يواصل اقتحام قوات الاحتلال "الإسرائيلي" وهدم مبانٍ داخل مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في حي الشيخ جراح شرقي القدس إثارة الإدانات الدولية الواسعة.
وفي هذا الاطار أصدر الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيرش"، والمفوض العام للوكالة "فيليب لازاريني" ادانات غاضبة، وكذلك مفوضة الاتحاد الأوروبي للمساواة والاستعداد وإدارة الأزمات، حاجة لحبيب، وسط تفنيذ للرواية " الاسرائيلية" حول الاستهداف.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، في بيان منسوب إلى المتحدث باسمه، أن مجمع الشيخ جراح لا يزال تابعاً للأمم المتحدة ويتمتع بالحصانة الكاملة، وهو "مصون ومحصّن من أي شكل من أشكال التدخل"،
وشدد "غوتيرش" على أنه أكد هذا الأمر "مراراً وتكراراً وبشكل لا لبس فيه"، بما في ذلك في رسالة رسمية وجّهها إلى رئيس وزراء "إسرائيل" بتاريخ 8 كانون الثاني/يناير.
ووصف الأمين العام استمرار الإجراءات التصعيدية "الإسرائيلية" ضد "أونروا" بأنه "أمر غير مقبول على الإطلاق"، ويتعارض بشكل واضح مع التزامات "إسرائيل" بموجب القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة.
الأمم المتحدة تفنّد الرواية "الإسرائيلية"
وفي المؤتمر الصحفي اليومي للأمم المتحدة، ردّ نائب المتحدث باسم المنظمة الدولية، فرحان حق، على تصريحات لوزارة الخارجية "الإسرائيلية" زعمت أن مجمع وكالة "أونروا" في القدس توقف عن العمل ولم يكن يضم موظفين أمميين، وأنه بات تحت ولاية السلطات "الإسرائيلية"، بالقول: "لا، هذا ليس صحيحاً".
وأوضح حق أن "أونروا" استأجرت مجمعها في شرقي القدس من الأردن عام 1952، وبقيت حيازته حصرية للوكالة دون انقطاع حتى عام 1967، واستمر هذا الوضع حتى بعد احتلال "إسرائيل" للمدينة.
وأضاف أن محكمة العدل الدولية قضت بأن الاحتلال "الإسرائيلي" للأرض غير قانوني، وأن المحكمة والجمعية العامة للأمم المتحدة أكدتا ضرورة إنهاء الوجود "الإسرائيلي" غير القانوني في شرقي القدس.
وشدد نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة على أن المجمع يُعد مرفقاً تابعًا للأمم المتحدة، ويتمتع بالحماية الكاملة بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، التي تلتزم جميع الدول الأعضاء باحترامها دون استثناء.
وحول إمكانية اتخاذ خطوات قانونية لاحقة، أو طلب تعويضات، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، قال حق: "سنرى ما الخطوات الإضافية التي يمكن اتخاذها بينما نقوم بتقييم الوضع".
هجوم غير مسبوق وطمس لهوية اللاجئين
من جهتها، ذكرت وكالة "أونروا" أن القوات "الإسرائيلية" اقتحمت، في وقت مبكر من صباح الثلاثاء، مقرها في شرقي القدس، حيث دخلت الجرافات إلى المجمع وبدأت بهدم المباني داخله، "تحت أنظار مشرّعين وأحد أعضاء الحكومة الإسرائيلية".
ووصف المفوض العام للوكالة "فيليب لازاريني" في بيان صدر الثلاثاء، ما جرى بأنه "هجوم غير مسبوق" على وكالة تابعة للأمم المتحدة ومبانيها، معتبراً أنه يمثّل "مستوى جديداً من التحدي الصريح والمتعمد للقانون الدولي" بما في ذلك امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، من قبل دولة "إسرائيل".
وأكد "لازاريني" أن "إسرائيل"، شأنها شأن جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ملزمة بحماية واحترام حرمة مباني الأمم المتحدة، وأوضح أن هذا الاعتداء يأتي في سياق خطوات "إسرائيلية" متتالية تهدف إلى "طمس هوية لاجئي فلسطين"
وأشار إلى أنه في 12 كانون الثاني/يناير الجاري، اقتحمت القوات "الإسرائيلية" مركزاً صحياً تابعاً لـ "أونروا" في شرقي القدس وأمرت بإغلاقه، لافتاً إلى أن السلطات "الإسرائيلية" تعتزم أيضاً قطع إمدادات المياه والكهرباء عن مرافق "أونروا" بما فيها المباني الصحية والتعليمية، خلال الأسابيع المقبلة.
وربط "لازاريني" هذه الإجراءات بتشريعات أقرّها البرلمان "الإسرائيلي" في كانون الأول/ديسمبر، شدّدت القوانين المعادية للوكالة التي تم اعتمادها في عام 2024. كما نبّه إلى أن هذه الخطوات، إلى جانب حوادث الحرق المتعمد السابقة وحملة التضليل الواسعة، تتناقض بشكل صارخ مع حكم محكمة العدل الدولية الصادر في تشرين الأول/أكتوبر، والذي أكد مجدداً أن "إسرائيل" ملزمة بموجب القانون الدولي بتسهيل عمل "أونروا" لا عرقلته أو منعه، وأنها لا تملك أي ولاية قضائية على شرقي القدس.
وقال "لازاريني" محذراً: "لا يمكن أن تكون هناك أي استثناءات، يجب أن يكون كل هذا بمثابة جرس إنذار. ما يحدث اليوم للأونروا قد يحدث غدًا لأي منظمة دولية أو بعثة دبلوماسية أخرى، سواء في الأرض الفلسطينية المحتلة أو في أي مكان في العالم".
وأضاف أن القانون الدولي يتعرض لهجمات متزايدة، وهو مهدد بفقدان أهميته في ظل غياب رد فعل حازم من الدول الأعضاء.
غضب حقوقي أممي وتحذير من سابقة خطيرة
بدوره، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان "فولكر تورك" عن غضبه إزاء الحادث، وقالت المتحدثة باسمه، رافينا شامداساني: إن ما جرى يفاقم نمطاً مستمراً من استهداف جماعات الإغاثة والجهات التابعة للأمم المتحدة التي تحاول تقديم المساعدة.
كما أدان فريق الأمم المتحدة القُطري في الأرض الفلسطينية المحتلة بشدة هدم المباني داخل مجمع "أونروا" في حي الشيخ جراح، معتبراً أن اقتحام القوات "الإسرائيلية" للمجمع واستخدام الجرافات والآليات الثقيلة يشكّل انتهاكاً جسيماً لاتفاقية عام 1946 الخاصة بامتيازات وحصانات الأمم المتحدة.
وأوضح الفريق أن مكاتب ومستودعات "أونروا" بُنيت وصينت على مدى عقود بدعم من الجهات المانحة، وقدّمت خدمات حيوية للمجتمعات الفلسطينية لأكثر من 70 عاماً، محذراً من أن هذه الأفعال "غير مقبولة، وتقوض بشكل خطير عمليات الأمم المتحدة، وتشكل سابقة خطيرة".
وجدد الفريق دعوته لـ "اسرائيل" إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية بصفتها دولة موقعة على الاتفاقية، والوقف الفوري لأي إجراءات أخرى تتعارض مع القانون الدولي وتعرقل عمل الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة احترام وضع الأمم المتحدة في جميع الأوقات، وتمكين وكالاتها من العمل دون عوائق.
إدانة أوروبية ودعم متواصل لـ "أونروا"
على الصعيد الأوروبي، أدانت مفوضة الاتحاد الأوروبي للمساواة والاستعداد وإدارة الأزمات، حاجة لحبيب، اقتحام وهدم مجمع الشيخ جراح التابع للأمم المتحدة، والذي تديره "أونروا" في شرقي القدس.
وقالت في بيان: إن هذا الإجراء يشكّل انتهاكًا واضحاً لالتزامات "إسرائيل" بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، التي تفرض على الدول الأعضاء حماية واحترام حرمة مباني الأمم المتحدة.
ودعت لحبيب سلطات الاحتلال إلى وقف هذه الأعمال فوراً، مؤكدة أن "إسرائيل"، ووفقاً للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ملزمة بعدم عرقلة عمل هيئات الأمم المتحدة، وبالتعاون معها بحسن نية لضمان احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يُعد من أبرز الداعمين للأمم المتحدة وللنظام الدولي القائم على القواعد والتعددية، الذي تشكّل "أونروا" جزءا أساسياً منه، مشيرة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به وكالات الأمم المتحدة في الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين.
وشددت المفوضة الأوروبية على التزام الاتحاد الأوروبي بمواصلة دعمه السياسي والمالي لوكالة "أونروا"، محذّرة من أن أي تعطيل لعملها ستكون له تداعيات إنسانية وسياسية واجتماعية واقتصادية خطيرة، وتمس بشكل مباشر فرص السلام والاستقرار في المنطقة.
