يتواصل العدوان "الإسرائيلي" على مناطق واسعة في لبنان، بما في ذلك المخيمات الفلسطينية، مخلفاً، إلى جانب الدمار المادي، آثاراً إنسانية عميقة تطال الحياة النفسية للأطفال الفلسطينيين في المخيمات، وتعيد تشكيل طفولتهم في بيئة يسودها الخوف وانعدام الأمان.
ويعيش الأطفال داخل المنازل الضيقة ومراكز النزوح واقعاً يومياً مشحوناً بالتوتر، إذ تحولت أصوات الطائرات والغارات إلى مصدر دائم للرعب، ولم تعد الأصوات المفاجئة عابرة، بل باتت مرتبطة في أذهانهم بخطر وشيك، ما يرسّخ حالة من القلق والترقب المستمر.
وفي هذا السياق، أجرى موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" سلسلة مقابلات ميدانية مع أطفال وعائلات داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، إلى جانب مختصين في المجالين النفسي والتربوي، لرصد الواقع النفسي والمعيشي للأطفال في ظل الحرب.
فرط يقظة وخوف دائم من الأصوات
وتوضح مريم المقدح، وهي لاجئة من مخيم عين الحلوة، أن طفلها بات يعاني من ردود فعل نفسية حادة عند سماع أي صوت مفاجئ، مثل إغلاق الأبواب أو تحليق الطائرات، قائلة: "صار ابني يربط أي صوت عالي بخطر مباشر، بركض لحتى يحتمي أو بقول إنو في قصف، حتى لو ما في شي".
وتعكس هذه الحالة ما يُعرف بـ"فرط اليقظة"، حيث يعيش الطفل في حالة ترقب دائم، ويفسّر أي صوت مفاجئ على أنه تهديد، ما يؤدي إلى توتر مستمر وفقدان الشعور بالأمان.

ولا تتوقف آثار الحرب عند ساعات النهار، بل تمتد إلى الليل، حيث يعاني الأطفال من اضطرابات واضحة في النوم. وتروي زهراء رحيل، النازحة من مخيم البرج الشمالي إلى صيدا، معاناتها قائلة: "بتبلش نوبات بكاء بدون توقف، وصراخ، وحتى وهم نايمين بيبكوا… وأي صوت عالي بيخلّيهم يصرخوا: ضربة!".
وتضيف متأثرة بكلمات ابنتها: "ماما أنا خايفة على بيتنا… بخاف عليك تموتي… إمتى رح تخلص الحرب؟ ليه ما في عيد؟"، مشيرة إلى أن الضغوط التي تعيشها الأم خلال النزوح تجعل من الصعب عليها مساعدة أطفالها نفسياً.
وتعكس هذه الشهادات حالة من القلق العميق والتفكير الدائم بالخطر، ما يؤدي إلى كوابيس متكررة واستيقاظ مفاجئ وشعور دائم بعدم الطمأنينة.
أطفال يروون الخوف بأصواتهم
ويعبّر الأطفال أنفسهم عن هذه المخاوف بوضوح، ويقول الطفل عثمان القدح (8 سنوات): "صرت أخاف كتير لما أسمع صوت باب نطبق بقوة، وبفكر إنه قصف… وإذا إجت طيارة بقول لماما هاي رح تقصفنا… وحتى لما بدي أنزل أشتري بخاف يقصفوا وأنا بالطريق".

أما الطفل خالد عبيد من مخيم الجليل، فيصف كيف تغيّرت حياته منذ اندلاع الحرب، قائلاً إنه لم يعد قادراً على الخروج للعب أو الذهاب إلى المدرسة، ما زاد من شعوره بالخوف والعزلة. ويضيف: "إحنا بس بلشت الحرب، أهلي ما عادوا يخلّونا نطلع نلعب زي قبل لأنو الوضع مش آمن… وحتى وإحنا بالبيت منكون خايفين، لأنو دايماً عم نسمع صوت طيران وقصف".
ويتابع معبّراً عن أمله: "أنا بخاف ييجي يوم ويضربوا مخيمي، وأخسر حدا عزيز على قلبي… إن شاء الله تخلص الحرب ونرجع لمدرستي وأشوف أصحابي ونلعب سوا".
عزلة متزايدة وحرمان من الحياة الطبيعية
من جانبه، يشير مجد حسين، نائب قائد فوج الصحابي جعفر الطيار – كشافة بيت المقدس، إلى أن الأطفال في مخيم الجليل كانوا من الأكثر تضرراً نفسياً، بعد حرمانهم من الخروج للعب وإلغاء الأنشطة الترفيهية والتعليمية والكشفية.
ويضيف أن الطفل بات يقضي معظم وقته معزولاً داخل المنزل، في ظل الخوف المستمر من القصف، حيث يسود الترقب والتوتر بانتظار الغارة التالية، ما أدى إلى تدهور واضح في حالته النفسية.
التعليم يتراجع تحت ضغط الحرب
ولا يقتصر تأثير الحرب على الجانب النفسي، بل يمتد إلى التعليم، حيث يوضح الأستاذ حسان السيد من صيدا أن إغلاق المدارس والتحول إلى التعليم عن بُعد فاقما الأزمة، في ظل غياب الإمكانيات الأساسية.
ويشير إلى أن الاكتظاظ داخل المنازل وضعف الإمكانات التقنية يجعل من التعليم الإلكتروني خياراً غير فعّال، قائلاً: "نحن اليوم بواقع حرب… فبيوت فيها أكتر من خمس أولاد، كيف بدهم يتعلموا أونلاين؟ منين بدنا نجيب أجهزة؟ ومنين بدنا نأمّن إنترنت؟".
ويؤكد أن التعليم فقد دوره الأساسي في هذه الظروف، مضيفاً: "التعليم الأونلاين ما بيعطي نتيجة… والوضع اليوم أصعب بكتير، لأنو في خوف وضغط نفسي، مش بس مشكلة دراسة".

كما يلفت إلى أن المدرسة كانت تمثل مساحة أمان وتنظيم لحياة الطفل، وهو ما فقده الأطفال اليوم، قائلاً: "الولد مش بس عم يخسر تعليمه، عم يخسر روتينه، عم يخسر أصحابه، عم يخسر الإحساس بالأمان".
ويختم بالقول إن الأولويات تغيّرت لدى الأهالي: "الأهل اليوم أول همّهم يحموا ولادهم ويأمّنوا أكلهم ودفاهم… التعليم صار للأسف شي ثانوي بهيك ظروف".
تحذيرات نفسية من آثار طويلة الأمد
بدورها، تقدم المعالجة النفسية زهور النشار قراءة معمّقة لهذه الظاهرة، موضحة أن البيئة غير الآمنة والمليئة بالمحفزات الصوتية تُدخل الطفل في حالة استجابة نفسية دائمة للخطر.
وتشرح أن الطفل يخزّن أصوات القصف كتهديد مباشر، ما يجعله يعيد الاستجابة ذاتها حتى في غياب الخطر، قائلة: "الطفل بصير يفسّر أي صوت مفاجئ كخطر… حتى لو كان باب أو صوت عادي، بالنسبة إله هيدا إنذار".
وتؤكد أن اضطرابات النوم تُعد من أبرز المؤشرات على تأثر الأطفال نفسياً، مشيرة إلى انتشار حالات الأرق والاستيقاظ المتكرر والكوابيس المرتبطة بالخوف.
كما تحذر من تحوّل القلق إلى سلوكيات كالعصبية أو الانسحاب، نتيجة عجز الطفل عن التعبير عن مشاعره، مضيفة: "إذا استمر التعرض لهالضغوط، ممكن نشوف أعراض صدمة نفسية ممتدة بتأثر على شخصية الطفل ونموه لاحقاً".
ورغم صعوبة الظروف، تشدد على أهمية دور الأهل، مؤكدة أن الدعم العاطفي يمكن أن يخفف من وطأة الخوف، حتى لو كان في أبسط صوره، من خلال الطمأنة والحضور المستمر إلى جانب الأطفال.
