فلسطينيون سوريون على الحدود .. عرضة لانتهاك اليونان ورهينة الحسابات السياسية لتركيا

الثلاثاء 17 مارس 2020
خاص


 

تقرير: محمد حامد
 

في أجواء باردة، ومليئة بالمخاطر الصحية نتيجة تفشي فايروس كورونا "كوفيد 19" في أنحاء العالم، ومخاطر أمنية جراء استهدافهم من قبل الجيش اليوناني، يواصل طالبو اللجوء الانتظار على الحدود التركية اليونانية، على أمل الوصول إلى دول أوروبا الغربية، وذلك لليوم الـ19.

وكالة الأنباء التركية "الأناضول" تقول إن غالبية الباحثين عن اللجوء يحاولون اجتياز الحدود من خلال عبور نهر مريج الفاصل بين البلدين، فيما ينتظر قسم آخر في المنطقة العازلة بين معبري "بازار كوله" التركي وكاستانييس اليوناني على أمل أن تفتح اليونان أبوابها أمامهم.

وقدر عدد طالبي اللجوء المنتظرين على المعبر الحدودي، قرابة 10 آلاف يقيمون في خيام بدائية مصرّين على الدخول إلى اليونان، ولكن لا يبدو أن اليونان تنوي السماح لهم بالمرور خاصة بعد طلبها من الاتحاد الأوروبي مساعدة عاجلة لحماية حدودها من تدفق المهاجرين الآتين من تركيا.

وبالفعل، فقد بدأ مائة عنصر من الوكالة الأوروبية لمراقبة وحماية الحدود الخارجية (فرونتكس) عمليات مراقبة تستمر لشهرين على الأقل عند الحدود البرية اليونانية التركية في شمال شرق اليونان.

وذكر مصدر حكومي لوكالة الأنباء الفرنسية أن "عناصر فرونتكس وصلوا الخميس في 12 آذار/ مارس إلى كاستانييس (معبر حدودي من الجهة اليونانية) وبدؤوا الجمعة دوريات" قرب السياج الفاصل بين اليونان وتركيا و"على طرق المنطقة".

والجمعة، شرعت السلطات اليونانية في بناء جدار من الإسمنت أمام البوابة الحدودية، فضلا عن تعزيز الأسلاك الشائكة الموجودة على ضفة نهر مريج.

ومنذ 27 فبراير/شباط الماضي، بدأ تدفق طالبي اللجوء إلى الحدود الغربية لتركيا، عقب إعلان أنقرة أنها لن تعيق حركتهم باتجاه أوروبا، ما عرضهم لاعتداءات جسيمة وصلت حد الضرب والتعرية من قبل الجيش اليوناني. حيث بدأت  أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين، في مدينة إسطنبول وباقي الولايات التركية التوجه إلى المناطق الحدودية شمال غربي تركيا، بهدف العبور إلى أوروبا.

في يوم الإعلان التركي شهدت محطات انطلاق الباصات "الأوتوغار" بمدينة اسطنبول والولايات الأخرى، توافد أعداد كبيرة من المهاجرين الراغبين بالتوجه إلى ولاية أدرنة الحدودية مع اليونان، وبلغاريا.

ولا يختلف اللاجئون الفلسطينيون المهجرون من سورية، عن باقي اللاجئين الموجودين في تركيا ، الذين يرون في دول الاتحاد الأوروبي أملاً منشوداً سيحقق لهم العيش الكريم بعد أكثر من سبعين عاماً من النكبة الأولى، وتسعة أعوام على نكبتهم الثانية في مخيماتهم في سورية.
 

رحلة الهجرة إلى المجهول

شكلت تركيا واحدة من أشهر المحطات التي  ينطلق منها اللاجئون بحراً عبر بحر إيجة ومن ثم إلى الجزر اليونانية المقابلة للسواحل التركية، أو براً عبر قطع نهر "إيفروس" اجتيازاً ، للحدود البرية اليونانية والبلغارية، وتعتبر هذه الطرق من أكثر الطرق خطورةً على اللاجئين، مما يجعلهم عرضةً للاعتقال والتوقيف أو النصب والاحتيال في ظل المنع الممارس تجاههم لمنعهم الدخول الى دول الاتحاد الأوروبي، وسجل حالات وفاة واختفاء عدة للاجئين فلسطينيين سلكوا هذه الطرق.

ومع اصطدم اللاجئين الفلسطينيين السوريون في تركيا بالأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة في تركيا من غلاء في الأسعار وقلة في فرص العمل وتفشي البطالة وعدم تسوية أوضاعهم القانونية والأمنية وعدم حصولهم على الإقامات، يضطرون بأعداد كبيرة لإتباع طرق الهجرة غير الشرعية، سواء كانت براً أو بحراً إلى اليونان أو حتى جواً في بعض الأحيان للتوجه إلى العمق الأوروبي، وكل ذلك كان يتم عبر سماسرة وبأسعار مالية باهظة، من لا يمتلكها، يبقى ينتظر في تركيا، ليأتي الإعلان الأخير بفتح الحدود وينطلق  اللاجئون الفلسطينون كغيرهم من اللاجئين الى الحدود اليونانية البلغارية في محاولة منهم للدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي .

مثال على ذلك اللاجئ الفلسطيني عبدالله محمد الذي وصل مع عائلته إلى تركيا قبل عدة أشهرخوفاً من اشتداد المعارك في مدينة إدلب وبسبب كثافة القصف في المنطقة التي كان يقطنها هو وأسرته المكونة من خمسة أفراد، إذ لديه ثلاثة أطفال أحدهم يعاني من إعاقة تسببت بها شظية صاروخ  في العام 2016 أثناء القصف الروسي على مخيم خان الشيح.

يقول عبدالله: إن الوضع أصبح غير محتمل في تركيا، بسبب قلة فرص العمل وغلاء المعيشة فكان الإعلان عن فتح الحدود بمثابة نافذة أمل للعيش بشكل أفضل وحياة كريمة لأطفاله، وفرصة جيدة لاستكمال علاج ابه المعوّق .

ويضيف عبدالله نحن هنا منذ أكثر من أسبوع، الطقس بارد جداً وليس لدينا ما يقينا الأمطار وبرودة الجو، حاولت مراراً العبور أنا وأسرتي لكن حرس الحدود اليوناني انهالوا علينا بالضرب المبرح وقد أُصبت برأسي أثناء حماية أبنائي الصغار.

وكذلك بالنسبة للاجئة وداد اسماعيل التي قالت لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: "أنا موجودة اليوم هنا مع عائلتي المكونة من ابنتين وابنين شابين، خرجنا من مخيم اليرموك بعد أن استشهد زوجي برصاص قناص في المخيم، وأقيم في اسطنبول منذ العام 2016 وبعد اشتداد الحملة الأمنية في شهر تموز / يوليو 2019 حاولت مراراً الوصول إلى اليونان عبر البحر إلا أن محاولاتنا بائت بالفشل بعد أن قام المهرب بالنصب علينا وسرقة المبلغ الذي كان بحوزتنا."

وتضيف وداد: "نحن موجودون هنا منذ ثمانية أيام، لله الحمد أنني تجهزت أنا وأولادي بشكل جيد تحسباً للظروف الحالية، وضعنا أفضل نوعاً ما من كثير من اللاجئين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء."
 

الشرطة اليونانية تنتهك كرامة اللاجئين

الآلاف من الأسر والأطفال والنساء من بينهم عشرات العائلات الفلسطينية اللاجئة موجودون على الحدود اليونانية البلغارية في مدينة ادرنة التركية، لا يملكون أدنى وسائل العيش من طعام وشراب أو حتى خيام تحميهم من برودة الطقس في ظل ممارسات تنتهجها قوات الشرطة وحرس الحدود والجيش اليوناني كتوجيه الأسلحة صوبهم، واستخدام قنابل الغاز والرصاص، وممارسة العنف، واعتقالهم بشكل تعسفي، ومصادرة ما بحوزتهم من ملابس وأموال وهواتف ومتعلقات شخصية.

ووكانت ولاية أدرنة قد أعلنت يوم الأربعاء 4 أذار/ مارس مقتل لاجئ سوري وإصابة خمسة آخرين جراء إطلاق الشرطة وحرس الحدود اليونانيين الرصاص الحي والبلاستيكي وقنابل الصوت والغاز عليهم.

 سمير محمد وهو لاجئ فلسطيني من مخيم سبينة للاجئين الفلسطينيين بريف العاصمة السورية دمشق والمهجر الى تركيا، وأحد المتواجدين على الحدود اليونانية- البلغارية، قال لموقعنا: إن الشرطة اليونانية أخذت ماله وهاتفه الخلوي واعتدت عليه بالضرب هو ومن معه من اللاجئين، كما أنها أطلقت النار على مجموعة من المهاجرين."

ويضيف سمير:  "بعد أن قاموا بإلقاء القنابل الدخانية علينا، رشقناهم بالحجارة، لأن العديد من الأطفال والنساء اختنقوا"، ويؤكد أنهم لم يكونوا ليعتدوا على القوات اليوناية بالحجارة لولا اعتدائها هي أولاً، وأن العديد من اللاجئين يحملون لافتات باللغة الانكليزية واليونانية كتب عليها " نريد العيش بسلام" لكن "الشرطة والجيش اليوناني قاموا بإطلاق الرصاص علينا وبالضرب المبرح للذين حاولوا الدخول."

اللاجئ الفلسطيني الشاب أحمد سليمان وهو خريج من كلية الهندسة المدنية من جامعة دمشق في العام 2014 تحدث لبوابة اللاجئين الفلسطينيين عن محاولته البائسة بالعبور مع اللاجئين يوم السبت 29 شباط / فبراير 2020 قائلاً : أردت الوصول إلى عائلتي في ألمانيا، حاولت سابقاً لكنني لم استطع، ويوم السبت عبرت مع العشرات من اللاجئين الذين استطاعوا قطع الشريط الشائك والدخول إلى الأراضي اليونانية ، ولكن بعد عدة كيلو مترات من السير على الأقدام أوقفتنا قوة عسكرية يونانية وانهالت علينا بالضرب بالعصي والهرواى، كما أنها أطلقت النار على بعض اللاجئين وأعادتنا بالقوة الى الأراضي التركية بعد سلبنا أوراقنا الثبوتية والأموال التي نحتفظ بها وتركنا بدون ملابس سوى بالملابس الداخلية .

ويضيف : من حقي العيش بكرامة والوصول إلى عائلتي المحروم من رؤويتها منذ سنوات، أنا مهندس مدني ولكننني فشلت بإيجاد عمل في تركيا حتى لوكان بسيطاً، والعيش في تركيا بدون أي وثيقة قانونية تسمح لنا بالعمل والإقامة مستحيلة.
 

أزمة اللاجئين إلى أين ؟

هذا الأسبوع، بدأ عدد من اللاجئين على الحدود بالعودة تدريجياً إلى اسطنبول، ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن مسؤولين يونانيين قولهم:  إن "عدد محاولات عبور الحدود تضاءل من آلاف يومياً إلى بضع مئات، ولم ينجح أي منها يوم الجمعة، حتى مع استمرار التبادل المتقطع للغاز المسيل للدموع مع قوات الأمن التركية"

ونقلت وكالة "الأناضول" للأننباء عن ولاية أدرنة غربي تركيا إعلانها أن 147132 ألف لاجئ استطاعوا عبور الحدود إلى اليونان، إلا أن نسبة الفلسطينيين بينهم غير معروفة لعدم وجود جهات فلسطينية رسمية توثق أوضاع اللاجئين الفلسطينيين من طالبي اللجوء سواء في تركيا أو اليونان أو غيرها من الدول التي اعتبرت منافذ للجوء عبر سنوات الحرب السورية التسعة الماضية.

إلا أن اللاجئين جميعاً، بمن فيهم الفلسطينيون ينتظرون يترقب شديد نتائج قمة الدائة التلفزيونية الذي سيعده رئيس تركيا أردوغان مع المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" لحل أزمة إدلب واللاجئين.

ومثل المعتاد، سيبقى اللاجئون الفلسطينيون رهينة الحسابات السياسية للدول، وخارج حسابات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل الفلسطينية، وهو أحد أسباب سعيهم للهجرة إلى دول أوروبا والحصول على الإقامة فيها وخدماتها، نظراً لغياب كل ذلك من قبل المعنيين الفلسطييين في بلدان اللجوء كدول الطوق، أو تركيا أو اليونان او حتى مصر والعراق.

لابد من الإشارة هنا، إلى أن أغلب اللاجئين الفلسطينيين السوريين في تركيا هم من مخيمي خان الشيح واليرموك، وهجروا من مخيماتهم بفعل قصف النظام السوري، والمعارك مع المعاضة المسلحة وتدمير مخيم اليرموك وعدم الحصول على تطمينات بخصوص أوضاعهم الأمنية، أو من الفلسطينيين في قطاع غزة الذين هاجروا هرباً من تداعيات الحصار القاتل المفروض على القطاع منذ 13 عاماً .

ومعظم فلسطيني سوريا ممن قدموا إلى إسطنبول، جاؤوا بسبب وجود أقارب لهم وتوفر فرص العمل وبحثاً عن حياة آمنة فيها، وبسبب توفر أغلب الخدمات وعلى رأسها الخدمات الطبية التي تقدمها المراكز السورية والعربية بشكل أسهل، إلا أن قراراً تركيا صدر عام 2018 تسبب في منع كثير منهم من الحصول على بطاقة الحماية المؤقتة "الكملك" ساهم في تدهور أوضاعهم المعيشية، ونحيهم إلى التفكير بالهجرة، لاسيما بعد أن فشلت وعود عدة من سفاة السلطة الفلسطينية بتسوية أوضاعهم.

يذكر أن أعداد اللاجئين الفلسطينيين السوريين في تركيا يبلغ حوالي 2400 عائلة فلسطينية مسجلة، وموزعة على كل الأراضي التركية في الوسط والجنوب، وأن عدد العائلات المتواجدة في مدينة إسطنبول مايقارب حوالي 1200 عائلة فلسطينية، 500 عائلة تمتلك وثائق الحماية المؤقتة صادرة عن مدينة إسطنبول و400 عائلة منهم لا تمتلك أوراق الحماية المؤقتة "الكملك"، وأن أعداد العائلات التي تمتلك هذه الوثائق لكن من ولايات أخرى تجاوز ال300 عائلة، كما يذكر إلى أن 1200 عائلة فلسطينية سورية في تركيا متوزعة ضمن المحافظات الجنوبية، حوالي 390 عائلة منها لا تمتلك وثائق الحماية المؤقتة.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد