في التاسع والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي، توّجت أعمال "المنتدى السنوي لفلسطين" التي نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسّسة الدراسات الفلسطينية خلال الفترة 28–30 كانون الثاني 2023 في العاصمة القطرية الدوحة، بإطلاق موقع "ذاكرة فلسطين" الرقمي على شبكة الإنترنت، لتوثيق التاريخ الفلسطيني، بهدف أن يصير الموقع أحد المصادر التاريخيّة التي تؤمن للباحثين أرضيّة خصبة توفّر المعلومات والوثائق بكل سلاسة، لا سيما وأنّ موقع "ذاكرة فلسطين" سيضم مليون وثيقة تاريخيّة ومن حقبٍ مختلفة، بما يُؤسّس لأرشيفٍ فلسطيني شامل.

وللاستفاضة أكثر حول هذا الموقع، حاور بوابة اللاجئين الفلسطينيين، الباحث في مشروع توثيق القضية الفلسطينيّة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بلال شلش، وهو من أطلق موقع "ذاكرة فلسطين" في مرحلته الأولى خلال أعمال "المنتدى السنوي لفلسطين".

12-1.jpg

أحد أبرز مخرجات المركز العربي

يؤكّد الباحث شلش، أنّ اهتمام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في القضية الفلسطينيّة تجاه توثيق الأرشيف الفلسطيني انعكس منذ لحظة إطلاقه، إذ أكدت رؤيته على تبني المركز لفكرة نهضويّة للمجتمعات العربيّة، ملتزمةً بقضايا الأمّة العربيّة، لذلك أصدر المركز أولاً سلسلة دراسات وبحوث متعلقة بفلسطين (تاريخها وقضيتها)، وبعد ثلاثة سنوات من تأسيسه نظّم المركز أحد أبرز مؤتمراته في كانون الأول/ ديسمبر 2013، بعنوان "قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني".

ويُضيف شلش: استمر هذا الاهتمام المتواصل إلى أن أطلق المركز مشروعه لتوثيق القضية الفلسطينية مطلع 2016، وكان أحد أبرز مخرجات هذا المشروع سلسلة منشورات "ذاكرة فلسطين"، وأخيراً جرى إطلاق الأرشيف الرقمي "ذاكرة فلسطين"، إلى جانب إطلاق النسخة الأولى من المنتدى السنوي للقضية الفلسطينية بالشراكة مع مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة.

ويُشار إلى أنّ المجموعات الأرشيفية الرئيسيّة في موقع "ذاكرة فلسطين" تضم المجموعات الخاصة، والمنظمات السياسيّة، وسجلات المحاكم الشرعية، والديوان، إلى جانب الصحف والمجلات، وشهادات وروايات شفوية مختلفة.

الفكرة وأهميتها

يرى شلش أنّ مشروع الأرشيف الرقمي "ذاكرة فلسطين" جاء استجابة لحاجة المشاريع البحثيّة المرتبطة بمشروع توثيق القضية الفلسطينيّة، إذ أن الكتابة التاريخيّة الجديدة يتوجب أن تعتني بمصادر أولية جديدة، وفي ضوء غياب أو تغييب أراشيف فلسطينيّة جامعة، كانت هناك حاجة ماسة لاشتغال المركز في هذا الجانب.

من هذا المنطلق جاء المشروع الرقمي للمركز العربي، والذي يُحاول من خلاله استغلال ممكنات التكنولوجيا المتوفرة الآن، وكذلك الاستفادة من مشاريع الرقمنة العالمية المختلفة، من أجل الخروج بمشروع لا يقتصر دوره على جمع المصادر الأولية وإتاحتها، وإنما سيُسهم ذلك في تعزيز قدرة الباحثين على الوصول إلى المواد الأوليّة المختلفة من خلال بناء عددٍ من الفهارس.

12-2.jpg

تجاوز جغرافيا الشتات

 واجه المشروع مجموعة من العقبات أبرزها تشتت المصادر الأولية المستهدفة بسبب الشتات الذي يعيشه الفلسطينيون أنفسهم ، لكن من خلال تضافر جهود مجموعة من حفظة هذا التراث، تم تجاوز هذه العقبة جزئياً، بحسب شلش الذي عبّر عن أمله في أن يجري العمل في المرحلة المقبلة على استكمال ما قُدم وتجاوز بعض الشتات، وتحقيق غاية الأرشيف بتقديم مادة أوليّة شاملة، تتجاوز جغرافيا الشتات، وتقدم مصادر أولية يمكن أن تسهم في التأسيس لكتابةٍ تاريخيّةٍ متجاوزة للتقسيم المفروض على فلسطين وأهلها.

ليس بديلاً إنما إضافة لما هو قائم من مشاريع ..

ما هو الجديد الذي يقدّمه موقع "ذاكرة فلسطين" في سياق الأرشفة وحفظ التاريخ عن المشاريع والمحاولات السابقة في حفظ وأرشفة التاريخ الفلسطيني؟ سؤالٌ طرحناه على الباحث شلش، إذ يقول: الجديد أولاً أنّ رؤية المشروع لم تقم فقط على رقمنة وإتاحة المصادر الأولية المختلفة، وإنما محاولة الاشتغال على هذه المواد من خلال الفهارس، ومحاولة تقديم الوصف الشامل، أو الإتاحة النصية الكاملة، من أجل تسهيل الوصول إلى المواد، ولذلك فإنّ الموقع يسعى لأن يقدم للباحثين المهتمين من خلال هذه الفهارس بيانات عابرة للمجموعات الخاصة، ولأنواع المواد المختلفة.

يضيف شلش: إلى جانب ذلك، هناك مجموعات أرشيفية جديدة لا تتوفر في مكتبات عامة، أو في أي من الأراشيف المادية القائمة، كمقابلات لجنة الاستماع المشكلة إثر حرب 1982( اجتياح لبنان)، ومئات المراسلات الشخصية، والأوراق العائلية، واليوميات التي يمكن أن تقدم مادة استثنائية تعكس صوت من لا صوت لهم، هذا الصوت بقي غائباً أو مُغيّباً في جل الأدبيات التاريخيّة القائمة، وهنا لابد من الإشارة إلى أنّ المركز العربي لا يطرح المشروع كبديل، وإنما كإضافة لما هو قائم من مشاريع فرديّة ومؤسّساتية مقدّرة.

وبشأن الخطوة التاليّة بعد هذا الإنجاز، يوضّح الباحث شلش: بالإضافة لاستكمال بناء الأدوات البحثية المختلفة في قاعدة البيانات الرقمية، واستحداث أدوات جديدة لخدمة بعض أنواع المواد المتاحة في الموقع، فإن الاشتغال الأساسي سيكون على تعزيز المجموعات الخاصة في الموقع، واستكمال الرقمنة لمئات الملفات الورقية المتوفرة حالياً لدينا، وكذلك فهرسة وإتاحة ما يقارب مليون صفحة، ستدرج يومياً خلال المرحلة التالية لغاية نهاية العام الجاري.

ويشمل موقع "ذاكرة فلسطين" في مرحلته الأولى نحو 17 ألف مادة، تقعُ في: 24 مجموعة خاصة تضم 8630 مادة مفهرسة في نحو 26 ألف صفحة، وأدبيات ووثائق لثماني عشرة منظمة سياسيّة فلسطينيّة تتضمّن 1234 مادة مفهرسة، و42 مجموعة للصحف والمجلات تشمل 934 مجلة و303 نشرة و1319 صحيفة.

كما تجُدر الإشارة إلى أنّ الموقع يحتوي على نحو 76 شهادة ورواية شفوية، و2959 مادة مفهرسة منها مجموعات فردية ووثائق أردنيّة وصهيونيّة وأميركيّة وعثمانيّة، ووثائق هيئات دولية، وباب الديوان، و483 سجلاً للمحاكم الشرعيّة.

اقرأ/ي ايضًا  "ذاكرة فلسطين": خطوات في الطريق

أحمد حسين – صحفي فلسطيني

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد