أبو ستة: لا يجوز إسقاط حق العودة أو الإنابة والتمثيل فيه

الأحد 12 يوليو 2020
خاص/ بوابة اللاجئين الفلسطينيين

لا يوجد في التاريخ الحديث جريمة توازي جريمة تهجير الفلسطينيين من ديارهم عام 1948م على أيدي اليهود الصهاينة، لقد هاجمت أقلية أجنبية مستوطنة الأكثرية الوطنية وطردتها من ديارها و حاولت محو آثارها بعد أن دمرت نحو531 قرية فلسطينية وهجرت 800 ألف فلسطيني، توزعوا على 58 مخيماً في الضفة المحتلة والقطاع، وسوريا ولبنان والأردن بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وأفضت لنشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين.

رغم مرور أكثر من 72 عاماً على النكبة لا تزال حقوق الشعب الفلسطيني بالعودة وتقرير مصيره غير قابلة للتحقيق رغم تهافت الجانب الرسمي الفلسطيني اتجاه خيار المفاوضات وحل الدولتين منذ توقيع اتفاق أوسلو في ظل اختلال موازين القوى الدولي، وانحياز الإدارة الأمريكية الحالية للاحتلال.

تستمر سلطات الاحتلال في مشاريع التهجير والتوسع، اذ تعتزم  حالياً ضم أكثر من 30% من أرض الضفة الغربية ورغم أن هذا يقوض الحديث عن "سلام" مزعوم، وينهي الرهان الواهم على حل يقوم على دولتين تكتفي القيادة الفلسطينية والفصائ بالندب والشجب دون الذهاب لحوار وطني يصيغ برنامجاً عملياً وجاداً لمواجهة صفقة القرن.

 يستضيف موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" المؤرخ الفلسطيني الدكتور سلمان أبو ستة عضو المجلس الوطني الفلسطيني بين عامي 1974 و 1993، والذي عمل سابقاً منسقاً عاماً لمؤتمر حق العودة، وترأس لجنة اللاجئين والأونروا في هيئة التعاون الفلسطينية في جنيف، ويشغل حالياً  منصب رئيس الهيئة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، من أجل الحديث عن المساعي الصهيو- أمريكية لإنهاء قضية اللاجئين وتصفية وكالة "أونروا" وتحليل نهح القيادة الرسمية الفلسطينية في التعاطي ملف اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم منذ بدء مسار أوسلو.

تخصص الدكتور أبو ستة في توثيق النكبة وموضوع اللاجئين الفلسطينيين وقد وضع أكثر من 300 بحث وستة كتب تتعلق باللاجئين وحق العودة، ومن أهم إنجازاته “أطلس فلسطين” الذي جمع العديد من الوثائق النادرة والمتخصصة في القضية الفلسطينية المسندة بالحجج والدلائل القانونية والبراهين على فلسطينية فلسطين، وحق العودة الذي لا يموت بالتقادم، وقد استغرق تجميع وتبويب وترتيب الأطلس أكثر من عشرين سنة ويحتوي على معلومات مفصلة عن نحو 1600 مدينة وقرية فلسطينية و5 آلاف مكان في فلسطين التاريخية.

هذا نص الحوار مع د. سلمان أبو ستة والذي أجري عبر تطبيق سكاي بي

كيف تقيّم إعلان السلطة حل اتفاقيات التسوية مع الاحتلال، هل الرد كاف برأيكم على صفقة القرن و مشاريع الاحتلال

لا توجد اتفاقية سياسية دائمة، بل حقوق دائمة، وتوقيع الاتفاقية أو أي اتفاقية هي عمل سياسي ليس معتمداً على قواعد القانون الدولي.

حَصَر اتفاق أوسلو القضية في دولة على حدود الأراضي المحتلة عام 1967، وهذا أمر معيب من عدة  جوانب إذ لا يجوز لأي قيادة فلسطينية التخلي عن أي جزء من تراب الوطن، وأن شروط الاتفاقية مخلخلة في كثير من النواحي الإجرائية (حتى لو قبلت كمبدأ) لأن الفريق الفلسطيني لم يحمل خرائط ولم يدرس القانون الدولي، عدا عن أن تعبير حدود 1967 خطأ، لأن المفروض هو خط الهدنة لعام 1949 لأن "إسرائيل" تخطته باحتلال مساحات أخرى، أما قول القيادة الفلسطينية الآن: إنها في حل من اتفاقيات أوسلو فهذا غير كاف وليس سليماً سياسياً أو قانونياً، وهذا خطأ شنيع.

يجب العودة دائماً إلى جذور المشكلة وهو احتلال "إسرائيل"  لفلسطين وتشريد أهلها. قد يقول قائل: هذا صعب جداً، ولكن الأصعب منه هو قبول سلسلة لا تنتهي من مخالفات الاحتلال، وهذا لن يؤدي إلى حل، بل استمرار جرائم "اسرائيل".

هناك مشكلة تاريخية في معالجة جرائم "إسرائيل" ومخالفتها المستمرة للقانون الدولي. منذ عام 1948 و"إسرائيل"  تنقل موضوع النزاع من محطة إلى أخرى.

بدأت بنفي مسؤوليتها عن عودة اللاجئين باعتبارها مشكلة عربية، ثم دار النقاش حول مشكلة العائدين الذين تسميهم إسرائيل (المتسللين) ثم موضوع الفدائيين، ثم العدوان الثلاثي عام 1956 ثم تحويل مياه نهر الأردن، ثم حرب 1967 وصولاً لمشاريع الحكم الذاتي، ثم أوسلو، ثم خدعة الملفات الستة المؤجلة لمفاوضات الوضع النهائي مثل اللاجئين والقدس والمستوطنات والمياه والحدود الخ.

 وفي الواقع لا يوجد إلا ملف واحد، وهو إزالة الاحتلال من جذوره إذ جاءت الانتفاضات الفلسطينية رداً على تلك السياسات، لكننا الآن أمام وضع مختلف في ظل اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل وضم الجولان و أجزاء جديدة من الضفة الغربية.

وفي كل هذه الأحوال تشغل "إسرائيل" العالم بآخر قضية وهي ضم أجزاء من الضفة، وبذلك يقبل العالم ضمنا بمن فيهم العرب بمخالفات "إسرائيل" السابقة. يجب العودة دائماً إلى جذور المشكلة وهو احتلال "إسرائيل" لفلسطين وتشريد أهلها. قد يقول قائل: هذا صعب جداً  ولكن الأصعب منه هو قبول سلسلة لا تنتهي من جرائم الاحتلال.

وافقت القيادة الفلسطينية على إيجاد "حل عادل لقضية اللاجئين" بينما يرى الاحتلال ان أي أساس لحل قضية اللاجئين هو " إنساني"  حتى نفت صفقة القرن حقهم بتاتاً في العودة والتعويض، والحجة عدم وجود أى سجلات تثبت تلك الحقوق؟ ما رأيكم؟

تحاول إسرائيل أن تتلاعب بهذه التعريفات لكي تقلل عدد اللاجئين، فمثلاً تدعي أحياناً أن اللاجئين هم فقط سكان المخيمات أي حوالي مليون شخص، وهذا خطأ واضح، أو تدّعي أن اللاجئين هم فقط الذين ولدوا قبل 1948 وتقدر عددهم بخمسين ألفاً فقط، في حين أن العدد الحقيقي 800 ألف.

علي سبيل المثال، تقترح إسرائيل "تعويض" اللاجئين من باب الإنسانية وليس من باب المسؤولية القانونية، والمطالع لخطة إسرائيل في التعويض يدرك تماماً أن هذه واحدة من الخدع الإسرائيلية التي تلجأ إليها كالعادة.

حيث تقدر "إسرائيل" قيمة الأملاك الفلسطينية بما يعادل 2% من قيمتها الحقيقية. وهذا مردود عليه، ففي فترة الانتداب البريطاني، امتلكت الجماعات اليهودية 5% من فلسطين، وعندما أعلن ديفيد بن غوريون قيام "دولته"، كان يسيطر على 13% من فلسطين فقط، وقد ارتكبت العصابات الصهيونية أكثر من 80 مذبحة في هذه الفترة. استمر الغزو الإسرائيلي، وقامت "إسرائيل" باحتلال سبعة آلاف كيلو متر في الجنوب بعد أن وقعت اتفاقية الهدنة مع مصر.

وفي غضون ستة أشهر، احتلت إسرائيل 78% من مساحة فلسطين، وأقيمت "دولة" الاحتلال على أرض كان 93% منها فلسطينياً بعد أكثر من 155 مذبحة ارتكبها العصابات والمليشيات الصهيونية، وبعد تدمير 675 بلدة وذبح وطرد سكانها، وتهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني.

والخرافة الأخرى التي تدعيها "إسرائيل" أن الحدود والأملاك ضاعت ويصعب تحديدها.. وهذا هراء، إذ لا توجد بلاد في الشرق العربي أكثر دراسة وتخطيطاً من فلسطين.

الخرائط البريطانية في فترة الانتداب شملت كل المدن والقرى بتفصيل دقيق، والسجلات البريطانية ساعدت "جارفيس" خبير الأمم المتحدة على تسجيل ملكية نصف مليون مالك، كما أن الخرائط البريطانية نفسها أصبحت أساساً لخرائط "إسرائيل" التي رصدت عليها كل تغيير حدث لفلسطين منذ عام 1948، وتحتفظ " إدارة أراضي إسرائيل" بسجلات الأملاك القديمة وتسجل ما حدث لها من تأجير واستغلال، وبموجب هذا تؤجر الأراضي للكيبوتس والموشاف.

وتدعي أنها لا تملك المال اللازم لذلك فهي تطلب من أوروبا وأميركا وربما بعض الدول العربية إنشاء صندوق دولي للتعويض. 

ورغم أنها لن تدفع شيئاً يذكر فإن "إسرائيل" تصر على أن تكون صاحبة القرار فيمن يستحق التعويض وقيمته، وتؤكد على أهمية المرحلية بمعنى أنه عند دفع أول مليون دولار يجب هدم مخيم للاجئين وشطب قائمة من أسمائهم وإغلاق وحل مكاتب "أونروا" في هذا المكان، ولا يتم دفع المليون الثاني قبل تنفيذ ذلك بحيث لا يبقى للاجئين أي أثر عند دفع آخر مبلغ.

كما تطلب "إسرائيل" من السلطة إجبار اللاجئين على قبول هذا الحل، وتكون السلطة مسؤولة عن أي مطالب لهم، ثم تحدد فترة معينة للاجئين يسقط بعدها حقهم في أي مطالبة إن تأخروا أو لم يتقدموا بأي مطالبات.

•       كيف يمكن استعادة دور الشتات ؟ هل يمكن بناء منظمة التحرير أم مطلوب تجاوزها والذهاب لانتخاب وبناء مرجعية جديدة في ظل هيمنة السلطة على مؤسساتها.

إن المنظمة الآن ليست ممثلاً للشعب الفلسطيني بل تمثيلها نابع من أن المجلس الوطني هو الذي يمثل شعبنا، وهو الذي يختار أعضاء منه للتفرغ لهذا العمل. لذا يجب أولا استعادة دور المجلس الوطني الفلسطيني الذي يمثل شعبنا وليس منظمة التحرير، وإن اتفاقية أوسلو أخطر من وعد بلفور، فهي من قوضت أركان الكيان الفلسطيني، وهمشت المنظمة، وجعلتها مرتهنة للاحتلال الإسرائيلي وسياساته ومن أجل ذلك يجب إعادة ترتيب الوضع الوطني وإعادة الاعتبار للمؤسسة الوطنية وكنت قد اقترحت منذ أيار/مايو الماضي خطوات عملية من أجل ذلك وهي كالأتي:  المطالبة بحق شعبنا في التمثيل الكامل لكافة أبناء الشعب الفلسطيني في مجلس وطني جديد منتخب، والتمسك بالميثاق الوطني، ورفض تمثيل أي جهة لا تلتزم بهذا الميثاق عبر الرسائل والبيانات توجه للمجلس الحالي ولشعبنا، وتشكيل جمعيات وتعاونيات في أي مكان وتسميتها وتفعيلها لخلق أكبر عدد تكتل من أبناء شعبنا لإحداث حالة وزن وتأثير.

 الفكرة هو خلق مجموعة كبيرة من الشعب الفلسطيني تتكتل حتى صبح كتلة وازنة كبيرة لا يستطع أحد أن ينكرها أو يتجاوزها.

الشعب الفلسطيني هو من يقرر طبيعة انتخابات المجلس الوطني بعيداً عن الكوتة، ويمكن دراسة فكرة إصدار قانون يمنح صلاحيات المشاركة في الانتخابات لأقل من 50 عام.

ومن الضروري مشاركة الشباب الذين يكونون 70% من ِالشعب الفلسطيني، وتكوين مجموعة حراك شعبي من 300 شخص غرضها الضغط لتمثيل الشعب في انتخابات ديموغرافية

وأحب أن أذكر القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بأن وجودنا بالأمم المتحدة لم يأتِ بالاستعطاف ولا المفاوضات ولا الاتفاقيات بل بالكفاح المسلح، مشدداً أنه بدون صمود الشعب الفلسطيني وبدون الكفاح المسلح والقانوني والمعنوي والثقافي والجغرافي والاقتصادي لا يمكن أن نصل إلى أهدافنا.

ماهو الفرق بين الحقوق الثابتة والحل العادل؟ ولماذا يجري الخلط بين حق العودة والتعويض؟ أو المفاضلة بينهما؟

فيما يتعلق بحق العودة فهو حق فردي بموجب التشريعات كلها و لا تجوز فيه الإنابة أو التمثيل، ولا يمكن إسقاطه في أي اتفاق أو معاهدة.

كما أن حق العودة حق جماعي بموجب حق تقرير المصير الذي أكدت عليه الأمم المتحدة عام 1974 في أقوى بيان جامع للحقوق الفلسطينية وأسمته "الحقوق غير القابلة للتصرف"، ولذلك فهي لا تسقط في حالة إبرام معاهدة "سلام".

وبالطبع فإن اتفاق المبادئ في أوسلو ليس له أي قيمة قانونية لإسقاط الحقوق "غير القابلة للتصرف".

 كلمة "الحل العادل" هي خدعة للمفاوضات على الحقوق الثابتة وهذا لا يجوز، لقد حدد القانون الدولي الحقوق غير القابلة للتصرف ولا يجوز العبث بها. 

  يجب ألا يخلط أحد بين العودة والتعويض فليس أحدهما بديلاً عن الآخر، واللاجئون يستحقون حق العودة والتعويض أيضاً. ومنعاً لهذا الالتباس فإن حق العودة واجب النفاذ أولاً وبعده يتم التعويض.

وعكس ما تطرحه "إسرائيل" فإن واجب دفع قيمة التعويض يقع على "إسرائيل" نفسها وليس على صندوق دولي، وهو ما أكده نفس القرار 194،  ثم إن قيمة التعويض ليس ما تفرضه "إسرائيل"، بل يتم حسابه بموجب الأعراف الدولية والمحاسبية، كما لا يجوز تسليم التعويض إلى حكومة أو سلطة بل هو حق فردي لكل شخص متضرر ولا تجوز فيه النيابة، وعكس ما تدعي "إسرائيل" فإنه لا يسقط بمرور الوقت ولذلك لا يجوز تحديد مدة معينة للمطالبة به.

ما هو تعريف اللاجئ ، ومن يمكن أن يطلق عليه لاجئ، في ظل الاستهداف الصهيو- أمريكي لهذا التعريف، ومحاولات تكريس مفهوم جديد لتعريف اللاجئ الفلسطيني؟

اللاجئ هو كل فلسطيني (غير يهودي) طرد من محل إقامته الطبيعية في فلسطين عام 1948 أو بعدها، أو خرج منها لأي سبب كان ولم تسمح له "إسرائيل" بالعودة إلى موطنه السابق، ويبقى اللاجئ محتفظاً بهذه الصفة إلى أن يعود هو أو نسله إلى موطنه الأصلي.

وهذا معناه أن العودة إلى أرض فلسطين حتى لو كانت تلك الأرض دولة فلسطينية لا تسقط عنه صفة اللاجئ قانوناً ووجداناً وفعلاً ما دام اللاجئ لم يعد إلى موطنه الأصلي الذي كان يقطنه هو أو آبائه وأجداده عام 1948، وبالطبع فإن التوطين في أي بلد عربي -بما في ذلك دولة فلسطين لو قامت- لا يلغي صفة اللاجئ.

وحتى لو كان الشخص مقيماً في فلسطين 1948 (إسرائيل) وأصبح يحمل الجنسية  الإسرائيلية ولكنه مُنع من العودة إلى قريته الأصلية فهو لاجئ.

 ويوجد اليوم في إسرائيل 250 ألف لاجئ داخلي -أي حوالي ربع الفلسطينيين في "إسرائيل"- كلهم منعوا من العودة إلى قراهم الأصلية.

 ومثال قرية إقرث وبرعم معروف، فأهل هاتين القريتين طردوا من موطنهم في نوفمبر/ تشرين الثاني 1948 ووعدوا بالعودة خلال أسبوعين، ولم يعودوا حتى الآن بعد 72 سنة رغم صدور حكم لصالحهم من المحكمة العليا الإسرائيلية.

هذا التعريف للاجئ يطابق القانون الدولي الذي على أساسه صدر قرار الأمم المتحدة رقم 194 الشهير القاضي بحق اللاجئين في العودة، إذ جاء في المذكرة التفسيرية للقرار أن العودة تكون للموطن (البيت أو المنزل أو الحقل) نفسه الذي خرج أو أخرج منه وليس إلى الوطن بمعناه العام.

وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة "الأونروا" استعملت تعريفاً آخر، إذ أضافت إلى التعريف السابق "والذي فقد مصدر رزقه أو يحتاج إلى معونة"، وذلك لأن الغرض من الوكالة كان غوث اللاجئين بإطعامهم وتعليمهم ورعايتهم الصحية. ونلاحظ أن عدد اللاجئين المسجلين لدى الوكالة هو ستة  ملايين ونصف، كما يوجد 2 مليون فلسطيني  لاجئ غير مسجل.

على ذكر وكالة "أونروا" رغم تصويت الأمم المتحدة بأغلبية لتجديد تفويضها تواجه الوكالة اليوم أسوأ أزمة مالية منذ نشأتها، في ظل المحاولات الأمريكية لتجفيف مصادر تمويلها وإنهاء عملها؟ هل يمكن حدوث ذلك خاصة أن هناك سابقة تجميد عمل لجنة التوفيق الدولية UNCCP التي كانت معنية بأملاك الفلسطينيين وممتلكاتهم؟

كان تقرير الكونت فولك برنادوت Count Folke Bernadotte، وسيط الأمم المتحدة في فلسطين الذي اغتالته الجماعة اليهودية حجر زاوية في قرار الأمم المتحدة الشهير رقم 194. الذي أكد عليه المجتمع الدولي لأكثر من 130 مرة، وأكثر من أي قرار آخر في تاريخ الأمم المتحده كله، يضم ثلاثة مكونات رئيسية:

1-      إنه يدعو إلى عودة اللاجئين وإلى تعويضهم.

2-      إنه يدعو إلى إغاثتهم ومساعدتهم حتى تتم إعادتهم إلى وطنهم.

3-      إنه يخلق الآلية لتطبيق القرار، لجنة الأمم المتحدة للتوفيق في فلسطين، UNCCP.

لم يكن القرار 194 هو العمود المركزي للقانون الدولي فحسب، وإنما ظل يشكل، على مر السنين، المطلب الرئيسي الذي يطالب اللاجئون بتطبيقه.

على التوازي ، وخلال سنة التأسيس ومع الدور الذي تقوم به وكالة "الأونروا" مارست لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين هي الأخرى دورها بالعمل على إعداد آليات عمل تطبيقية لعودة اللاجئين الفلسطينيين الى بيوتهم واستعادة ممتلكاتهم وتعويضهم وتوفير الحماية القانونية والإنسانية والجسدية لهم، بمن فيهم المهجرون الفلسطينيون داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وهذا ما أشارت إليه ديباجة قرار تأسيس الوكالة رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة بالإضافة إلى الفقرة الخامسة والفقرة العشرين التي أشارت إلى تطبيق ما جاء في القرار، ولاحقاً أيضاً صدر عن مجلس الأمن الدولي القرار رقم 237 بتاريخ 14/6/1967 والذي يشير إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من بيوتهم بعد احتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967 إلى بيوتهم، وتم ضمهم إلى سجلات "الأونروا".

أهم شي أن "أونروا" احتفظت  بسجل ثمين لكل لاجئ: اسمه، وقريته الأصلية، أفراد عائلته، ومكان نفيه.

وتنص المادة 20 من القرار 302 لتأسيس ولاية "الأونروا" على الآتي "تحث الأمم المتحدة الأونروا على التشاور مع لجنة التوفيق في فلسطين، التابعة للأمم المتحدة UNCCP من أجل تحقيق أفضل مصلحة لإنجاز مهمتها، مع إحالة مخصوصة إلى المادة 11 من القرار 194". أي الحفاظ على هوية الفلسطينيين وحماية حقوق اللاجئين في العودة إلى بيوتهم الأصلية.

بعد صدور القرار 194، بدأت مفاوضات لجنة التوفيق في فلسطين التابعة للأمم المتحدة UNCCP في لوزان، واستمرت تلك المفاوضات منذ شهر كانون الأول/ يناير وحتى شهر أيار / مايو 1949.

 وبتوقيع بروتوكول لوزان في 12 أيار/ مايو 1949، وافقت "إسرائيل" أخيراً على خطة التقسيم (القرار رقم 181) وعلى عودة اللاجئين (القرار رقم 194). لكن ذلك كان محض خدعة.

 فتحت التهديد الأميركي، وافقت "إسرائيل"، فقط من أجل إنجاز قبول عضويتها في الأمم المتحدة، وبعد يومين من قبول عضويتها في الأمم المتحدة، قدمت "إسرائيل" شروطاً، كان هدفها الأول إجهاض بروتوكول 12 أيار/ مايو، وفقاً لما قاله ممثلها.

ظل هذا التاريخ حاسماً، حيث استقال المبعوث الأميركي الرئيس "إيثردج" Ethridge، الذي أصر على عودة اللاجئين، مشمئزاً، لكن الموقف الأميركي تغير.

منذئذ، ينحاز إلى الجانب الإسرائيلي، وشرع بالتحدث عن إجراءات "اقتصادية"، وليست سياسية، مثل خطة مارشال القائمة على "مسح كلاپ الاقتصادي" Clapp’s Economic Survey.

وكان الهدف هو إسكان اللاجئين في دول عربية أخرى، وليس في فلسطين.

 وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 1949، تمت الموافقة على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين UNRWA، لتكون خليفة لمنظمات الإغاثة السابقة، ولكن مع فارق واحد: تطبيق توطين اللاجئين بعيداً عن ديارهم. وبعبارات أخرى، أسندت إليها مهمة إدامة التطهير العرقي الذي نفذته "إسرائيل".

 ولم تضيع إسرائيل الوقت من جهتها. فقبل أسابيع فقط من بدء "الانروا"  عملياتها في شهر أيار/ مايو عام 1950، بعدها أعلنت إسرائيل "قانون أملاك الغائبين" الشامل كلياً، والزائف قانونياً بالكامل من أجل اغتصاب ومصادرة كافة أملاك اللاجئين.

·       ما هو الهيكل القانوني لتفعيل مسألة العودة والتعويض؟

أوكد مرة أخرى، إن حق العودة حق مطلق لا يسقط بالتقادم، وليس منحة أو امتيازاً تنتهي صلاحيته، ولا يكون جزءاً قابلاً للتفاوض عليه فى أي معاهدة "سلام".

وتجوز ممارسته في أي وقت، ولا تجوز فيه النيابة أو التمثيل لإسقاطه، وهو حق شخصي لكنه يكون جماعياً تحت مبدأ تقرير المصير، وحق العودة أيضاً مرتبط بحق الانتفاع بالملكية التى لا تسقط بالاحتلال أو بالسيادة على منطقة.

والتعويض ليس بديلاً عن العودة، فكلاهما حقان قابلان للتطبيق، ومبدأ التعويض هو "إرجاع الشيء إلى أصله"، التعويض يشمل الأضرار التي لحقت بالأملاك واستغلالها لمدة 72 عاماً سواء كانت عامة أو خاصة ويشمل المعاناة النفسية للأفراد والشعب، والتعويض 4 بنود هي التعويض المعنوي والمادي للأفراد والجماعة. يضاف إلى ذلك التعويض عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضد السلام، وكلها اقترفتها "اسرائيل".

 هذه الجرائم استثنيت من القرار 194 لأنها تخضع لقانون دولي متكامل ومجرب وله آلية للتنفيذ.

إن كل ما نحتاجه هو إعادة تفعيل (لجنة التوفيق من أجل فلسطين) التابعة للأمم المتحدة، حتى تستأنف واجباتها في إعادة اللاجئين.

 وينبغي القيام بذلك بناء على قرار ملزم من مجلس الأمن وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولما كنا نعرف المشاكل القائمة هناك، في مواجهة "فيتو" أميركي، فإننا ربما نحتاج إلى قرار من الجمعية العامة تحت صيغة "متحدون من أجل السلام".

وبغير ذلك، فإن عضوية إسرائيل المشروطة في الأمم المتحدة يمكن أن تسحب بسبب إخفاقها في الوفاء بشروط عضويتها، وسوف تكون "أونروا" بطبيعة الحال هي الأداة الرئيسية لإعادة اللاجئين. فهي لها تاريخ ثري وكادر مخلص ومؤهل، ومثالي لأداء المهمة.

كما أن حق العودة مكفول بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان المادة /13/ منه التي تقول: كل إنسان له الحق أن يعود إلى بيته ووطنه، وأيضاً حق العودة مرتبط بحق الملكية، وحق الملكية لا يسقط بالتقادم ولا بالسيادة (سيادة دولة جديدة على المكان) ولا بالاحتلال، وليست له مدة زمنية، فهو حق مطلق. فحتى لو قبل المهزوم باتفاقية فإن ذلك لا يسقط حق الملكية.

كذلك إن حق العودة مكفول جماعياً بحق تقرير المصير، وهذا الحق اعترفت به الأمم المتحدة عام 1946، واعتبرت فيه أن حق تقرير المصير هو مبدأ قانوني، وكلمة مبدأ معناها أنه غير قابل للتصرف وليس موضع مفاوضة أو انتقاص منه بأي شيء، وأيضاً هو ليس قراراً سياسياً أو حتى اتفاقاً بالتراضي.

 وحق تقرير المصير هو حق مطلق للشعوب، وفي حالة فلسطين اعتبرت الأمم المتحدة أن هذا الحق هو حق معلق في رقبة الفلسطينيين إلى أن يستطيعوا تنفيذه.

كما أصدرت هيئة الأمم المتحدة قراراً جديداً في تشرين الثاني 1990 يؤكد ما سبق من قرارات، ويقول فيه بالنص: إن اللاجئين لهم الحق في استعادة دخلهم عن أملاكهم طوال مدة الخمسين عاماً، وهذا مذكور وكرر حتى ما بعد أوسلو، وفرض القرار على كل الدول التي لديها معلومات ووثائق أن تظهرها لكي تثبت وتبين هذا الدخل وكيفية حسابه، وهناك بند آخر في التعويض، وهو التعويض عن جرائم الحرب، وجرائم الحرب ثلاثة: جرائم الحرب المباشرة (القتل، التدمير، النهب، التطهير العرقي…). والجرائم ضد السلام (وهي تدبير العدوان وتنفيذه). وجرائم ضد الإنسانية (مثل الاعتقال والطرد وأعمال السخرة).

 ليست هناك قيمة قانونية لأى ادعاءات إسرائيلية وأمريكية، أو أي مفاوضات أو اتفاقيات تناقض ذلك لأن تعريف نص القرار 194 واضح تماماً.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد