منذ عام كامل يقود الجيش "الإسرائيلي" عدواناً موسعاً على مخيم جنين ومخيمات أخرى للاجئين الفلسطينيين شمالي الضفة الغربية في إطار خطة لتغيير جغرافي وديمغرافي ينوي معها الاحتلال نزع صفة المخيمات واللجوء عن الفلسطينيين وإنهاء حق عودتهم إلى أراضيهم، كونها تعد الشاهد الأقوى على نكبتهم وسط غياب للتحرك الفلسطيني والدولي.
وقد بدأ جيش الاحتلال عدوانه على مدينة جنين ومخيمها منذ 21 كانون الثاني/ يناير من العام الماضي ضمن عملية أطلق عليها اسم "السور الحديدي" والتي امتدت نحو مخيمات طولكرم ونور شمس ضمن عمليات تجريف وهدم وشق طرقات غيرت ملامح المخيمات وجعلتها تبدو كمدن للأشباح مع تهجير آلاف الفلسطينيين.
اقرأ/ي أيضاً: "أونروا": عشرات آلاف الفلسطينيين ما زالوا نازحين من مخيمات شمالي الضفة الغربية
وتعرض مخيم جنين خلال هذا العام لهدم نحو 300 منزل كلياً أو جزئياً فيا أجبر نحو 22 ألف فلسطيني من سكانه على ترك منازلهم قسراً، فيما قتلت قوات الاحتلال 62 فلسطينياً في محافظة جنين، وأصابت أكثر من 300 آخرين.
وعلى صعيد عمليات الاعتقال، جرى اعتقال نحو 1470 فلسطينياً من محافظة جنين منذ الحادي والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي وسط أزمات إنسانية واقتصادية حادة وفقاً لبيانات محلية رسمية.
العدوان على مخيم جنين جزء من مشروع لإعادة تشكيل المنطقة جغرافيا وديمغرافياً تمهيداً للاستيطان
ويرى المدير العام لهيئة التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود أن ما يجري ما يجري في جنين وشمالي الضفة الغربية لا يمكن قراءته كعمليات أمنية منفصلة بل كجزء من مشروع إعادة تشكيل جغرافي وديمغرافي للمنطقة.
وأشار إلى أن الهدف من العدوان ليس ما يدعي الاحتلال من مواجهة ما يصفه المجموعات المسلحة بل تفريغ شمال الضفة الغربية من مقومات الاستقرار الفلسطيني تمهيدا لإعادة هندسته استيطانيا.
ويبدو من العدوان الذي يشنه الجيش "الإسرائيلي" على مخيم جنين أنه يمثل أداة تنفيذية لمخططات أوسع، وفق ما أوضح داوود لبوابة اللاجئين الفلسطينيين مشيراُ إلى عاملين أساسيين يسعى الاحتلال لتحقيقهما أولهما تفكيك الكتل السكانية المتماسكة وضرب البنية الاقتصادية المحلية وكذلك تدمير البنية التحتية.
أما العامل الثاني فيقول داوود: إنه محاولة إنتاج بيئة طاردة للسكان بما يتقاطع مباشرة مع تعديل قانون فك الارتباط وقرارات "كابينيت" الاحتلال بإقامة مستوطنات جديدة في شمال الضفة الغربية، لافتاً إلى أن ذلك يعني أن العمليات العسكرية ليست هدفا بحد ذاتها بل وسيلة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي بما يخدم التوسع الاستيطاني.
الاحتلال نجح في إضعاف البنية التحتية لـ مخيم جنين وفشل في تهيئته للاستيطان
يجيب مسؤول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان على تساؤل حول تحقيق الاحتلال أهدافه خلال هذا العام، بإجابة مفادها أن الاحتلال استطاع عملياً التمكن من إفراغ المخيمات وتغييرها جغرافياً عبر إضعاف البنية الخدمية والعمرانية، إلى جانب إرباك الحياة اليومية، وخلق حالة إنهاك مجتمعي، إلا أنه لم يصل لتحقيق الهدف الاستراتيجي الأساسي.
وأوضح داوود أن الاحتلال فشل في إنتاج واقع مستقر قابل للتحول إلى سيطرة استيطانية هادئة مؤكداً أن المنطقة ما زالت غير قابلة لإدارة طويلة الأمد، وما زالت بيئة طاردة للمشاريع الاستيطانية الكبرى من حيث الاستقرار والأمان وهو الهدف المركزي للعدوان ما يعني أن المشروع لم يكتمل بعد بل ما زال في طور التهيئة القسرية للمكان.
إلغاء مخيمات اللاجئين هدف لتفكيك رمزية قضية اللجوء وإغلاقها تاريخياً
واعتبر مسؤول التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في حديثه لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن هدف الاحتلال المتمثل بإلغاء المخيمات عمرانياُ لا يمكنه أن يلغي حقيقتها السياسية باعتبارها ليست بنية سكنية فحسب بل تجسيد مادي لقضية اللجوء، مؤكداً أن تفكيكها يهدف إلى تفكيك الرمزية السياسية، وتحويل اللاجئ من قضية سياسية إلى حالة اجتماعية.
اقرأ/ي أيضاً: 11 شهرًا من النزوح القسري والعدوان.. مخيم نور شمس فارغ و10 آلاف نازح
وبالعودة إلى هدف إقامة مشاريع استيطانية بدلاً من مخيمات اللاجئين، فيرى داوود أن إلغاء المخيمات يخدم بشكل مباشر المشروع الاستيطاني، لأنه يسعى إلى نزع البعد الحقوقي والتاريخي عن قضية اللاجئين، وإعادة تعريفهم كمشكلة خدمات لا كقضية تحرر وعودة بالتالي الهدف ليس أمنيا بل تفكيك الرمزية السياسية لقضية اللجوء تمهيدا لإغلاقها تاريخيا.
إعادة فتح شمال الضفة للاستيطان، هدف أوسع يعمل عليه الاحتلال خلال عدوانه على جنين
وعلاوة على ذلك فإن إعادة فتح شمال الضفة للاستيطان هو الهدف الأوسع الذي يعمل عليه الجيش "الإسرائيلي" كون ما يجري ليس مواجهة أمنية، بل مرحلة تنفيذ متقدمة من مشروع استيطاني جديد، بعد فك الارتباط وإعادة إنتاج السيطرة عبر التفريغ السكاني والتفكيك العمراني، وإعادة هندسة الجغرافيا بحسب مسؤول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
وأضاف أن العدوان هو الأداة، والمخطط الاستيطاني هو الهدف، والجغرافيا هي الساحة الحقيقية للصراع.
ويعتقد داوود أن الصمت الدولي وغياب الفعل الفلسطيني المؤثر يعكسان قبولا ضمنيا بإعادة تعريف شمال الضفة الغربية كمنطقة أمنية إشكالية بدل كونها حيزا فلسطينيا خاضعا لسياسات استعمارية استيطانية، مبيناً أن الفراغ السياسي سمح للاحتلال بتمرير مخططاته بهدوء وتحويل العدوان إلى أداة لإعادة ترتيب المجال المكاني، دون كلفة سياسية دولية حقيقية.
ما المطلوب اليوم فلسطينيا لمواجهة الاحتلال في شمالي الضفة؟
يؤكد مسؤول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن مواجهة الاحتلال شمالي الضفة الغربية تبدأ فعلياً من استخدام أدوات الفعل الوطني المسؤول بدءا من الساحة الدولية سواء دبلوماسيا أو حقوقياً ومن ثم إفشال المخططات بالبقاء دون أي إمكانية للرحيل.
وشدد على أن مواصلة فضح "إسرائيل" كقوة استيطان استعماري انتقلت بوضوح إلى مرحلة الفصل العنصري، أي أنها تعدم حياة أصحاب الأرض وتمنح كافة الامتيازات للمستوطنين يتطلب بناء مقاربة وطنية ترى شمال الضفة (جزء من كل) كهدف استيطاني استراتيجي لا كساحة اشتباك أمني.
وإلى جانب ذلك، بيّن داوود أهمية التوثيق الممنهج الذي يربط العمليات العسكرية بالقرارات الاستيطانية والقانونية "الإسرائيلية"، لافتاً إلى قرارات "الكابينيت" الأخيرة بخصوص المواقع الاستيطانية إضافة إلى الأوامر العسكرية لا سيما أوامر وضع اليد التي صدرت في العام 2025 والتي في جوهرها تستهدف تثبيت مواقع استيطانية بشق طرق أمنية وإقامة مواقع عسكرية تمهيداً لوجود استيطاني كبير.
وكل هذا، بحسب داوود، يقود إلى فكرة نقل الصراع إلى مستواه الحقيقي كصراع على الأرض والجغرافيا والسيادة وهو ما يحتاج معه إلى تعزيز صمود السكان اقتصاديا وخدماتيا لمنع تفريغ المنطقة بشريا إلى جانب بلورة خطاب سياسي موحد يربط ما يجري بمشروع استيطاني إحلالي لا بسردية الأمن ومكافحة العنف.
