يحلّ شهر رمضان هذا العام على اللاجئين الفلسطينيين في مخيم الجليل في البقاع اللبناني وسط ظروف معيشية واقتصادية قاسية. فبين عائلات تمسّكت بعاداتها وتقاليدها المعتادة في استقبال الشهر الفضيل، وأخرى حالت ضيق الحال وارتفاع الأسعار دون قدرتها على الاستعداد كما في الأعوام السابقة، برزت مبادرات فردية وجماعية حاولت التخفيف من وطأة الأعباء، ولو بالحد الأدنى.
مع اقتراب بداية الشهر وخلال أسبوعه الأول، انطلقت مبادرات شبابية، بعضها فردي وبعضها عبر جمعيات، لمساندة العائلات المتعففة، لا سيما تلك التي تعجز عن تأمين مستلزمات رمضان الأساسية، وتنتظر من يمدّ لها يد العون. ولم تقتصر هذه المبادرات على توزيع المواد الغذائية، بل شملت أيضًا توزيع الزينة الرمضانية على الأطفال، في محاولة لإدخال البهجة إلى قلوبهم والحفاظ على أجواء الشهر الروحانية.
استقبال الشهر بأمل وإصرار
أبو محمد غزلان، لاجئ من المخيم، يقول: "استقبلت رمضان هالسنة بقلب راضٍ رغم كل الظروف الصعبة". ويؤكد أن الوضع الاقتصادي لم يعد كما كان، وأن ارتفاع الأسعار أثّر على الجميع، "حتى أصبح اللاجئ يحسب مشترياته بالليرة".
ويضيف أن لرمضان "طعمًا آخر رغم كل الظروف"، مشيرًا إلى أنه يحاول استقباله بنية صافية والتقرب إلى الله ومساعدة الناس قدر المستطاع. ويلفت إلى أن الجيران في السنوات الماضية كانوا يتبادلون المساعدة، "أما اليوم فالحاجة موجودة عند الجميع"، متمنيًا أن تكون الأيام المقبلة أهون على الناس.
أما أبو علي حمود، فيعمل من السابعة صباحًا حتى الخامسة مساءً في محطة وقود لتأمين مستلزمات عائلته. ويوضح أن الأوضاع ازدادت صعوبة مع ارتفاع الأسعار على مختلف الحاجات الأساسية. ويقول إن لديه أربعة أطفال يرغب بعضهم في تزيين المنزل واستقبال الشهر بأجواء الفرح، "لكن الظروف المادية لا تسمح بإنفاق مبالغ على الزينة"، ما دفعه إلى شراء فانوس صغير فقط تعبيرًا عن قدوم الشهر الفضيل.
مسيرات كشفية وزينة رمضانية
وفي مشهد يعكس تمسّك المخيم بأجواء رمضان، نظّمت كشافة ومرشدات الإسراء مسيرة كشفية جابت أحياء المخيم، رفع خلالها الأشبال شعارات "رمضان كريم" و"مبارك عليكم الشهر"، ولوّحوا بالبالونات المضيئة والألوان النارية، وسط مشاركة واسعة من الأهالي.
وأشار مسؤول الكشافة، علي سحويل، إلى أن هذه المسيرة تنظم سنويا لاستقبال رمضان، وتهدف إلى تعريف الأطفال بأهمية الشهر وتعزيز قيمه الدينية والاجتماعية في نفوسهم.

الجمعيات حاضرة قبل قدوم الشهر
وقبيل حلول رمضان بيومين، بادرت جمعية "عضد" الخيرية إلى توزيع حصص غذائية على العائلات داخل المخيم. ويقول مدير الجمعية، عيسى عيسى، إن المبادرة جاءت "لتخفيف الأعباء عن العائلات قبل قدوم الشهر الفضيل"، مشيرًا إلى توزيع 400 حصة غذائية على اللاجئين الفلسطينيين، تحتوي على حاجات أساسية للسحور والإفطار.

أم علاء، وهي لاجئة من المخيم، تؤكد أن الحصة التي استلمتها خففت عنها عبئًا كبيرًا، موضحة أن قيمتها تتراوح بين 50 و60 دولارًا، وتضم الأساسيات اللازمة لتحضير أطباق رمضان. وتقول إن مثل هذه المبادرات "تخفف من أعباء الشهر علينا، ونشعر أن هناك من يفكر بنا".
مبادرات شبابية مستمرة
ويستمر مشروع "إفطار صائم" للعام السادس عشر على التوالي. ويوضح سامر عيسى، صاحب فكرة المشروع، أن المبادرة انطلقت عام 2010 مع قدوم اللاجئين الفلسطينيين من سوريا، حيث بدأ بجمع التبرعات عبر "فيسبوك".
ويشير إلى أن الفكرة لاقت تفاعلًا واسعًا، لتتحول إلى مشروع مستمر طوال الشهر الفضيل، إذ يرسل المتبرعون مساهماتهم عن أرواح آبائهم أو أبنائهم بنية الصدقة، فيما يتولى هو ومجموعة من الشباب شراء الطعام وتجهيزه وتوزيعه على العائلات داخل المخيم وخارجه.

وفي السياق ذاته، يبرز مشروع "إفطار من ابن المخيم للمخيم" كمبادرة شبابية تهدف إلى مساعدة العائلات الأكثر حاجة. ويقول قصي محمد، أحد المتطوعين، إن المبادرة جاءت استجابة لارتفاع الأسعار ووجود عائلات بلا معيل، مؤكدًا أنهم يجمعون التبرعات المالية، ثم يشترون المواد الغذائية لتوزيعها على الأسر الأشد احتياجًا.
وضمن هذه الجهود، أطلقت الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين حملة بعنوان "بيتي غزة". ويوضح مسؤول الرابطة، شادي صباح، أن الحملة تقوم على توزيع حصّالات منزلية على البيوت، ليتم جمع الأموال في آخر يوم من رمضان وإرسالها إلى أهالي غزة، مؤكدًا أن الهدف هو "ربط أعمالنا وأرزاقنا بخدمة أهلنا".
ورغم اشتداد الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، يبقى شهر رمضان في مخيم الجليل مساحة للتكافل والتضامن. وبين مبادرات الجمعيات وتحركات الشباب، تتجلى حقيقة أن مساعدة صغيرة قد تصنع فرقًا كبيرًا في أصعب الظروف، فيما يثبت أهالي المخيم أن روح المحبة والأمل لا تزال حاضرة، حتى في أشدّ الأوقات قسوة.
