مع ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ الأزقة الضيقة في مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين جنوبي لبنان، يتجه عدد من الصيادين نحو البحر حاملين شباكهم المتعبة، يغادرون بصمت تحكمه الحاجة، مدفوعين بأمل يومٍ قد يحمل رزقاً يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات عائلاتهم.

هنا، لا يُنظر إلى الصيد بوصفه مهنة عادية، بل كمعركة يومية مع البحر، وضيق العيش، والواقع الاقتصادي القاسي.

في المخيم، لم يكن الصيد خياراً رومانسياً بقدر ما كان ضرورة فرضتها قلة فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة في صفوف اللاجئين الفلسطينيين، الذين وجدوا في البحر ملاذهم الأخير لكسب لقمة العيش في ظل انسداد الآفاق.

Picture2.jpg


يوم يبدأ قبل الشروق

يبدأ الصيادون يومهم في وقت مبكر جداً، حين لا يزال المخيم غارقاً في السكون، يتفقد كل منهم قاربه الصغير، يصلح شباكه بوسائل بدائية، ويتأكد من أدواته البسيطة قبل الإبحار لمسافة قريبة من الشاطئ، تجنبًا للمخاطر وقلة الإمكانيات.

يقول أبو خالد، وهو صياد في الخمسين من عمره لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: "نخرج قبل الشروق، أحيانا نعود مع الظهر، وأحياناً نعود بلا شيء. البحر ليس كريماً دائماً، لكنه خيارنا الوحيد".

ويتطلب العمل في البحر صبراً طويلاً وقوة جسدية كبيرة، خاصة في ظل غياب المعدات الحديثة واعتماد الصيادين على وسائل تقليدية لا تواكب التحديات المتزايدة.

رزق غير مضمون

رغم ساعات العمل الشاقة، يبقى الدخل غير ثابت، إذ تتأثر كميات الصيد بعوامل عديدة، أبرزها الأحوال الجوية، والمواسم البحرية، والتغيرات البيئية.

وفي كثير من الأحيان، لا يكفي ما يتم اصطياده لتغطية تكاليف الوقود أو إصلاح الشباك.

Picture4.jpg

ويشرح أبو أحمد، وهو صياد منذ أكثر من عشرين عاماً: "أحيانًا نعود بصيد جيد، وأحيانًا لا نغطي ثمن البنزين. لكن ماذا نفعل؟ لا عمل آخر متاح لنا".

ويشير إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار المستلزمات البحرية، مقابل ضعف القدرة الشرائية داخل المخيم، جعل هذه المهنة أكثر قسوة عامًا بعد عام.

البحر والهوية

ورغم قسوة الظروف، تربط الصيادين بالبحر علاقة وجدانية عميقة، فهو بالنسبة لهم ليس مجرد مصدر رزق، بل مساحة للسكينة والتأمل، وجزء من الذاكرة الجمعية لسكان الساحل الفلسطيني.

يقول أحد الصيادين الشباب لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: "تعلمت الصيد من والدي، وهو تعلمه من جدي. البحر جزء من حياتنا، حتى لو كان قاسياً".

ويظهر هذا الارتباط في احترامهم للمهنة وحرصهم على نقلها إلى أبنائهم، رغم إدراكهم المسبق لصعوبتها ومخاطرها.

العائلة شريك في المعاناة

لا تقتصر تداعيات مهنة الصيد على الصياد وحده، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش تبعات الدخل غير المنتظم، ما ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية، من تأمين الغذاء إلى تحمّل تكاليف التعليم.

تقول أم علي، زوجة أحد الصيادين: "نعيش يوماً بيوم. إذا عاد الزوج بصيد جيد نفرح، وإذا لم يعد، نصبر. تعودنا على هذا الحال."

وفي كثير من الحالات، تشارك العائلة في تنظيف السمك أو بيعه للمساهمة في توفير دخل إضافي يسد جزءاً من الاحتياجات الأساسية.

غياب الدعم وتراكم الأزمات

ويعاني صيادو مخيم الرشيدية من غياب شبه كامل لأي دعم رسمي أو مؤسساتي، فلا دعم للمحروقات، ولا برامج حماية اجتماعية، ولا تعويضات في حال الخسائر أو الحوادث البحرية.

إلى جانب ذلك، يشكّل البحر خطراً دائماً في ظل غياب معدات السلامة الأساسية، ما يجعل كل رحلة صيد محفوفة بالمخاطر، ويضاعف من حجم القلق والمعاناة.

بين الموج والرزق، يعيش صيادو مخيم الرشيدية معادلة قاسية عنوانها الصبر والاعتماد على الذات. فالبحر، وإن منحهم القليل، علّمهم الكثير: الصمود، الانتظار، والتمسك بالحياة رغم قسوتها.

وفي مخيم لا يملك سكانه ترف الخيارات، يبقى الصيد فعل بقاء، وشهادة حيّة على إصرار اللاجئين الفلسطينيين على الاستمرار في مواجهة الظروف، مهما اشتدت التحديات.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد