الطائرات الورقية.. متنفس اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الأردن

الأربعاء 18 نوفمبر 2020
خاص/بوابة اللاجئين الفلسطينيين

ما إن تحلّ ساعات ما بعد الظهيرة، في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن حتى تتزين سمائها بالطائرات الورقية، التي يمسك بخيوطها الأطفال والشبان والنساء، بألوانها الزاهية وأشكالها المختلفة.

باتت هذه الطائرات متنفساً لهم خلال فترة الحظر التي فرضتها جائحة كورونا، فأصبحت أسطح المنازل مكان اللهو والترفيه، فصنعت طائرات ورقية بالبداية من أجل كسر الروتين، وإنهاء حالة الضجر التي فرضها الحجر المتكرر من حين لآخر، منذ ضربت الجائحة الأردن في آذار/ مارس الماضي.

في فترة الحجر، تحايل البعض على وضعه الاقتصادي السيء واستثمر حالة الركود وارتفاع نسبة البطالة بصناعتها وبيعها، لتنتشر في بيوت المخيمات.

لم نكن نرى السماء أحياناً من كثرة الطائرات الورقية.

يتحدث اللاجئ الفلسطيني أنيس يوسف وهو يقطن في مخيم الوحدات لبوابة اللاجئين الفلسطينيين عن شغفه  بصناعة الطائرات الورقية فيقول:" لم أكن أعلم كيف أقضي وقتي في الحجر المنزلي ، وكيف من الممكن أن تمضي هذه الساعات البطيئة التي تمخضت عن الحظر والإغلاق العام المفروض على البلاد ، وفي يوم كان عندي عصا البوص، فبدأت بصناعة طائرة ورقية وصعدت أنا وطفلي الي سطح المنزل للعب وتطيرها".

يواصل: "بعد صناعة أول طائرة ورقية طلب مني العديد من الجيران بتصنيع الطائرات الورقية وبدأنا نجتمع بشكل يومي على أسطح المباني من أجل اللعب واللهو ونتحدى بعضنا البعض بمن تحلق طائرته أعلى من الأخر، منوهًا ما كنا نشوف السماء من كثرة الطائرات".

سرعان ما امتلأ سماء المخيم بمئات الطائرات الورقية التي رفرفت في كل الأنحاء، فطغت على أجواء العزلة التي فرضتها جائحة كورونا، بنمط جديد يحي العلاقات الاجتماعية والإنسانية ويعيد ذكريات الطفولة لسكانه.

تحولت هواية أنيس إلى عمل أساسي خلال فترة الحجر خاصة أنه يعمل في مهنة النجارة فاستغل موهبته في حياكة الطائرة الورقية، وبدأ بإنتاج أعداد كبيرة منها بهدف بيعها إلى محلات الجملة والباعة المتجولين، خاصة أنه اضطر لإغلاق منجرته فترة الحظر التزاماً بالتعليمات الرسمية.

يتابع اللاجئ الفلسطيني تصنع الطائِرة الورقيّة من إطارٍ خشبيّ ، ويكونُ غالباً من الخيزران أو القصب أو الخشب العادي الذي يُختار حسب حجم الطائرة، فيكون سميكاً وقوياً للطائرات الكبيرة، وتغطّى الطائِرة بغلافٍ ورقيّ أو بلاستيكيّ، أو أكياس ملونة، ويكونُ لها ذيلٌ من الورق أو البلاستيك أيضاً لضمان التّوازن، وتربطُ بخيط سميك، قد يزيد طوله عن مائة متر، أو أكثر.

7-1.jpg

لجأ بعض من توقف عمله بسبب جائحة كورونا إلى التخصص في تصنيع وبيع الطائرات الورقية، فشكلت باب رزق للكثير من اللاجئين لسد بعض حاجتهم اليومية.

في فلسطين كانت الطائرات تصنع من الجرائد وخليط الطحين والعيدان.

في ذات المخيم، عبرت اللاجئة الفلسطينية نسرين خضر عن سعادتها بانتشار هذه الظاهرة التي أعادتها إلى ذكريات طفولتها في الضفة الغربية حيث كانت تقطن قبل أن تتزوج وتغادر إلى المملكة الأردنية، فقالت" أعشق هذه الأجواء وأنا بنت كان أخوي يصنع طائرات ورقية وعلمني صناعتها وأنا عمري 12 سنة وعلمتها لأولادي".

تواصل، اختلفت الطائرات الورقية المصنعة في وقتنا الحالي عما كنا نصنعها في فلسطين، فكانت تصنع من ورق الجرائد وخليط الطحين والعيدان ويحتاج العمل في تجهيزها إلى جهد وإتقان كبيرين كي نستطيع تطيّرها في السماء، أما في هذه اللحظات فيبدع صانعو الطائرات الورقية بحياكتها باستخدام أجمل الرسومات والألوان من خلال الأكياس والمكابس.

نسرين لم تكتفِ بتعليم أبنائها صناعة الطائرات الورقية، بل علمت زوجها الذي أتقن هذه المهنة وعمل بها فترة الحظر، وكان ينتج طائرات ورقية بأشكال تحاكي واقع الجائحة فكانت إحدى الطائرات التي صنعها على شكل فيروس كورونا وأخرى على شكل الماسك " الكمامة".

لا تقتصر مهمة الطائرات الورقية على الترفية، بل التوعية أيضاً

أصبحت الطائرات الورقية جزءاً من الحياة اليومية لسكان المخيم، ولم يقتصر استخدامها للعب والتسلية بل امتد إلى التوعية بمخاطر جائحة كورونا وأهمية الالتزام بالإجراءات الاحترازية والوقائية من خلال الرسومات التي صنعت منها الطائرة خاصة للأطفال. 

تضيف نسرين: " أصبحت شغلانة الي ما الو شغلانة، موضحة أن الكثير من سكان المخيمات تعلم صناعة الطائرات الورقية من أجل أن تسانده في ظل إغلاق المحال التجارية والمنشآت".

طائرتان بعلمي فلسطين والأردن في مخيم حطين.

أطلق اللاجئ محمد ابو طاحون من سكان مخيم حطين للاجئين الفلسطينيين في الأردن،أكبر طائرتين ورقيتين مزينتين بعلمي فلسطين والأردن، ويبلغ طول القصبة الواحدة 6 متر " البوصة"."

من خلال صناعته للطائرات الورقية، رغب أبو طاحون أن يعبر عن حبه وانتمائه واعتزازه وفخره بمسقط رأسه فلسطين والدولة المضيفة الأردن.

يتحدث أبو طاحون لبوابة اللاجئين الفلسطينيين عن بداياته في صناعة الطائرات الورقية، يقول: " منذ طفولتي وأنا أقوم بصناعة الطائرات الورقية، حتى وصلت إلى ما أنا عليه اليوم".

يشير إلى أنه يجد في صناعتها فسحة للتسلية والمرح، مؤكداً أنه في ظل جائحة كورونا أصبحت تجذب الصغار كثيرًا، وتدفعهم للالتزام في بيوتهم بعيدًا عن شاشات الهواتف الذكية.

يتابع، "منذ بداية الحظر ونحن جالسين في البيوت، ومن خلال الطائرات الورقية كسر روتين الحياة اليومية، ومنحنا مساحة للتفريغ عن أنفسنا".

7-2.jpg

استغل البعض الإقبال غير الطبيعي على طلب صناعة الطائرات الورقية، وقاموا بصناعتها وبيعها حتى تساعدهم في مصاريفهم اليومية.

أول اختراع للطائرات الورقية كان في الصين قبل حوالي ألفي عام، وظهرت للمرة الأولى في اليابان خلال فترة «هيان» التاريخية. (794-1185)

وكانت تعرف باسم «الصقور الورقية» وهو نفس المسمى الذي كانت تعرف به في الصين، ولم تكن الطائرات الورقية خلال فترة «هيان» تستخدم للعب فقط، بل كانت تستعمل لنقل رسائل سرية عبر الخنادق المائية المحيطة بالقلاع وداخل الأبراج الرئيسية فيها. وبعد مرور ألف عام من وجودها في اليابان، مرت الطائرات الورقية بتطور رائع بسبب وفرة الورق الممتاز والخيزران وخيوط القنب اللازمة لتحليقها.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد