كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن منع عدد من الأطباء الأجانب من دخول قطاع غزة والتطوع لعلاج سكانه، بعد إعلانهم صراحة آراءهم السياسية تجاه حرب الإبادة على غزة.
وذكر أطباء من بريطانيا والولايات المتحدة للصحيفة أنهم لم يتلقوا أي سبب رسمي لمنعهم من الدخول إلى غزة، مرجحين أن قرار المنع جاء عقب تعبيرهم عما عاشوه في القطاع خلال الإبادة، فيما عزا آخرون القرار إلى هويتهم أو خبرتهم السابقة في غزة التي ربما أثّرت في قرار منعهم.
وبحسب الصحيفة، مُنع عدد من الأطباء من دخول قطاع غزة، من بينهم جيمس سميث، وهو طبيب طوارئ لم يتمكن من العودة إلى غزة منذ حزيران/يونيو 2024. وفي مناسبتين خلال عام 2025، رفض دخوله من دون تقديم أي تفسير.
وقال سميث للغارديان: "لم أكن قد تحدثت إلى وسائل الإعلام فحسب، بل تحدثت بطريقة معيّنة أيضًا"، مشيرًا إلى إرشادات التسجيل التي تفرضها سلطات الاحتلال على المنظمات غير الحكومية والموظفين الأجانب، والتي تتضمن اعتبارات مثل الدعوة إلى مقاطعة دولة "إسرائيل" أو المشاركة فيها.
وأضاف سميث، الذي كان يسافر مع منظمة "الإغاثة الطبية للفلسطينيين": "لا أستطيع إلا أن أفترض أن الأمر يتعلق بعناصر من حضوري العلني. فأنا رجل بريطاني أبيض من الطبقة الوسطى، لا أصول فلسطينية لديّ ولا سجل جنائي". وتابع: "لا بد أن التعبير عن مواقفي السياسية هو ما أزعجهم".
بدوره، وصف المدير التنفيذي لمنظمة "الإغاثة الطبية للفلسطينيين" ستيف كاتس منع الدخول بأنه إجراء متعمّد اتخذته سلطات الاحتلال، محذرًا من أن له عواقب تتعلق بالحياة والموت بالنسبة للفلسطينيين في غزة.
من جانبه، أكد خالد دواَس، وهو جرّاح استشاري، أن الأطباء الذين كانوا صريحين في مواقفهم مُنعوا من الدخول، مشيرًا إلى أنه لا يوجد سبب آخر لذلك.
وقال: "أنا لست عسكريًا ولا أحمل شيئًا. لا أختلف عن الزملاء الذين دخلوا. الفرق الوحيد أنهم لم يتحدثوا بقدر ما تحدثت".
ومُنع دواَس من الدخول إلى غزة في آب/أغسطس 2025 ثم في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته عبر منظمتين مختلفتين، بعد أن سافر إلى غزة عام 2024، وتطوع هناك لفترة قبل مغادرته.
وقال ثائر أحمد، وهو طبيب طوارئ من مدينة شيكاغو الأميركية، إنه منع من دخول غزة أربع مرات، كان آخرها في كانون الثاني/يناير الماضي.
وأوضح أحمد، وهو أميركي من أصل فلسطيني ولد في الولايات المتحدة، أنه يعتقد أن هويته الفلسطينية ونشاطه منذ زيارته إلى غزة عام 2024 قد يكونان من بين أسباب منعه.
وأضاف: "فكرة تسليح الوصول وتسليح المساعدات متجذّرة في كل القرارات التي نراها تُتخذ في غزة"، داعيًا الحكومات المعنية إلى مساعدة الأطباء في الطعن بقرارات المنع.
وفي آب/أغسطس من العام الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن معدلات رفض دخول العاملين الصحيين الدوليين إلى غزة ارتفعت بنحو 50%، مشيرة إلى أن 102 شخصًا مُنعوا من الدخول منذ 18 آذار/مارس.
كما تصاعدت المخاوف بشأن إمكانية الوصول الإنساني إلى القطاع بعد أن أبلغت سلطات الاحتلال 37 منظمة غير حكومية تعمل في غزة، في كانون الأول/ديسمبر، بضرورة وقف عملياتها.
ومن بين الجهات التي ألغي تسجيلها منظمة "الإغاثة الطبية للفلسطينيين" ومقرها المملكة المتحدة، والتي لم تتمكن خلال الأشهر الستة الماضية من إدخال طواقم طبية أو مساعدات إلى القطاع، من دون تقديم أسباب رسمية في كل حالة منع.
ووصف كاتس قرارات المنع بأنها إجراءات متعمّدة اتخذتها سلطات الاحتلال، محذرًا من أنها تأتي ضمن نمط أوسع من الإجراءات التي تعرقل المساعدات الإنسانية، وتمنع الشهود الطبيين المستقلين.
ووفق المعطيات، تقوم المنظمات الإنسانية بمشاركة قوائم الأطباء المتطوعين مع منظمة الصحة العالمية قبل توجههم إلى غزة، إلا أن بعض الأطباء اكتشفوا منعهم من الدخول قبل نحو 24 ساعة فقط من موعد دخولهم، بعد وصولهم إلى الأردن، فيما تلقى آخرون إشعارات بالرفض قبل أيام من مغادرتهم المملكة المتحدة، أحيانًا قبيل عطلات "إسرائيلية".
كما أشارت عريضة قدمت مؤخرًا إلى المحكمة العليا "الإسرائيلية" من قبل محامين إلى سبع حالات منع دخول وُصفت بأنها غير قانونية، من بينها حالة جرّاح العظام البريطاني "غرايم غروم"، المؤسس المشارك لجمعية "آيديلز" الخيرية، الذي زار غزة أكثر من 40 مرة، بينها أربع مرات خلال الحرب الأخيرة، لكنه مُنع من الدخول في ثلاث مناسبات من دون تقديم تفسير رسمي.
وقال غروم: "نعتقد أن السبب قد يكون أننا نشهد على ما يحدث في غزة. منعنا من الدخول امتداد لسياسة استبعاد الصحافيين الدوليين، وقتل الصحافيين الفلسطينيين".
ونقلت الصحيفة عن متحدث باسم وزارة الخارجية والتنمية البريطانية قوله إن وزير الخارجية التقى في أواخر العام الماضي بفرق طبية مُنعت من دخول غزة، مضيفًا: "يجب على إسرائيل أن ترفع القيود فورًا، وأن تسمح بوصول الغذاء والإمدادات الطبية والوقود إلى المحتاجين بشدة، بما يتماشى مع القانون الإنساني الدولي".
