أنهت محكمة الجنايات في مدينة لاكويلا الإيطالية، أمس الجمعة 16 كانون الثاني/يناير، فصول واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، بإصدارها حكمًا بالسجن خمس سنوات وستة أشهر بحق الفلسطيني عنان يعيش بعد إدانته بتهمة "التآمر لارتكاب أعمال إرهابية"، مقابل تبرئة رفيقيه علي عرار ومنصور دغمش من جميع التهم المنسوبة إليهما.
وصدر القرار عن هيئة المحكمة برئاسة القاضي جوزيبي رومانو غارغاريلا عقب مداولات استغرقت نحو ست ساعات، وجاء أقل من السقف الذي طالب به الادعاء العام، والذي سعى إلى إنزال عقوبات قاسية وصلت إلى 12 عامًا بحق يعيش، و9 أعوام بحق عرار، و7 أعوام بحق دغمش، في حين أصرت هيئة الدفاع طوال المحاكمة على أن الملف يفتقر إلى أي دليل مادي حاسم.
وبدأت فصول القضية عام 2023 مع إحالة النشطاء الفلسطينيين الثلاثة إلى محكمة لاكويلا، في مسار قضائي وصفه الدفاع منذ جلساته الأولى بأنه مسيس.
وخلال المحاكمة، ركّز محامو الدفاع على ما اعتبروه جوهر الخلل في ملف الاتهام، مشيرين إلى أن النيابة بنت روايتها على قراءات وتأويلات لمحادثات باللغة العربية شابتها أخطاء في الترجمة وإسقاطات خارج سياقها الحقيقي، من دون تقديم أدلة مادية مباشرة تثبت الاتهامات.
وفي مرافعاتهم، استند محامو الدفاع إلى قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 37/42، إضافة إلى ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، التي تعترف بحق الشعوب الخاضعة للاحتلال في مقاومة الاحتلال العسكري غير القانوني، بما في ذلك المقاومة المسلحة، شرط عدم استهداف المدنيين. وأكد الدفاع أن مسار القضية لم يظهر أي تجاوز لهذا القيد القانوني.
محكمة بين القانون والرواية السياسية
وشهدت المحاكمة محطات صدامية، أبرزها محاولة الادعاء توصيف مستوطنة تابعة لكيان الاحتلال تضم قاعدة عسكرية على أنها "تجمع مدني"، في محاولة لربط القضية بمفهوم "الإرهاب الدولي".
كما أثار سعي النيابة إلى إدخال وثيقة صادرة عن سفارة كيان الاحتلال في روما ضمن ملف الأدلة موجة اعتراضات، قبل أن ترفض المحكمة اعتمادها، ثم تعود النيابة للمطالبة بالاستماع إلى شهادة السفير أو أحد ممثليه.
ويرى متابعون أن هذه المقاربات تعكس اتجاهًا نحو تسييس القضاء ومنح شرعية قانونية للرواية "الإسرائيلية" في المحاكم الأوروبية، لا سيما في ظل حرب الإبادة المتواصلة ضد الفلسطينيين. ويستشهد هؤلاء بقرار محكمة العدل الدولية الصادر في تموز/يوليو 2024، الذي أدان الاستيطان والاحتلال، ودعا الدول إلى عدم الاعتراف أو المساهمة في تكريس الوضع غير القانوني القائم.
وخلال النطق بالحكم، الذي تابعه عنان يعيش من محبسه عبر تقنية الاتصال المرئي، تعالت أصوات الاحتجاج داخل قاعة المحكمة من متضامنين مع القضية الفلسطينية، مرددين هتافات مثل "عار" و"الحرية لفلسطين" و"المقاومة مستمرة". وفي الخارج، تزامن ذلك مع اعتصام أمام مبنى المحكمة، ما دفع السلطات الإيطالية إلى تشديد الإجراءات الأمنية وإغلاق الطرق المحيطة مؤقتًا.
ويصنف الحكم الصادر بوصفه حكم درجة أولى، بانتظار نشر حيثياته الرسمية ضمن المهل القانونية. وفي هذا السياق، ينتظر أن تبادر هيئة الدفاع إلى تقديم طعن واستئناف، وسط استمرار حملات التضامن مع عنان يعيش ورفيقيه، والتأكيد على أن القضية تتجاوز بعدها الفردي، لتلامس معركة أوسع ضد محاولات تجريم المقاومة الفلسطينية وملاحقة ناشطيها في أوروبا.
موضوع ذو صلة: رسالة مؤثرة خلال محاكمته بتهمة "الإرهاب" بطلب من الاحتلال
