كشف تحقيق أعدّته منظمة "سيتزن لاب" عن استخدام الأجهزة الأمنية الأردنية أداة رقمية "إسرائيلية" لاختراق هواتف ناشطين ومتظاهرين دعموا غزة، مع بدء حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويعتمد التحقيق على تحليل جنائي لأربعة أجهزة تعود لنشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان أردنيين، صادرتها السلطات الأردنية خلال عمليات احتجاز واعتقال واستجواب، إلى جانب ثلاثة سجلات قضائية صادرة عن دعاوى جنائية بحق نشطاء وصحفيين بموجب قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لعام 2023، حصلت عليها المنظمة التي أعدّت التحقيق.

ويتضمن كل سجل تقريرًا فنيًا أعدّته دائرة التحقيقات الجنائية الأردنية، يحتوي على ملخص لعملية استخراج البيانات الجنائية التي أجريت على الأجهزة المصادرة، حيث وقعت الحالات التي تم تحليلها في هذا التقرير بين أواخر عام 2023 ومنتصف عام 2025، في سياق بدء المظاهرات التضامنية الداعمة لغزة.

ويظهر التحقيق أن السلطات الأردنية استخدمت أدوات الاستخراج الجنائي الرقمي للبيانات التي طوّرتها شركة "سيلبرايت" (Cellebrite)، ضد أفراد من المجتمع المدني، من بينهم ناشطان سياسيان، ومنظّم طلابي، ومدافع عن حقوق الإنسان، بحسب ما أكده الباحثون.

وأوضح التقرير أن استخدام أداة "سيلبرايت" من قبل السلطات، في حال توفّر الوصول المادي إلى الهاتف المحمول، يتيح استخراج كمّ هائل من البيانات الحساسة، تشمل الصور والفيديوهات والمحادثات النصية والملفات وكلمات المرور المحفوظة وسجل المواقع الجغرافية وسجل شبكات الواي فاي وسجل استخدام الهاتف وسجل تصفح الإنترنت، إضافة إلى حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض الحالات بيانات حاول المستخدم حذفها سابقًا.

وأشار "سيتزن لاب" إلى أن التحقيق الجنائي الذي أجراه على أجهزة صادرتها السلطات الأردنية في وقت سابق، إلى جانب مراجعة سجلات محاكم تم تزويد الباحثين بها، يظهر أن استخدام برنامج "سيلبرايت" من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية كان بشكل ينتهك معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي صادق عليها الأردن.

وبحسب التقرير، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يعد الأردن طرفًا فيه، يفرض قيودًا صارمة على استهداف المعارضين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني باستخدام تقنيات المراقبة، وهو ما يتعارض مع الوقائع التي وثّقها التحقيق.

وأوضح الباحثون أنهم قاموا بتحليل أربعة هواتف محمولة خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير 2024 وحزيران/يونيو 2025، تعود إلى أفراد من المجتمع المدني الأردني، جرى احتجازهم أو اعتقالهم أو استجوابهم من قبل السلطات، وتبيّن أن جميع هذه الأجهزة خضعت لاستخراج بيانات جنائي باستخدام برنامج "سيلبرايت".

ولم يكشف التقرير عن أسماء الأشخاص المستهدفين، خشية تعرّضهم لأعمال انتقامية. وفي إحدى الحالات التي وثّقها التحقيق، أشار الباحثون إلى تحليل هاتف آيفون يعود لناشط سياسي، صودر جهازه عقب استجوابه من قبل دائرة المخابرات العامة الأردنية، وبقي الهاتف في حوزة السلطات لمدة 35 يومًا.

وفي حالة أخرى، أفاد التقرير بأن ناشطًا طلابيًا رفض تسليم رمز المرور الخاص بهاتفه لضباط الأمن، إلا أن هؤلاء فتحوا الجهاز باستخدام تقنية التعرّف على الوجه من شركة آبل، عبر توجيه الهاتف قسرًا نحو وجه الناشط. ووفق التقرير، أودع الناشط السجن في اليوم التالي.

وبعد الإفراج عنه، استعاد الناشط هاتفه، لكنه فوجئ بوجود رمز المرور مكتوبًا على شريط لاصق مُثبّت على ظهر الجهاز، فيما كشف التحليل الجنائي اللاحق للهاتف أن الجهاز كان متصلًا بمعدّات خارجية ينسب استخدامها إلى شركة "سيلبرايت"، كما أظهر أنه كان متصلًا بوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في العاصمة عمّان أثناء وجوده في حوزة السلطات.

وفي تعليق لصحيفة "الغارديان" البريطانية، قال متحدث باسم شركة "سيلبرايت": "إن تقنيتها تختلف عن برامج التجسس التي تطورها شركات مثل مجموعة NSO"، مؤكدًا أن أدوات الشركة ذات طبيعة جنائية، وتستخدم "للوصول إلى البيانات الخاصة فقط وفقًا للإجراءات القانونية الواجبة، أو بموافقة صريحة، بهدف المساعدة في التحقيقات القانونية بعد وقوع الحادث".

وأضاف المتحدث أن الشركة تخضع عملاءها المحتملين لعملية تدقيق دقيقة استنادًا إلى معايير داخلية لحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن هذا النهج دفع "سيلبرايت" في السابق إلى وقف أعمالها في مناطق اعتبرت فيها المخاطر غير متوافقة مع قيمها المؤسسية.

وأكدت الشركة، في بيانها، أنها تتعامل بجدية مع جميع الادعاءات المتعلقة بإساءة استخدام تقنيتها، موضحة أنه "عند تلقي معلومات موثوقة، تقوم الشركة بمراجعة الادعاءات واتخاذ خطوات استباقية دقيقة للتحقيق في كل حالة، وفقًا لسياساتها الأخلاقية ومعايير النزاهة".

وسلّط التحقيق الضوء على قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الصادر عام 2023، وسط تصاعد السخط السياسي حيال قضايا داخلية ودولية، مشيرًا إلى أنه رغم تطبيع الأردن و"إسرائيل" علاقاتهما عام 1994، إلا أن هذا التطبيع لا يحظى بشعبية كبيرة لدى الشعب الأردني، الذي ينحدر أكثر من نصفه من أصول فلسطينية.

ومنذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يشهد الأردن احتجاجات شبه يومية تضامنًا مع الفلسطينيين في غزة، حيث يواجه المتظاهرون حملات قمع واعتقالات جماعية بشكل متكرر، ضمن اتهامات تستند إلى قانون الجرائم الإلكترونية.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين - وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد