ترحيل الكاتبة بيسان عدوان من مصر يعيد إلى الذاكرة تاريخاً من السياسات الممنهجة ضد الفلسطينيين

الخميس 09 ابريل 2020
خاص

 

تقرير الوليد يحيى
 

تراكمات كثيرة، خلّفها نشاط الكاتبة والباحثة والناشرة الفلسطينية بيسان عدوان، سواء الأدبي أو السياسي، لم تحتمل ذهنية المنظومة السياسة والأمنية المصريّة ثقله، وعلى عادتها، قررت تلك المنظومة دفعه عنها، وعلى طريقتها القمعيّة المعتادة، حيث لم يسعف التاريخ مصر المجتمع والكيان، القطع مع تلك الممارسات والعبور بعيداً عنها بسفينة ثورة يناير، التي خرقت جسدها رؤى سلطوية استبدادية.

ترحيل بيسان عدوان القسري عن بلد نشأتها، وما تعتبره بلدها ولها الحق في ممارسة نشاطها فيه سواء الأدبي أو السياسي الناقد لمسارات اقتصادية واجتماعيّة مع رفاقها وأصدقائها المصريين وفق ما عبّرت في حديث مع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، يحيل إلى سياسات متجذّرة في الذهنية السياسية المصريّة في تعاطيها مع اللاجئ الفلسطيني في البلاد، وهي التي أُخبرت بشكل غير رسمي عبر قنوات أمنية أنّ ترحيلها كان سياسيّاً، قد يكون سببه المباشر، تسجيلات بثّتها عبر صفحتها في "فيسبوك" تتحدث فيها عن "صفقة القرن" وذلك بالتزامن مع انعقاد مؤتمر البحرين الاقتصادي عُقد في تموز/ يونيو 2019 الفائت، حسبما قالت عدوان لموقعنا.

ولم يحم الباحثة عدوان من اعتبارات السلطة السياسية المصرية، انتماؤها لمصر بحكم المعيشة الطويلة، وانغماسها بكافة تفاصيل هذا البلد، منذ لجوئها إليه مع والديها، ولا حتّى رابطة الدم المتأصلة بين الفلسطينيين والمصريين، ولكون جدّتها مصريّة الأصل.
 

سلسلة ترحيلات لفلسطينيين مع بدء سياسة التطبيع

وتعد عدوان ترحيلها القسري عن بلدها الثاني مصر، كحلقة ضمن سلسلة ترحيلات، بدأت مع تغيّر سياسات الدولة المصريّة، في تعاطيها مع اللاجئين الفلسطينيين، منذ العام 1978، حيث كانت لحظة اغتيال الكاتب والوزير المصري الأسبق يوسف السباعي في العاصمة القبرصية لارنكا على خلفية زيارته للكيان الصهيوني مع الرئيس الأسبق أنور السادات ومواقفه المؤيدة والمروجة للتطبيع المصري الصهيوني، مفصليّة، في انقلاب مصر بتعاطيها مع وجود الفلسطينيين على أراضيها.

 و لم يميّز ذلك الانقلاب حينها، بين اللاجئين المقيمين في مصر منذ "نكسة" عام 1967 وما قبلها، عن سواهم من أبناء تنظيمات منظّمة التحرير، رغم نفي المنظمة الرسمي ضلوعها في عملية الاغتيال، إلّا أنّ تبنّي ما كان يُعرف بـ"حركة فتح- المجلس الثوري" التي يقودها صبري البنّا "أبو نضال" ومقرّها العراق، للاغتيال، يبدو أنّه كان كافيّاً لتبرير ذلك الانقلاب على الفلسطينيين، وقضم كل المميزات التي تمتعوا بها في فترات سابقة.

وتشرح عدوان قائلةً، "منذ حقبة خمسينيات القرن الفائت، وفي القوانين المصرية التي صدرت عن الدولة المصرية في منذ بداية حتّى أواخر الستينيات، ووفقاً لبروتوكول الدار البيضاء الذي وقعّت عليه الحكومة المصريّة بقيادة جمال عبد الناصر، كان الفلسطيني يُعامل معاملة المواطن المصري، سواء في العمل والدراسة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية باستثناء حق الانتخاب والترشح".

 وبين ليلة وضحاها، انقلب الأمر بعد اغتيال السباعي، وانتقل الفلسطيني إلى معاملة الهامش والمؤقّت وفق الباحثة عدوان، وتم ترحيل كم كبير من الطلبة الفلسطينيين، ومن الذين كانوا ينتمون إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بشكل خاص، وأغلقت على إثرها كل النشاطات الخاصة بمعظم الفصائل الفلسطينية، وأغلق اتحاد طلبة فلسطين، واتحاد كتاب فلسطين، وأبقي على اتحاد عمال فلسطين واتحاد المرأة فقط، على أن يتم التعامل مع الدولة المصرية على أساس العمل الخيري وفق ما أضافت.
 

سياسات تضييق ممنهجة .. والدواعي أمنية مجهولة !

بدأت أعداد اللاجئين الفلسطينيين في مصر تتناقص، منذ ذلك الانقلاب في السياسات، إمّا بسبب الهجرة بشكل طوعي هرباً من التضييق الأمنيّ، وخصوصاً في حقبة الرئيس حسني مبارك في الثمانينيات التي أدّت إلى نزيف فلسطيني نحو دول الخليج والمغرب العربي وسواها، إلّا أنّ الترحيلات الفرديّة المباشرة، تحت عنوان " الخطر على الأمن العام" أو مصطلح "قانون الطوارئ الذي دخل حيّز التنفيذ منذ 1982، يبدو وكأنّ له أثر المشروع الممنهج للتخلّص من الوجود الفلسطيني على الأراضي المصريّة.

وتوضح عدوان تلك السياسيات وتقول :" قانون الطوارئ كان يسمح لأجهزة أمن الدولة، أن لا يمنحوا الإقامة ولو كان طالبها الفلسطيني مستوفي كافة مستوجباتها الورقيّة، لأنّ قرار منح الإقامة يرجع لوزير الداخلية".

وتتابع:" كان كتير من الشباب المرحلة العمرية من 18 الى 40 عندهم وضع متأزم جداً، من حيث انعدام إمكانيتهم، في إثبات أنفسهم بقانون العمل، و الحصول على عقود عمل، وفق ما كان يُلزم به الفلسطيني جرّاء بعض القوانين التي ظهرت في الثمانينيات".

 "تلك القوانين، حرمت اللاجئ الفلسطيني من الحصول على عقد عمل، وإن حصل عليه، أو إن خاض في أعمال الكسب الحرّة، لا يُسمح له بتسجيل مشروعه، سواء كان محلّاً أو شركة باسمه، وعليه أن يبحث على شريك مصري، تكون ملكية المشروع باسمه، ويتم العمل بشكل غير قانوني لضمان الحقوق" وفق ما بيّنت عدوان.

وتشير الباحثة الفلسطينية، إلى أنّ الوضع القانوني هذا، استمرّ لغاية العام 1990، وأدّى بالكثير من الفلسطينيين إلى الهجرة من مصر، نتيجة انهيار أوضاعهم الاقتصاديّة، وانعدام قدرتهم على اثبات حقوقهم، ولم يستطيعوا العودة إلى مصر بسبب فقدانهم لاقاماتهم في البلاد بعد رحيلهم.
 

تاريخ من الترحيل القسري يعود إلى الواجهة مع قضية بيسان

ومن غير المباشر، لغرض الدفع بهم خارجاً، إلى الترحيل القسري المباشر، والذي كانت بيسان عدوان آخر ضحاياه الفلسطينيين حتّى هذه اللحظة، فمنذ أن أعاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فرض قانون الطوارئ في مصر بنيسان/ابريل 2017، عادت إجراءاته وفروضه، حيث لم يتنفّس المجتمع المصري كثيراً منذ إلغائه عام 2012، بعد الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، وعادت معه سياسات تاريخيّة، لتتربّص باللاجئين الفلسطينيين مجدداً في جمهورية مصر.

تستعيد الباحثة بيسان تلك السياسات، التي كانت تطال أيّ شاب فلسطيني سواء كان يحمل وثيقة سفر اللاجئين الصادرة عن مصر، أو من أبناء قطاع غزّة أو الضفة الغربيّة ويقيم على الأراضي المصريّة، لمجّرد الشك في ولائه او انتمائه لأيّ نشاط سياسي أو اجتماعي، وحتّى ثقافي أو فنّي، فالجميع عرضة للترحيل القسري، والأسباب دائماً أمنيّة، ولم يكن يعرف ما هي تلك السياسات الأمنيّة، ولم يكن يحصل أيّ نوع من المحاكمة، حسبما قالت.

حقبة التسعينيات، شهدت العديد من الترحيلات وفق "قانون الطوارئ" لمجرّد الاشتباه، ودون توضيحات للأسباب وفق عدوان، إلّا أنّ تغييرات قد حصلت في منتصف الحقبة، أتاحت للحكومة المصريّة التخلّص من العديد من الشبّان الفلسطينيين على أراضيها، حيث تشكّلت الأجهزة الأمنيّة والشرطية الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية التي تأسست إثر اتفاق أوسلو عام 1994، والتي استوعبت نحو 30 ألفاً من الشبان الفلسطينيين بين سن 18 إلى سنّ 40، وجرى تدريبهم في المعسكرات المصريّة.

وتشير الباحثة الفلسطينية، إلى أنّ حقبة "الألفينيات" ، خفّت فيها وتيرة الترحيلات القسريّة والاعتقالات بحق الفلسطينيين على الأراضي المصريّة، لكنّها لم تنعدم بشكل كامل، وتُرجع الأمر لاندلاع انتفاضة الأقصى سنة 2000، وحاجة السلطات المصريّة لزخم شعبي تضامني، حتّى عام 2005، وهو عام صعود حركة حماس على رأس السلطة في قطاع غزّة.

وتوضح عدون، أنّ حادثة اقتحام الحدود المصريّة من قبل أبناء القطاع باتجاه العريش، خلّف حالة أمنيّة، اندفعت خلالها السلطات المصريّة، للتعامل مع الأمر من خلال السماح لمن وصلوا إلى منطقة العريش بالبقاء فيها لمدّة 3 أيّام، مع التشدد في منعهم من الوصول إلى الإسماعيليّة أو العمق باتجاه القاهرة وسواها، وجرى حينها القبض على العديد من الفلسطينيين الذين دخلوا العمق المصري وإعادتهم إلى قطاع غزّة، وفق عدوان التي وضعت الأمر خارج إطار الترحيل، وذلك لكونهم من حملة جوازات سفر السلطة الفلسطينية ولسوا من اللاجئين في مصر.

وتلفت عدوان، إلى حالة من التشدد الكبير في السنوات الأخيرة، قد طبعت سلوك النظام المصري تجاه الفلسطينيين، حيث بدأت منذ العام 2018، تبرز حالات تسويف من قبل السلطات المصريّة في منح الإقامة وفق تعبيرها، وخصوصاً للقادمين من قطّاع غزّة، وحتّى أولئك الحاصلين على تأشيرة دخول إلى دولة أخرى كتركيا مثلاً، لم يعد يُسمح لهم بالعبور عبر مصر من القطاع، وجرى ترحيل العديد من الغزّيين عن الأراضي المصريّة.
 

عدوان تسرد تفاصيل ترحيلها   

وبعد تنفيذه أوائل آذار/ مارس الفائت، أصدرت الكاتبة والباحثة وصاحبة دار ابن رشد للطباعة والنشر بيسان عدوان، بياناً سردت فيه تفاصيل ترحيلها القسري، الذي جرى رغم اعتباريتها القانونية في مصر، كلاجئة مهجّرة عن أراضيها المحتلّة عام 1967، و حاصلة على وثيقة سفر اللاجئين فئة "هاء" الصادرة عن وزارة الداخليّة المصريّة، إلّا أنّها لا تخوّلها دخول البلاد، إلّا بتصريح من وزير الداخليّة المصري، وذلك رغم تعهّد الحكومة المصريّة منذ الخمسينيات والستينيات، بمعاملة اللاجئ الفلسطيني معاملة المواطن المصري، وضربت كل تعهداتها عرض الحائط كما بيّنت عدوان خلال حديثها السابق أعلاه.

وقالت عدوان في بيانها الصادر عقب ترحيلها:" بعد ثمانية شهور في انتظار الحصول على الإقامة في مصر كما هو المعتاد، توجهت إلى مصلحة الجوازات والهجرة الجديدة في حي العباسية، يوم 22 فبراير (شباط) 2020، وفي أجواء مريبة تم اقتيادي للمثول أمام أحد الضباط في مكتبه بالطابق الأرضي، لرؤيتي، حيث قام بالاطلاع على وثيقة السفر المصرية الخاصة بي، وتحمل فئة "هاء"، رقم (P0014377)، ثم بعد تفحص أوراقي الثبوتية أمر الموظف المختص باستكمال "المطلوب".

وتابعت: "وحين بدأت استئناف الإجراءات، مدد إقامتي لستة شهور فقط، رغم أنني كنت أطالب بثلاث سنوات، كوني مستثمرة في مصر، وأملك نصف شركة أفيروس_ ابن رشد للنشر والطباعة وتجارة الكتب"، ومسجلة في وزارة الاستثمار برقم السجل التجاري هو (١٢٧٣٧٢)،  ولديّ بطاقة ضريبية برقم (٣٥٦-١٩٥-٧٢٨)، وعضوية الاتحاد الناشرين المصريين رقم 1170، منذ العام 2018، ما يمنحني حق "إقامة ثلاثية" وفقاً للقوانين المصرية، وبعد ذلك، قام الموظف باقتيادي الى الضابط المختص نفسه، ووضع في يدي قيداً حديدياً، في تمام الساعة 11 صباحاً، وحين وصلنا إلى المكتب المختص، نهره الضابط وطلب منه خلع تلك القيود، وقال لي: "لديكِ أمر ترحيل ومغادرة البلاد على الفور، ولدينا أوامر بترحيلك الي سجن الإسماعيلية لحين فتح معبر رفح البري وتسليمك إلى السلطة في غزة ".

رفضت بيسان ترحيلها إلى قطاع غزّة، وامتنعت عن تنفيذ الأمر، وقالت في بيانها:" أخبرت الضابط أنني أريد الخروج إلى أي بلد آخر، نظراً لوجود سلطة حماس التي أعارض منهجها وانتماءها الديني/ السياسي، وأخبرته أن هذا يعرّض حياتي للخطر والتهديد، كما أخبرته أنني اريد التحدث لأهلي ومحامٍ، وسمح لي بذلك، حيث بلغت المحامي خالد علي، وأحد أفراد أسرتي ثم أخذ مني الهاتف، وأغلقه، وأمر بترحيلي الي قسم "الوايلي"، ثم منه لقسم الخليفة".
وأضافت في بيانها " حاول المحامون الاتصال بي، وتم الوصول إليّ في قسم "الوايلي" من قبل المحامي طارق العوضي لاستبيان الامر، لكن الضباط رفضوا أن يطلعوه على أمر الترحيل أو أي اوراق تثبت هذا الأمر، ولحق بي أهلي، وهنا سمحت سلطات القسم لي بالحديث مع المحامي، ورؤية أهلي وأخوتي لخمس دقائق، ثم سجنت في الزنزانة لأسبوع كامل، لحين ترحيلي إلى قسم "الخليفة"، ومنها إلى سجن الإسماعيلية، ثم تم تسليمي إلى السلطات في غزة عبر "عربيات الترحيلات".

وتابعت:" خلال فترة الاحتجاز لم يتم التحقيق معي ولا عرضي على النيابة، ورفضوا أن يطلع حتى المحامي على أية ورقة رسمية بذلك، أو الاطلاع على وثيقة اللاجئين أو أي متعلقات كانت بحوزتي، فيما سمح لأهلي وأصدقائي بإحضار ملابس وغذاء في البداية دون رؤيتي، ورفضوا تواصل السفارة الفلسطينية بي، أو رؤيتي، أو الاطلاع على أي أوامر رسمية بخصوص قرار ترحيلي".

وتضيف:"  أربعة أيام سمحوا لأسرتي برؤيتي بعد طلب المحامي طارق العوضي، وهو الذي أخبرني أن هناك أمر بترحيلي، ومنعي من دخول مصر، وأنهم يقومون بتحويل وجهة الترحيلات إلى ماليزيا التي لا تحتاج إلى تأشيرة دخول (فيزا)، بل تطلب مبلغاً مالياً يقدر بحوالي ألفي دولار أميركي، أو تركيا التي تسمح للفلسطينيين بدخولها عبر تأشيرة دخول (فيزا)، لكن لحاملي جوازات صادرة عن السلطة الفلسطينية، وتم استخراجه بالتنسيق مع السفارة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية في رام الله".

تواصل بيسان سردها:" حصلت على الفيزا، وتم إحضار الأوراق الرسمية إلى حيث أنا في "سجن الترحيلات"، وذلك في صباح يوم السبت 29 فبراير(شباط) 2020، فيما كان الحجز إلى إسطنبول بتاريخ الأول من مارس (آذار) 2020، وكان وقتها قد صدر أمر بترحيلي إلى "قسم الخليفة" مساء السبت، ثم الى مطار القاهرة صباح الاحد، لكن تدخلات كثيرة جعلت الترحيل مباشراً من قسم "الوايلي" إلى مطار القاهرة، وتم ذلك في تمام السادسة مساءً، حيث تم تسليمي إلى "ترحيلات المطار"، واحتجازي لحين موعد إقلاع الطائرة، بل لم يسمحوا لأحد برؤيتي أو توديعي، باستثناء مندوب السفارة الفلسطينية، لتسليمي بعض الملابس والأوراق الخاصة بي في الساعة الواحدة من صباح الاحد".

وتشير بيسان، إلى تعنّت السلطات طوال هذا الوقت، بالسماح لأي كان بالاطلاع على الأوراق الخاصة بقرار الترحيل والمنع من العودة، "وفي تمام الساعة الثانية عشرة تم تسليمي لمسؤولي الطائرة، و لم يسمح لأيّ كان بالإطلاع على الأوامر الخاصة بترحيلي، وبينهم المحامون، كما لم يقوموا بختم جواز السفر بختم الترحيل، ولا بختم المنع من الدخول إلى مصر" وفق ما ختمت بيانها.

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد