خلف جدرانِ البيوت وبين الأزقة الضيّقة في مُخيّمات قطاع غزة، تختبئ قصص مؤلمة عن عنفٍ يمُارس بحق النساء، بعضها يُكشف حين تستطيع الضحيّة الصراخ بأعلى صوتها في وجه هذه المنظومة المجتمعيّة، وبعضها ما يزال مجهولاً، وسط مطالباتٌ عديدة خرجت في محطاتٍ مختلفة تطالب بلجم المعتدين كون استمرار هذه الجرائم في المجتمع يشكل خطراً حقيقياً يهدّد النسيج الاجتماعي ويصيبه بالتفكك وانعدام الأمن والأمان.

تقول إحدى السيّدات المعنّفات من اللاجئات الفلسطينيات في غزّة لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إنّها منذ طفولتها تواجه مشاكل مع إخوانها الذين اعتادوا ضربها وإيذاءا نفسياً وجسدياً منذ أن كانت طفلة في العاشرة، إلى أن زوجوها برجل يكبر ها بـ26 سنة، فظنت انها ستخلص من عذاب إخوانها بزواها، إلا أن معاملة الزوج لم تكن بأحسن حالاً.

 

"راح أرفع البلاط وأدفنِك"

تتحدث عن تفاصيل الاعتداء عليها من قبل زوجها : " ما عشت معه كويس كان برضه نفس الاشي يضربني في راسي أكثر شيء يخنقني.. يعني كان مرة بده يموتني فحكالي رح أرفع البلاط وأدفنك تحته وأتصل أهلك أحكيلهم إنك طلعتي من البيت ما رجعتي".

وتُكمل: "رحت رفعت عليه دعوى إني خلص بديش اياه أنا وصار يلي صار.. صار يتهرّب مني إنه انتي اطلبي الطلاق ما دام انتي ما بدك اياني، فيوم ما الي شهر مطلقة إلا هم اخوتي صاروا يحكولي ارجعي روحي انصرفي عنده ايش يلي جابك انتي ما حدا حكالك تيجي وتطلبي الطلاق، أنا حكتلهم أنا ما عايشة معه كويس أنا ما بدي إياه، فأنا وكنت بطرز في الغرفة أجى واحد منهم ضربني وأول اشي ضربني في راسي، وبعدين خبطني في عيني سُفت (أغمي علي) ساعتها".

"رجلٌ" آخر من اخوة هذه الامرأة أمسكها من رقبتها المليئة بالجروح، ليأتي دور الثالث الذي بدأ بضربها متعاوناً مع بقيّة إخوته في ضربها مُؤكّدين لها بوقاحة: "ديتها سنتين ننحبس (نُسجن) ومنطلع يعني.. بدهم يموتوني".

للإشارة فقط، فإنّ هذه اللاجئة الفلسطينية التي روت لنا ما جرى هي واحدةٌ من معنّفات كثيرات، ولا أحد يدري عنهن شيئاً في هذا القطاع.

 

"تأتينا مناظر يُرثى لها"

 في هذا السياق، قالت المقدّم مريم البرش وهي مدير قسم الأسرة والطفولة في جهاز الشرطة بقطاع غزّة لموقعنا: "كثير أجتنا قضايا بتكون يعني مسكّر عليها محبوسة في غرفة وأهلها ببتزوها، أخوها، أو زوجها ومش قادرة تصل إلنا يعني أغلب الأحيان بيجينا قضايا يا بنروح نلاقيها يعني مناظر يُرثى لها فيتم التعامل معها أيضاً وإنزال العقوبة على الجاني".

8-1.png

كذلك أكَّدت المقدم البرش، أنّه "يتم حماية بعض الحالات من القتل عن طريق قسم الأسرة والطفولة، وما زلنا في بداية الأمر، ونأمل أن يتطوّر القسم ويكون عدد أكبر، ولهذا اخترنا مندوبين في محافظات قطاع غزة وكل مندوب له رقم خاص ويتم التواصل معه".  

ولفتت إلى أنّهم أعلنوا "عبر مواقع التواصل وعبر الاذاعة وأجرينا لقاءات بشأن لو كان هناك أي أخت أو طفل يتعرّض للعنف يتواصل معنا، ومنذ أن عرضنا الأرقام ونحن نستقبل حالات".

 

"الاحتلال هو السبب"!

أمّا عضو اللجنة الشعبية للاجئين في مُخيّم النصيرات أيمن أبو شاويش، فقال لموقعنا: "أعتقد أن العنف الذي تواجهه المرأة في المُخيّمات الفلسطينية السبب الرئيسي له هو الاحتلال الإسرائيلي نتيجة لواقع شعبنا المأساوي الذي يعيش تحت الاحتلال ويعاني الحصار والبطالة".

8-2.png

ورأى أبو شاويش أنّ "هذا مسبب أساسي لأن تكون المرأة تتعرّض للعنف ولضيق الحياة الأسرية التي نحياها في مجتمعنا الفلسطيني، كان سبب رئيسي من قلة الإمكانيات التي ممكّن أن تدبّر المرأة حياتها المعيشية داخل المُخيّم، فكانت هناك حالات عنف ضد المرأة بدأت تسجل في مجتمعنا الفلسطيني".

هذا التفسير قد لا يقنع الكثيرين، ويجب أن يُقرن بحلول ناجعة لا سيما وأن الجهاز القضائي في غزّة متهم بالتقصير من ناحية العقوبات المفروضة على المعنِفين في المجتمع.

 

"ندرة في مراكز الإيواء"

وفي السياق، أوضحت مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة زينب الغنيمي، أنّ "هناك مؤسسات تقدّم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي، ولكن خدمة الإيواء لا تقدّمها لأنه لا يوجد مراكز إيواء إلا لدينا وهو مركز "حياة" لتمكين النساء والعائلات هو مشروعنا".

8-3.png

وبيّنت لموقعنا، أنّ "هناك أيضاً "بيت الأمان" الحكومي الذي يتبع وزارة التنمية الاجتماعية فقط، لذلك كل المؤسسات عندما يصلها حالة تحتاج لحماية (إيواء) أي إبعادها عن المُعنِّف فيتواصلون معنا ليحولوا الحالة لنا".

عضو اللجنة الشعبية أيمن أبو شاويش أضاف: "نحن نعمل دائماً من حيث تقوية دور المرأة وتعزيز صمودها إمّا بالشكل المعنوي أو بقدر الإمكانيات المتاحة من توفير مستلزمات من المشاريع الصغيرة أو من المشاريع التي من الممكن أن تساعد المرأة في التغلّب على ظروف الحياة الصعبة التي نحياها وبشكل عام ندافع عن حقوقها كلاجئة في المُخيّم من خلال مطالبة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" للقيام بدورها لتوفير حياة كريمة وخصوصاً للعنصر النسائي ولعنصر الأطفال في مجتمعنا الفلسطيني".

الشهر الماضي، حذّر تحالف "أمل" لمناهضة العنف ضد المرأة في غزة، ومنتدى المنظمات الأهلية الفلسطينية لمناهضة العنف ضد المرأة في الضفة الغربية، من أنّ "استمرار جرائم القتل والعنف ضد النساء في مجتمعنا يشكّل خطراً حقيقياً على المجتمع".

مطالباً في بيانٍ مشترك، بالإقرار "الفوري لمسودة قانون حماية الأسرة من العنف، وإقرار مسودة قانون العقوبات الفلسطيني، وتوفّر بيئة آمنة تتمكّن النساء المعنّفات من الوصول اليها، ومحاسبة ومساءلة كل من يحرّض على ارتكاب جرائم عنف ضد النساء، وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي".

أخيراً، يقول المثل الشائع، أنّ (من أمِنَ العِقابْ أساءَ الأدبْ)، لا بل أساء مُعاملة طفلته، أو أخته، أو زوجته، أو حتّى من أنجبته بعد شهورٍ طِوال حاملة هذا "الرجل" في بطنها، فبرأيكم، هل من الممكّن إنهاء العنف ضد المرأة في المُخيّمات؟.

 

شاهد التقرير

 

قطاع غزة-خاص/ بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد