مخيّم اليرموك.. عاصمة فلسطينيي سوريا

الجمعة 17 يوليو 2020
بوابة اللاجئين الفلسطينيين

يعتبر مخّيم اليرموك، أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا، داخل الحدود الإداريّة لمدينة دمشق، وضمّ نحو 160 ألف لاجئ مسجّل لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، حتى تاريخ ما قبل اندلاع الثورة في سوريا سنة 2011، وهو ما يعادل نسبة 39.98% من اللاجئين الفلسطينيين في البلاد.

وينحدر سكانه الفلسطينيين من جميع قرى ومدن الجليل والساحل الفلسطيني، جلهم لجأ إلى سوريا إثر النكبة عام 1948، وبعضهم ممن لجؤوا إبان النكسة عام 1967، كما كان يؤوي عائلات فلسطينية غير مسجلة قدمت من الأردن إثر أحداث أيلول الأسود عام 1970.

تأسس المخيّم في عام 1957 على مساحة 2,1 كيلومتر مربع، وشهد مع مرور الزمن تطوراً وازدهاراً عمرانيّاً وتجاريّاً جعله مركز استقطاب سكني للكثير من السوريين.

ضمّ المخيّم الذي لا يُصنّف مخيّماً رسميّاً لدى وكالة "أونروا" عدّة مراكز ومنشآت تابعة للوكالة، وهي ثلاثة مراكز صحيّة، و16 مبنى مدرسي، ومركز للتدريب المهني وآخر للتطوير التربوي، إضافة إلى مركزين لتنمية المجتمع المحلّي.

منذ بدء الأحداث السوريّة في آذار/ مارس عام 2011، بقي مخيّم اليرموك المنطقة الأكثر أماناً في جنوب العاصمة السوريّة، حتّى أواخر العام 2012، ما جعله في تلك الفترة مقصداً للكثير من النازحين عن المناطق المحاذيّة جرّاء تعرضها للعمليات الحربيّة.

واستقبل المخيّم في مدارسه ومساجده وعدد من البيوت التي قدمت للنازحين أو المستأجرة من قبلهم حوالي (300) ألف نسمة على دفعات، وذلك من نهاية عام 2011 وحتى نهاية عام 2012، وكان هناك عشرة مراكز إيواء افتتحت لإيواء النازحين من المدنيين من مختلف المناطق المجاورة، إذ قارب العدد في كل منها (1500) شخصاً، وعملت أكثر من ست مؤسسات وجمعيات وهيئات إغاثية داخل المخيّم على تقديم مختلف الخدمات لهم ورعايتهم.

وخلال تلك الفترة، ورغم أنّ المخيّم لم يشهد عمليات مباشرة على أراضيه، إلّا أنّه تعرّض لبعض الانتهاكات، كسقوط قذائف هاون بين الفينة والأخرى، ما تسبب بوقوع ضحايا جراء هذا الاستهداف، وكان أكثرها وقعاً ما عرف بـ"مجزرة حي الجاعونة" بتاريخ 2/8/2012 وقد خلف القصف بقذائف الهاون (19) ضحية من أبناء الحي.

تكرّس تاريخ 16 كانون الثاني 2012، كنقطة تحوّل في حياة مخيّم اليرموك، حين قصفت طائرة من طراز "ميغ" تابعة للنظام السوري، مسجد عبد القادر الحسيني ومدرسة الفالوجة التابعة لوكالة "أونروا" وسط المخيّم، ما أسفر عن حدوث مجزرة راح ضحيتها 150 شخصاً مدنيّاً بين شهيد وجريح.

في اليوم التالي، شهد المخيّم أكبر موجة نزوح للأهالي، ترافقت مع انتشار شائعات تفيد بعزم قوات النظام اقتحام المخيّم، خرج إثر ذلك الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين ونزح أيضاً سكان المخيم من السوريين، ولكن بقي داخله آلاف الفلسطينيين المدنيين.

مع بداية 2013، بدأت ملامح الحصار تلوح في الأفق، وذلك من خلال الإجراءات التي اتخذها حاجز القوات السورية واللجان التابعة للجبهة الشعبية-القيادة العامة وفتح الانتفاضة.

شملت هذه الإجراءات منع إدخال المواد الغذائية والطبية والصحية إلا بشكل خفيف. إضافة إلى عمليات التفتيش الدقيقة والتحكم في الدخول والخروج من وإلى المخيم، إلى جانب عمليات الاعتقال (ذكوراً وإناثاً)، وتذكر الإحصائيات غير الرسمية أن عدد المعتقلين الفلسطينيين من أبناء المخيم وصل حينها لما يقارب الـ (500) معتقل في سجون النظام.

ونتيجة للتضييق والحصار 2013، شهد المخيم نقصاً حاداً في الحاجات الأساسية من غذاء ودواء ومحروقات، ونقصاً في الرعاية الصحية والطبية وانعداماً للخدمات من كهرباء وماء واتصالات وسواها.

قضى خلال فترة الحصار، (187) شخصاً من أبناء المخيم جوعاً ومرضاً جلهم من الأطفال والنساء، وارتفع الرقم حتى العام 2016 بسبب استمرار الحصار إلى (192).

في الأول من نيسان/إبريل 2015، اقتحمت عناصر من تنظيم "داعش" في الحجر الأسود مخيم اليرموك، وذلك بعد معارك خاضها ضد الفصائل التي كانت تسيطر على المخيّم  ومنها "أكناف بيت المقدس" وهي مجموعة مسلحة فلسطينية كانت تسيطر على اليرموك قبل دخول التنظيم المتطّرف.

وفور وصول التنظيم، بدأ بحملات ترويع للأهالي فتم خطف العشرات من المدنيين، إلى جانب دوره بعدد من عمليات الإعدام والاغتيال إضافة إلى فرض حظر تجول على السكان، أدّى إلى حرمان اللاجئين من الحصول على الماء والطعام والرعاية الصحيّة.

ونتج عن احتلال "داعش" للمخيّم نزوح حوالي 9 آلاف من السكان إلى يلدا وببيلا وبيت سحم المجاورة حيث أقام الكثيرون منهم في مراكز إيواء جماعية. ولم يتبقَ في المخيم في ذلك الحين إلا (2500) عائلة.

استمرّ احتلال تنظيم داعش لمخيّم اليرموك، إلى أنّ بدأت عمليات عسكريّة موسعّة من قبل جيش النظام السوري والفصائل الفلسطينية الموالية له بدعم جوي روسي، عصر الخميس 19 نيسان/إبريل، لفرض سيطرتها على المخيّم، مستهلّة ذلك بقصف جوي وبري مكثّف.

واستمرّت الحملة العسكريّة التي كان مُعلنها" القضاء على تنظيم داعش" لمدّة شهرين، تخللها إسقاط آلاف الصواريخ والبراميل المتفجّرة جوّاً وأرضاً، على مخيّم اليرموك، ودمّرت قرابة 80% من أبنيته، وأتت على بناه التحتيّة، في مشهديّة تدمير، قال عنها مراقبون أنّها غير مبررة بأيّ فقه عسكريّ، ولا انضباطيّة حرفيّة في معالجات حرب المدن.

انتهت العمليات الحربيّة، في أيّار/ مايو 2018 الفائت، وكشفت عن تدميرٍ شبه كامل للمخيّم في عمرانه وبناه التحتيّة، دون سقوط عدد يذكر من مسلحي تنظيم "داعش" الذين استطاعوا الخروج من المخيّم عبر حافلات، إثر تسوية أُبرمت مع النظام.

كما شهد مخيّم اليرموك بعد دخول قوات النظام وحلفائه، عمليات سلب ونهب منظّمة لممتلكات الأهالي ومقتنياتهم في المخيم، حتّى طالت شبكات المياه والصرف الصحّي والتمديدات الكهربائيّة وكل ما يمت للبنى التحتية والخدميّة، إضافة إلى إكساء المنازل من تمديدات كهربائية وصحيّة وبلاط، حتّى طال الحديد الذي انتزع من أسقف الأبنية وجدرانها.

ومنذ ذلك الحين، يعيش غالبيّة سكّان المخيّم في حالة نزوح داخلية، حيث أنّ الوصول إليه "ما يزال محدوداً ومستوى الدمار ما يزال كبيراً "وفق ما أوردت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في تقرير النداء الطارئ الصادر عنها للعام 2020، وتوقعت أن يظل أغلب سكّانه الذين كان عددهم 160 ألف نسمة في حالة تهجير يضطرون في الكثير من الأحيان إلى دفع إيجارات منازل مرتفعة.

وبعد إطلاق العديد من الوعود من قبل جهات حكوميّة سوريّة وفصائلية فلسطينية، بقرب إعادة الإعمار وعودة أهالي المخيّم، أعلنت محافظة دمشق يوم 25 حزيران/ يونيو 2020، تسلّمها المخطط التنظيمي لـ"منطقة اليرموك" من قبل من قبل الشركة العامة للدراسات الهندسية، بمراحله الثلاث ويتضمّن إعادة تنظيم شاملة للمنطقة الأكثر تضررا، إضافة إلى تخديم المناطق الأقل ضررا بما يسهم بإعادة أكثر من ٤٠% من الأهالي فقط.

في حين سيجري وفق المخطط، إعادة تنظيم شاملة وجذريّة للمنطقة الأكثر ضرراً، حيث سيتضمّن إعادة إعمارها، تشييد أبراج بارتفاع 13 طابقاً، إضافة إلى كتل سكنية من أبنية ارتفاعها من 6 إلى 8 طوابق، لن يُمنح سكّان المنطقة المشمولة في التنظيم أيّة بدائل سكنيّة، إنّما أسهم تنظيمية وفق المرسوم التشريعي رقم 2 لعام 1982، حسبما أعلن مدير الدراسات الفنيّة في محافظة دمشق معمر دكاك، خلال جلسة لمجلس المحافظة في 7 تموز/ يوليو 2020.

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد