مع تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على لبنان منذ مطلع شهر آذار/مارس، لم تكن المخيمات الفلسطينية ومحيطها بمنأى عن الغارات التي طالت مناطق عدة، وأسفرت عن استشهاد 25 لاجئاً فلسطينياً، بينهم أطفال ونساء. وقد توزع الشهداء على مخيمات وتجمعات مختلفة، حيث ارتقى بعضهم داخل مناطق سكنهم أو بالقرب منها، فيما استشهد آخرون في أماكن عملهم أو في مواقع مدنية استهدفتها الغارات.
ورصد موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين أعداد الشهداء خلال التصعيد الأخير، موثقاً انتماءاتهم إلى المخيمات الفلسطينية المختلفة، ومسلطاً الضوء على أماكن استشهادهم وظروف سقوطهم، إلى جانب التأثيرات العميقة لهذه الخسائر على العائلات داخل المخيمات، في محاولة لرسم خريطة توثيقية للفقد الذي يضرب مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في ظل الحرب الجارية
شهداء المخيمات الفلسطينية في لبنان
مخيم عين الحلوة
سجلت مدينة صيدا ومحيطها العدد الأكبر من الشهداء، وآخرهم الشهيد وليد محمد ديب "أبو خالد" الذي استُهدف صباح الأربعاء 18 آذار/مارس. وفي مخيم عين الحلوة، استشهد قائد "سرايا القدس" في الساحة اللبنانية، القيادي أدهم العثمان، وهو من أبناء المخيم، إثر غارة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين 2 آذار/ مارس.
كما استشهد اللاجئ محمد أحمد الصيداوي يوم الأحد 8 آذار/ مارس، جراء غارتين جويتين استهدفتا شقة سكنية في منطقة تعمير عين الحلوة عند المدخل الشمالي للمخيم.
مخيم المية ومية
استشهد الشبان أحمد الصديق، علي عثمان، وعمر بغدادي، وهم من أبناء مخيم المية ومية شرق صيدا، يوم الجمعة 6 آذار/ مارس، إثر غارة استهدفت مبنى تابعاً لـ"جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية" في مدينة صيدا، في استهداف مباشر لمنطقة مدنية مكتظة بالمكاتب والعيادات.
الشرحبيل – شرق صيدا
استشهد القيادي في حركة حماس وسام طه، فجر الأحد 15 آذار/مارس، إثر قصف صاروخي مباشر استهدف شقة سكنية في منطقة الشرحبيل شرق صيدا.
مجزرة مشاريع الهبة – صيدا
في فجر الجمعة 13 آذار/مارس، ارتكب الطيران الحربي "الإسرائيلي" مجزرة في تجمع مشاريع الهبة – الفوّار المحاذي لمخيم المية ومية، أسفرت عن استشهاد 13 لاجئاً فلسطينياً، بينهم نساء وأطفال.
وعُرف من بين الشهداء: محمد ماجد زيدان، رحاب زيدان، سمر ماجد زيدان وابنتها ميرال أبو دية، هدى مهنا وابنتها حوراء، فادي سمير خليل، ونجلته سالي فادي خليل، ونجله آدم فادي خليل، عبد الرحمن خاسكية، وشقيقته آلاء خاسكية، وهادي عبد الرحمن (من أبناء مخيم برج الشمالي)
وفي 17 آذار/ مارس، ارتقى الطفل عدنان ميعاري متأثراً بجراحه التي أُصيب بها في الغارة.
مخيم البرج الشمالي – صور
استشهد الشاب هادي عبد الرحمن، وهو من أبناء مخيم البرج الشمالي في مدينة صور، جراء الغارة ذاتها التي استهدفت مشاريع الهبة، وقد نعاه حزب الله.
تجمع وادي الزينة – إقليم الخروب
استشهد الشاب محمد العوضي من تجمع وادي الزينة، إثر غارة "إسرائيلية" استهدفته في جنوب لبنان قرب الحدود الفلسطينية.
مخيم شاتيلا – بيروت
في 3 آذار/ مارس ، استشهدت الطفلتان سوسن وليان العجوز جراء غارة استهدفت مبنى سكنياً في منطقة السعديات جنوب لبنان، فيما لا يزال عدد من أفراد العائلة يتلقون العلاج في العناية المركزة.
مخيم البداوي – شمال لبنان
وعند أطراف مخيم البداوي، استشهد وسيم عطالله العلي وزوجته زينب توفيق أبو الحجل يوم 5 آذار/ مارس، إثر غارة استهدفت منزلهما، تاركين خلفهما خمسة أطفال، أصغرهم يبلغ أربع سنوات.
إحصاءات الشهداء والجرحى
في توثيق للحالات التي وصلت إلى مستشفى "الهمشري" في صيدا، قال المدير الإداري للمستشفى، الدكتور فادي سلامة: إن "إجمالي عدد الشهداء بلغ 11 شهيداً، بينما وصل عدد الجرحى إلى 12 حالة، مشيراً إلى أن المستشفى يواصل استقبال الحالات الطارئة وتقديم الرعاية الطبية بأقصى طاقته رغم الظروف الصعبة"
من جانبه، أكد الدكتور محمد حمود، مدير "الهلال الأحمر الفلسطيني في لبنان"، أن "عدد الشهداء الذين وصلوا إلى مستشفى الهمشري نتيجة مجزرة مشاريع الهبة فقط بلغ 9 شهداء"، مشيراً إلى وجود أشلاء مجهولة الهوية نُقلت إلى مستشفيي "غسان حمود" و"لبيب أبو ظهر" لإجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) للتأكد من هوياتهم.
تداعيات الحرب على اللاجئين.. احتضان شعبي وضغط ديغرافي
في مشهد تختلط فيه معاني التكافل مع قسوة الواقع، يسلط الإعلامي والناشط محمد ميعاري الضوء على تعقيدات الحياة داخل مخيمات شمالي لبنان، ولا سيما البداوي ونهر البارد، تحت وطأة الحرب.
يرى ميعاري أن مخيمات الشمال تعيش حالة من "التكافل الأخوي" الاستثنائي، حيث استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين من المناطق التي طالتها إنذارات الإخلاء والقصف، ما شكل ضغطاً هائلاً على بنية تحتية متهالكة أصلاً.
وأضاف: أن الخسائر البشرية، رغم قسوتها، ولّدت ديناميكية إغاثية نشطة، حيث برز دور جمعية الشفاء للخدمات الطبية وفريق الاستجابة في النادي الثقافي الفلسطيني العربي، إلى جانب جهات طبية أخرى، معتبراً أن هذا العمل الجماعي تحول إلى "صمام الأمان الوحيد للعائلات المنكوبة".
وأكد أن "غياب العدالة الدولية أمام استهداف المربين والمدنيين والأطفال في بيوتهم، جعل العائلات في المخيم تعيد صياغة هويتها حول الصمود، واعتبار البقاء داخل المخيم رغم التهديدات جزءاً من معركة الكرامة"".
أزمة مقابر
وأشار ميعاري إلى أزمة حادة في المقابر، قائلاً: "وصلنا إلى مرحلة كارثية في مخيم البداوي، حيث نفدت القبور تماماً ولا توجد أراضٍ للدفن، وإذا استمر الاحتلال في عدوانه ووسع دائرة استهدافاته، سنواجه عجزاً حتى عن إكرام شهدائنا بمواراتهم الثرى، وهي أزمة وجودية تتفاقم مع كل استهداف"
وبيّن أن الحرب استهدفت أيضاً الأعمدة التربوية للمجتمع، كما في اغتيال المربي وسيم علي وزوجته المربية زينب أبو الحجل، واصفاً ذلك بأنه خلّف فراغاً تعليمياً وقيمياً كبيراً، وأضاف أن "خسارتهما خلّفت وراءها 5 أبناء واجهوا خطر الموت ونجوا بأعجوبة، لتبدأ معاناتهم مع اليتم وفقدان الرعاية في ظروف حرب قاسية".
وأوضح أن الأزمات المتلاحقة كشفت تهالك المعدات، مشيراً إلى أن تعطل سيارة دفاع مدني قديمة أدى سابقاً إلى غياب الاستجابة، ما تسبب باستشهاد طفلتين خنقاً في حادثة سابقة، مؤكداً أن هذا القصور "يضع حياة المدنيين على المحك في كل غارة".
آثار نفسية
وأضاف: "نظراً لتلاصق البيوت وضيق المساحة في المخيم، فإن أي استهداف لشقة سكنية يترك أثراً نفسياً عابراً للجدران، يصيب الجيران والأطفال بحالات رعب واضطراب ما بعد الصدمة، ويحوّل الشعور بالأمان إلى حالة من الترقب الدائم".
وفي الجنوب، تتكشف تداعيات موازية، كما يوضح الناشط محمود عطايا من مخيم عين الحلوة، الذي قال: إن "الحرب تركت آثاراً قاسية على اللاجئين، لا سيما اقتصادياً، حيث تراجعت المساعدات وغابت المبادرات الفعلية، ما فاقم معاناتهم اليومية".
وأضاف أن "الأثر النفسي كان الأشد قسوة، إذ يعيش معظم السكان في حالة خوف وقلق دائمين، مع شعور مستمر بالتهديد وإمكانية التهجير في أي لحظة، ما جعل الواقع النفسي مأساوياً"
وأشار عطايا إلى أن اللاجئين "يفتقرون إلى أماكن آمنة للنزوح في ظل غياب خطة طوارئ حقيقية، رغم البيانات الصادرة عن الجهات المعنية مثل الأونروا ولجان الطوارئ ومنظمة التحرير، والتي لا تنعكس بشكل ملموس على أرض الواقع"، مؤكداً أن "90% من سكان مخيمات الجنوب (الرشيدية، البص، البرج الشمالي)، رغم شمولها بخطط الإخلاء، ما زالوا في أماكنهم، رافضين المغادرة نحو مصير مجهول وتجنباً لمزيد من المعاناة والتشرد".
صمود أهالي الشهداء
ورغم قسوة الفقد، يتمسك أهالي الشهداء بثبات لافت، هذا ما عبّرت عنه شيماء بغدادي، شقيقة الشهيد عمر بغدادي، بقولها: "الحمدلله بقلوب صابرة بفخر وشكر لله أنه اختار أحداً من عائلتنا شهيداً، وفي شهر رمضان المبارك، ويوم الجمعة مباشرة بعد انتهائه من وضوءه للذهاب لصلاة الجمعة، حمدلله أنه أكرمنا بهذا الاصطفاء".
ووجهت رسالة إلى أهالي الشهداء قائلة: "أنزل الله عليكم الصبر والسلوان، أنتم لستم فقط أهالي شهداء بل أنتم رمز للصبر والكرامة والتضحية، نعاهدكم أننا سنبقى أوفياء لتضحياتهم، وأن تبقى ذكراهم نوراً يضيء طريق الأجيال القادمة"، مؤكدة أن "هذه البلاد تنتظر منا الكثير من الدماء وما همنا أن نُقتل في سبيل الله"
