لتنظيف غرفتها الصغيرة قبل أن تبدأ يومها في العمل القاسي، وهو جمع علب التنك من الشوارع لبيعها. وتقول: "أبيع ما أجمعه بخمسين أو مئة ألف ليرة، وأشتري به طعامي. أذهب إلى السوق لأشتري حاجياتي، وأحيانًا أستدين من الدكان، فإذا احتجت شيئًا آخذه بالدين، وحين يتوفر لدي بعض المال أسدده. هذه حياتي منذ سنوات طويلة، وقد بلغت اليوم التاسعة والستين".
وتتحدث "أم يوسف" عن آثار هذه الحياة على صحتها، فتقول: "أصبت بالحمّى والمرض بسبب البرد والعمل في الطرقات وجمع التنك. أحتاج إلى أدوية، لكنها غالية ولا أستطيع شراءها".
وتتابع حول أوضاعها الصحيّة: "أعاني من الحساسية، وضغط الدم، ومشاكل في القلب، والبرد يؤثر عليّ كثيرًا. في بعض الليالي أرتجف من شدة البرد، وأضع فوقي بطانيات كثيرة، إذ لا أملك أي وسيلة للتدفئة، ولا أستطيع تشغيل مدفأة أو دفع فاتورة كهرباء مرتفعة".
وتعيش الحاجة "أم يوسف" واقعًا غذائيًا مريرًا، لا أمان فيه ولا جودة غذائية، فالأطعمة الأساسية رفاهية لا تقدر عليها. وتقول: "لا أستطيع شراء الدجاج أو اللحم أو أي شيء غالي الثمن، فإذا اشتريت، أشتري القليل جدًا، بخمسين أو أربعين ألف ليرة، أو مئة ألف كحد أقصى. هذا هو وضعي. هذا البيت هو آخر محطة في حياتي. لا أحد يعيلني، ولا أهل لي. أمي وأبي توفيا، وكذلك خالاتي وأعمامي، وابن أخي استشهد، ولم يبق لي أحد".
وتحاول "أم يوسف" تدبر أمور طعامها ويومياتها بشق الأنفس، وباعتماد أقل كميات ممكنة تبقيها على قيد الحياة. وتقول: "أشتري المواد الغذائية بكميات قليلة، حتى البصل أضعه في سلة صغيرة. الأواني موضوعة على الأرض، فلا توجد رفوف، واحتفظ بالمياه في عبوات عندما تنقطع، لأنني مريضة بالسكري، وأحتاج إلى شرب الماء باستمرار".
وعن شتاء المخيم ومواجهتها البرد تقول: "في الشتاء أعاني كثيرًا من البرد، ولا أملك مدفأة، ولا أستطيع استخدام الفحم لأنه خطر. لا يوجد أحد يطرق بابي أو يقف إلى جانبي. أكتفي بالبطانيات. أغسل ملابسي وأنتظر يومين حتى تجف بسبب البرد، وأضعها على الكنبة لتجف، لكن الرطوبة تبقى".
ورغم كل هذه الصعوبات، تبقى "أم يوسف" متعلقة بمخيمها الذي عاشت فيه، وصار جزءًا أساسيًا من حياتها، وتقول لموقعنا: "أنا أحب عين الحلوة. هذا المخيم هو بيتي، وأنا أعيش فيه وأحبه. اسمه جميل، عين الحلوة، وأنا متعلقة به".
قصة الحاجة عائدة الخارسة تسلط الضوء على واقع قاسٍ يعيشه بعض الفلسطينيين في المخيمات، من الفاقدين للمعيل ولشبكة أمان عائلية أو اجتماعية أو مؤسساتية، حيث الفقر والعزلة وعدم توفر أبسط مقومات الحياة اليومية يشكلان تحديًا دائمًا للبقاء، ويكشف عن صمود الإنسان الفلسطيني رغم كل الظروف الصعبة.
شاهد/ي التقرير
