يحل يوم الطفل الفلسطيني هذا العام في ظل واقع إنساني هو الأكثر قسوة منذ عقود، بفعل المآسي التي خلفها الاحتلال "الإسرائيلي" للآلاف من الأطفال الفلسطينيين على وقع حرب الإبادة التي أنهكت قطاع غزة المحاصر بالأصل منذ سنوات تزامناً مع الانتهاكات المستمرة في الضفة الغربية والقدس.

وتكشف الإحصاءات الصادرة عن مؤسسات الأسرى ما وصل إليه ملف المعتقلين من الأطفال الذين زجوا خلف القضبان الإسرائيلية دون توجيه تهمة لهم وضمن محاكم شكلية، استناداً إلى ما بات يُعرف بـ"الملف السري" — وثيقة يحتجب مضمونها عن المعتقل ومحاميه على حدٍّ سواء.

180 طفلاً قيد الاعتقال الإداري في سجون الاحتلال

وقال نادي الأسير الفلسطيني: "إن هذه السياسة قد رافقت الاحتلال لعقود طويلة بوصفها أداةً للعقاب الجماعي والسيطرة، فإنها شهدت في ظل الحرب الدائرة منعطفاً غير مسبوق إذ انفتحت أبواب السجون على مصرعيها لاستقبال آلاف الفلسطينيين تحت هذا المسمى، وكان الأطفال في مقدمة ضحايا هذا التنكيل الممنهج".

وأكد أن عدد الأطفال المحتجزين إدارياً وصل إلى مستويات لم تُسجّلها المؤسسات الحقوقية في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطيني، وحتى نهاية عام 2025، وبحسب ما أعلنت عنه إدارة السجون، فإن 180طفلاً في الاعتقال الإداري.

ولا يعاني الطفل المعتقل إدارياً من وطأة الاحتجاز وحده، بل يرزح تحت ثقل تعذيب نفسي متواصل وفق ما يؤكد نادي الأسير، الذي يشير إلى أن أمر اعتقاله يُجدَّد في اللحظات الأخيرة قبيل موعد الإفراج المفترض، ليجد نفسه وأسرته في دوامة من القلق والترقب لا تنتهي.

350 طفلاً في سجون الاحتلال "الإسرائيلي"

وفي ظل الحرب، تضاعف هذا الاحتجاز وترافق مع عزل شبه تام: لا زيارات عائلية، ولا تواصل مع المحيط الخارجي، مما يجعل الطفل عرضةً لسياسات التجويع والإذلال والترهيب داخل الزنازين بحسب نادي الأسير.

ووثق نادي الأسير وجود نحو 350 طفلاً في سجون الاحتلال "الإسرائيلي"، تحت وطأة ظروف احتجاز بالغة القسوة، تُشكّل في مجملها انتهاكًا ممنهجًا وصارخًا لأبسط حقوقهم الإنسانية، تضاعفت هذه الانتهاكات في أعقاب الإبادة لتشكل مرحلة جديدة من حيث مستوى التوحش.

أكثر من 21 ألف طفل ارتقوا في حرب الإبادة

من جانبها، أكدت وزارة التنمية الاجتماعية بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني أن أطفال قطاع غزة يعيشون عدواناً غير مسبوق وسط أوضاع كارثية وانتهاكات جسيمة لحقوق الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة.

وسلطت الوزارة الضوء على أعداد الأطفال الذين قتلهم الاحتلال في حرب الإبادة التي لا زالت متواصلة منذ السابع من تشرين أول/ اكتوبر 2023 ، بحق أهالي قطاع غزة والتي راح ضحيتها حتى الآن أكثر من 73,50 شهيداً من بينهم أكثر من 21,510 أطفال ، وأكثر من 41,283 مصاباً من الأطفال، فيما لا يزال أكثر من 8,100 فلسطيني بينهم أطفال ونساء، في عداد المفقودين تحت الأنقاض وفي الطرقات.

وذكرت أن عدوان الاحتلال "الإسرائيلي" المستمر وغير المسبوق على أطفال فلسطين عامة وقطاع غزة خاصة، طال كامل منظومة حقوق الطفل، وخاصة الحقوق الأساسية، كالحق في الحياة والبقاء والنمو، والمأكل والمشرب والملبس، كما حرمهم من حقهم في التعليم.

وحرم بقية أطفال القطاع من الحق في الصحة والماء والغذاء والدواء والبيئة النظيفة، وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش"، في تصريح سابق له، أن قطاع غزة الذي يتعرّض للقصف يتحوّل إلى "مقبرة للأطفال".

مئات الأطفال يعانون إعاقات دائمة وجزئية في غزة

ولفتت الوزارة إلى التقارير التي تؤكد أن هناك واقعاً كارثياً عاشه أطفال قطاع غزة ذوو الإعاقة نتيجة العدوان "الإسرائيلي"، رُصد إصابة 15 طفلاً يومياً بإعاقات دائمة بسبب استخدام أسلحة متفجرة محظورة دولياً، ووصل عدد حالات الأطفال مبتوري الأطراف 864 طفل، فيما بلغت حالات إصابات الدماغ والنخاع الشوكي 1268 طفل، بالإشارة كذلك إلى المئات ممن فقدوا أطرافهم أو بصرهم أو سمعهم، مما زاد من تعقيد المأساة.

كذلك ركزت الوزارة في بيانها على حرمان الاحتلال الأطفال في قطاع غزة من حقهم في الحفاظ على أسرهم والبقاء معها، فتشير التقديرات إلى وجود حوالي 18,000 طفل غير مصحوبين أو منفصلين عن ذويهم في قطاع غزة، فيما بلغ عدد أيتام العدوان "الإسرائيلي" الأخير 55.157 يتيماً يجسد كل منهم قصة مؤثرة عن الخسارة والحزن.

حرمان الأطفال من التعليم على مدار أكثر من عامين

وعلى صعيد التعليم، ذكرت الوزارة الأزمة التي سببها الاحتلال للأطفال خلال الحرب عبر قطعهم عن استكمال تعليمهم لعامين على التوالي ما جعل العديد من هؤلاء الطلاب لم يتمكنوا من تلقي تعليمهم بشكل فعّال طوال هذه الفترة، بسبب عدم وجود مناطق آمنة، إضافة إلى انقطاع الكهرباء والإنترنت، وقلة توفر الأجهزة اللازمة، ما يُنذر بفجوة تعليمية تهدد مستقبل جيل بأكمله.

وطالبت الوزارة في ختام بيانها باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أطفال فلسطين الذين يتعرضون لمحرقة الحرب "الإسرائيلية" النازية، من قتل واعتقال وتنفيذ القوانين الدولية بحق المسؤولين عن حرب الإبادة الجماعية وعدم إفلات مجرمي الحرب من المحاسبة.

كما دعت كل المنظمات الدولية للدفاع عن حقوق الطفل الفلسطيني وتعزيزها، والعمل على بناء عالم أفضل لأطفال فلسطين وفي مقدمتها العيش في وطن حر مستقل يتمتعون فيه بالأمان والسلام.

وشددت على ضرورة تشكيل شبكة حماية للأطفال وبرعاية من مؤسسات الطفولة الدولية لحماية الأطفال الفلسطينيين من اعتداءات الاحتلال "الإسرائيلي"، وفق ما نص عليه القانون الدولي الإنساني كما طالبت بإطلاق سراح كافة الأطفال المعتقلين بسجون الاحتلال.

تصاعد انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه بحق الأطفال

بدورها، وزارة شؤون المرأة الفلسطينية أكدت أن واقع الطفولة في فلسطين يشهد تدهورًا غير مسبوق، حيث باتت حقوق الأطفال مسلوبة في ظل تصاعد الانتهاكات في قطاع غزة والضفة الغربية، ما انعكس بشكل مباشر على الأمهات اللواتي يتحملن أعباءً معقدة ومضاعفة في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحماية والرعاية.

وجاء ذلك في تقرير أصدرته الوزارة، بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني، حيث سلط الضوء على الأوضاع القاسية التي يعيشها الأطفال، وما تتركه من آثار عميقة على النساء، في ظل واقع مركب من العنف والحرمان وانعدام الاستقرار.

وبيّن التقرير أن الأطفال في الضفة الغربية والقدس والمخيمات يتعرضون لانتهاكات متعددة تشمل الاعتقال والتنكيل والتخويف، إلى جانب الترويع الممنهج واعتداءات المستوطنين، ما يفقدهم الإحساس بالأمن ويؤثر على حقهم في التعليم والحياة الكريمة.

كما تتقاطع هذه الظروف مع تعطل العملية التعليمية وتصاعد ظاهرة عمالة الأطفال نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ما يضع الأمهات أمام تحديات يومية في تأمين احتياجات أطفالهن.

وفي قطاع غزة، وصف التقرير أوضاع الأطفال بأنها من بين الأشد قسوة، في ظل استشهاد وإصابة عشرات الآلاف، وانتشار سوء التغذية، وانهيار النظام الصحي، وانقطاع العملية التعليمية، حيث صار مئات آلاف الأطفال خارج المدارس.

كما يواجه الأطفال ضغوطًا نفسية واجتماعية عميقة نتيجة فقدان الأسرة والمأوى، ما يفرض على الأمهات أدوارًا مضاعفة تشمل الرعاية والإعالة والتعامل مع آثار الصدمة المستمرة.

أكثر من 58 ألف طفل صاروا أيتاماً في غزة

وأشار التقرير إلى أن هذه الأوضاع لا تقتصر آثارها على الأطفال فقط، بل تعيد تشكيل أدوار النساء داخل الأسرة والمجتمع، وتزيد من تعرضهن للضغوط النفسية والمخاطر، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في ظروف النزوح وفقدان الأمان.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" قد أفادت بأن أكثر من 58 ألف طفل في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما، ما يضعهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون دعم أسري كافٍ.

في حين كشف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن أزمة تغذية غير مسبوقة، حيث تم إدخال أكثر من 3700 طفل للعلاج من سوء التغذية خلال شباط/فبراير 2026، بينهم مئات الحالات الحرجة، وسط نقص حاد في الغذاء والتنوع الغذائي.

أكثر من 12 ألف طفل يعيشون نزوحاً قسرياً في الضفة الغربية

وفي الضفة الغربية، أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إلى أن أكثر من 12 ألف طفل يعيشون أوضاع نزوح قسري نتيجة العمليات العسكرية المستمرة منذ عام 2025، ما أدى إلى حرمانهم من التعليم والخدمات الصحية، وتعرضهم لمخاطر صحية ونفسية متزايدة.

ودعت وزارة شؤون المرأة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، من خلال ضمان تطبيق قواعد القانون الدولي، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات جنيف، والعمل على توفير الحماية الفورية للأطفال، ووقف الانتهاكات بحقهم، وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية، إضافة إلى تعزيز الدعم الإنساني في مجالات الصحة والتعليم والتغذية والدعم النفسي.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين/ متابعات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد