لاجئ فلسطيني ضحيّة " تجار العمل" في اليونان.. قَضَم حقّه وحاول قتله 

الأربعاء 26 فبراير 2020
خاص

 

تقرير الوليد يحيى

 

"تجّار البشر" صفة يجري تداولها عادة في عالم صناعة اللجوء، للدلالة على المُهرّبين، الذين لا همّ لهم سوى قبض أجرة التهريب الباهظة ممن ضاقت بهم بلادهم بسبب فقر أو احتلال او استبداد او كلّها مجتمعةً، وهمّوا يبحثون عن واقع إنسانيّ أفضل في دول اللجوء الأوروبيّة، ليجري نقلهم عبر البحر بقوارب الموت، دون أن يأبهوا لمصيرهم ولا حتّى مراعاة الأحوال الجويّة، فالبحر سيبتلع هؤلاء البؤساء، بينما جيوب التجّار ستهنأ بما جنته من مال.

أمّا من نجوا من شرك التجّار المهربّين، ووصلوا إلى برّ الجزر اليونانيّة، وهي بالنسبة للاجئين الفلسطينيين نافذة أملٍ على إطلالة حياتيّة جديدة متخيّلة، وقعوا في شِبَاك تجار البشر من أصحاب العمل اليونانيين، كما وصفهم أحد ضحاياهم وهو اللاجئ الفلسطيني من قطاع غزّة، العامل الحدّاد مهنّد المصري، الذي تعرّض لانتهاك مزدوج هو ومجموعة من رفاقه اللاجئين، حين قضم صاحب العمل حقّهم المادي، وتعرّض لهم باعتداء جسدي وعنصري، كاد أن يُفقد مهنّد حياته عن سبق إصرار وتصميم.

 روى مهنّد المصري ما جرى معه لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" وهو طريح فراش المستشفى، لا يقوى على الحركة، وآلام الانتهاك المعنوي فاقت تلك الناتجة عن تهتك العظام الذي أصابه والاعتلال في أوتار وأعصاب أحد أطرافه، جرّاء قيام صاحب العمل اليوناني بدهسه ورفاقه لمجّرد أنّهم طالبوه بأجرة عملهم، وعلى لسانه شتائم عنصريّة من قبيل " أنتم فلسطينيون لاجئون لا حقوق لكم يجب أن تموتوا".
 

واقع معاكس للخيال

بدأت معاناة مهنّد ورفاقه بمجرد وصولهم إلى جزيرة كوس اليونانيّة، بعد رحلة هرب من ظروف الحصار والفقر والاعتداءات المتكررة التي يشنها الاحتلال الصهيوني على قطاع غزّة، أملاً في الظفر بحياة أفضل في دول حقوق الإنسان، كما قال لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" وطموحه الأكبر أن يستطيع بناء مستقبل له ولعائلته التي تركها داخل القطاع، وخاض أيّاماً طويلة في البحر والغابات حتّى وصل إلى الجزيرة، ليصطدم بواقع معاكس للخيال.

وقبل الوصول، بدأت تتكشّف ملامح المصير المُنتظر في اليونان، حين غرق القارب الذي كان يستقلّه مهنّد، على مقربة من السواحل اليونانية، ما دفع من على متنه طلب الإغاثة من خفر السواحل، الذين تأخّروا بالمجيء لأكثر من نصف ساعة " كأنهم كانوا ينتظرون موتنا لنقلنا جثثاً هامدة" قال مهنّد، "تلك بداية تحطّم الأمل من أوروبا، الكذبة التي كنت أتوقّع أنها حقيقة" حسبما أضاف.

"وعند وصولنا لمكان مخيّم استقبال اللاجئين، أدركت أننا أخطأنا بلجوئنا إلى أوروبا" يقول مهنّد، فإدارة المخيّم قد أخبرتهم بعدم وجود مكان لهم، وعليهم الخروج إلى الجزيرة وتدبّر أمورهم بأنفسهم، فتلقفتهم الشوارع التي صارت مسكنهم ومبيتهم لمدّة عشرة أيّام، في واقع لا يمكن التعايش معه، بل تخطيه عبر اللجوء إلى الخيارات التي تقتضيها طبيعيّات الكرامة الإنسانيّة، وهي البحث عن عمل لتوفير الحدّ الأدنى من المعيشة والإيواء.
 

"تجّار العمل" ما لم يكن بالحسبان

قرابة 6 أشهر، مضت على مهنّد مع رفاقه الثلاثة في اليونان، يعملون بما يتوفّر لهم من أعمال مؤقتّة، تدر عليهم ثمن مسكنهم وطعامهم، تعرّضوا خلالها للكثير من الاستغلال، فلا يتيح القانون اليوناني للاجئ على أراضي البلد أن يعمل، وهو ما وفّر لـ "تجّار العمل" مساحة كبيرة للكسب، حيث باتت سرقة قوّة عمل اللاجئين تجارة رابحة، بإجور دون الحد الأدنى بكثير، وساعات عمل طويلة تمتد في الكثير من الأحيان إلى 12 ساعة في اليوم، مقابل أجرة يوميّة وقدرها 20 يورو، إضافة إلى المماطلة في تسليمها لهم، وقد تصل مدة انتظار الحصول على الأجر إلى أسبوع أو شهر، وتخضع لأهواء أصحاب العمل وفق ما أكّد مهنّد.

ومن بين تلك الأهواء المتباينة لـ "تجّار العمل" في حدّة انتهاكها وشكله، بين واحد وآخر، وقع مهنّد ضحيّة صاحب مزرعة أبقار وأغنام، أوصلهم إليه بحثهم عن عمل، ليعمل مهنّد عنده كفنّي حدادة مع أصدقائه، وجرى الاتفاق أن يتسلّموا رواتبهم عند نهاية فترة العمل التي امتدّت لشهر كامل، اختبروا فيها نوعاً جديداً من الانتهاكات ذات الطابع العنصري.

"معاملة سيّئة وشتائم عنصريّة بلا مبرر، طالت أشخاصنا وفلسطين بدأ يوجهها لنا عقب مضي أسبوع على عملنا" يقول مهنّد، وهو ما اضطرّه مع رفاقه لتحملها طوال فترة عملهم تحت ضغط الحاجة، وأنهاها أخيراً صاحب العمل بقضم حقوقهم الماديّة عقب انتهاء الفترة المتفّق عليها.  

"وحين طالبنا بأجرة عملنا، طَردنا من مكان العمل، وقال لنا أنتم حيوانات لا حقوق لكم ولا تستحقون سوى الموت" يسرد مهنّد ما واجههم به صاحب المزرعة، بل أضاف إلى ذلك تهديدهم بالشرطة اليونانيّة، مستغلّاً عدم حيازتهم على تصريح عمل، وتكرر ذلك على مدى يومين من الذهاب إليه ومطالبته، ولم يقابلهم سوى بالطرد والتهديد.

وفي اليوم الثالث حاول قتلهم، وهو ما لم يكن بالحسبان، يروي مهنّد : "قال لنا إنّه سيقتلنا، وركب سيارته رباعيّة الدفع وقام بدهسي، ما أدّى إلى إصابتي بشكل مباشر، ورجع للخلف مرة أخرى و ضربني ضربة ثانية، وفي المرّة الثالثة نجوت بأعجوبة حين تمكّنت من الهرب من أمامه" ويكمل :" قمنا أنا وصديقي الموجودين في المكان، بإيقاف سيارة أجرة، و أعطاه صديقي جهاز الهاتف الخاص به  مقابل إيصالنا المستشفى، فلم يكن معنا يورو واحد".
 

غياب الحقوق يعزز الانتهاكات

يرقد مهند المصري في المستشفى، التي تمكّن من دخولها مصاباً بتهكتّك بالعظام وإصابة في أوتار يده وأعصابها، وبحاجة إلى علاج لم تقدّمه له المستشفى التي قصدها في جزيرة كوس، بل أخبروه بضرورة ذهابه إلى مستشفى آخر في العاصمة أثينا، وهو ما قد لا يقدر عليه لكونه غير مسجّل بدائرة اللجوء بعد، ولا يحق له الحصول على تحويل طبّي من قبلها، بسبب مماطلة السلطات اليونانية في البت بإجراءات اللجوء، ولا يمتلك سوى ورقة من الشرطة، يجري إعطاؤها للاجئ فور وصوله.

حال يعيشه الآلاف من اللاجئين في الجزر اليونانيّة، لا سمات فيه سوى انتهاك الحقوق الإنسانيّة، في مخيّمات غير صالحة لإيواء البشر، فضلاً عن أوضاع قانونيّة جعلتهم حبيسي المخيّمات.

 أمّا من لم يجدوا لهم مكاناً فيها كحال مهنّد، تُركوا ضحايا لـ "تجّار العمل" يستثمرون بهم ويقضمون حقوقهم، في ما يبدو أنّه تواطؤ بين التاجر والقانون، الذي جرّدهم من حقّهم بتقديم شكوى إلى الشرطة لتحصيل حقوقهم، وإن فعلوا فذلك قد يحولهم من ضحايا إلى متهمّين بانتهاك قانون العمل، ويكون مصيرهم السجن كما أكّد مهنّد.

أمّا محضر الشرطة الذي أجري كإجراء طبيعي في المستشفى، رفض قسم البوليس إعطاءه نسخة عنه حين طلبه، وأخبروه بضرورة توكيل محامي اذا أراد متابعة القضيّة، وهو ما قال عنه مهنّد أنّه " طلب مقصود لعلمهم أننا لا نمتلك المال لتوكيل محامي".

أكثر من 6 آلاف لاجئ فلسطيني على بر الجزر اليونانيّة، وصلوا كلاجئين فارّين إمّا من قطاع غزّة المُحاصر، أو من ظروف الحرب في سوريا وسواها من مناطق الشتات، إلى جانب أكثر من 36 ألف طالب لجوء في مخيّمات اللجوء، جميعهم عرضة لانتهاكات "تجّار العمل" لعدم إعطائهم حق الحماية ومماطلة السلطات اليونانية في ذلك.

وفي حين لدى معظم اللاجئين دول يرجعون اليها، وسفارات يلجأون إليها بحثاً عن حلّ لهم في مواجهة هكذا انتهاك، لا يجد اللاجئ الفلسطيني من يستند إليه، كحال مهنّد، الذي لا ينشد أمل سوى من المنظمات الإانسانيّة والهيئات الدوليّة، أن تخذ قضيّته وأمثاله بعين الاعتبار، أو سفارة السلطة الفلسطينية في اليونان على أقل واجب، وأن لا تضيع هذه القضيّة في سجل الانتهاكات التي توثّقها منظمات حقوق الانسان.
 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد