يصادف اليوم العالمي للتعليم، اليوم السبت 24 كانون الثاني/يناير، في وقت يواجه فيه القطاع التعليمي الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه، نتيجة حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال، وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية التعليمية، واستهداف مباشر للطلبة والمعلمين، ومنشآت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، إلى جانب سياسات التضييق المتصاعدة بحقها.
وعبّرت جهات وطنية وحقوقية عن المخاطر الجسيمة التي تحيط بالقطاع التعليمي، الذي يشهد تدميرًا شبه كامل في قطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي حرمت آلاف الطلبة من التعليم، وحصدت أرواح عشرات الآلاف من الطلبة والمعلمين، إلى جانب الدمار الهائل الذي لحق بالمدارس والجامعات وهيئات التعليم.
وأكد مركز غزة لحقوق الإنسان في تقرير مطوّل أن ما خلّفته الحرب من استهداف للمدارس والجامعات والمعلمين والطلبة، إلى جانب تدمير المرافق التعليمية، أسهم في شلل شبه كامل للعملية التعليمية للعام الثالث على التوالي.
745 ألف طالب حرموا من التعليم في غزة
وسلّط المركز الحقوقي الضوء على أحدث البيانات الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة، بما فيها اليونسكو و"أونروا" ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، والتي توثّق حرمان ما يقارب 745 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة من التعليم النظامي، من بينهم نحو 88 ألف طالب جامعي توقفت مسيرتهم التعليمية بشكل كامل، في سابقة خطيرة تهدد بضياع جيل كامل من الأطفال والشباب الفلسطينيين.
97% من المدارس والمنشآت التعليمية تعرضت لأضرار
كما أشار المركز إلى تقارير أممية، وثّقت تعرّض ما نسبته 95–97% من المدارس والمنشآت التعليمية في قطاع غزة لأضرار جزئية أو كلية، بما في ذلك المدارس الحكومية، ومدارس "أونروا"، والمؤسسات التعليمية الخاصة. وقد دُمّر عدد كبير من هذه المنشآت بشكل كامل، فيما أصبحت مئات المدارس الأخرى غير صالحة للاستخدام، وتحتاج إلى إعادة بناء أو ترميم شامل، ما يجعل استئناف العملية التعليمية أمرًا بالغ الصعوبة في ظل استمرار العدوان.
وفيما يتعلق باستهداف منشآت "أونروا" خلال حرب الإبادة، أكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن ذلك يندرج ضمن سياسة تضييق ممنهجة تتعرض لها الوكالة الأممية، بما في ذلك عرقلة إدخال المواد والمستلزمات التعليمية، وفرض قيود على تمويلها، إلى جانب حملات التحريض والتشويه ضدها، وهو ما أسهم بشكل مباشر في تعميق الأزمة التعليمية في قطاع غزة.
وتُعد "أونروا" المزوّد الرئيسي لخدمات التعليم للاجئين الفلسطينيين، حيث تشرف على مئات المدارس، وتقدّم التعليم الأساسي لعشرات الآلاف من الطلبة. ويؤدي تقويض قدرتها التشغيلية إلى حرمان شريحة واسعة من الأطفال اللاجئين من التعليم، وتقويض أي إمكانية حقيقية لاستئناف العملية التعليمية في المستقبل القريب، بحسب المركز الحقوقي.
الاحتلال قتل أكثر من 20 ألف طالب خلال حرب الإبادة
وكانت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية قد نشرت إحصائية حول ما خلّفه عدوان جيش الاحتلال من خسائر بشرية جسيمة في صفوف المجتمع التعليمي، حيث قتل الاحتلال أكثر من 20 ألف طالب وطالبة، وأصاب أكثر من 31 ألفًا بجروح متفاوتة، فيما قتل نحو 1,037 من المعلمين والإداريين في قطاع التعليم، وأصيب ما يقارب 4,757 آخرين.
وأكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن هذه الخسائر أدت إلى تفريغ المدارس والجامعات من كوادرها التعليمية، وأضعفت القدرة المستقبلية على إعادة تشغيل النظام التعليمي، فضلًا عن الآثار النفسية العميقة والممتدة التي يعانيها الأطفال والمعلمون على حد سواء.
ولفت المركز الحقوقي إلى أن سياسات الإغلاق المشدد ومنع حرية التنقل التي تفرضها سلطات الاحتلال حرمت آلاف الطلبة الفلسطينيين من حقهم في استكمال تعليمهم خارج قطاع غزة.
كما أكد تلقيه مئات الشكاوى من طلبة حاصلين على قبول جامعي ومنح دراسية رسمية في جامعات عربية ودولية، إلا أن الاحتلال منعهم من السفر عبر المعابر، ما أدى إلى خسارة فرص تعليمية ثمينة وضياع أعوام دراسية كاملة، مشيرًا إلى أن هذا المنع يمثل انتهاكًا صريحًا للحق في التعليم وحرية التنقل، ويأتي ضمن سياسة عقاب جماعي تستهدف فئة الشباب، وتقيّد مستقبلهم العلمي والمهني.
وقدّر مركز غزة لحقوق الإنسان تأثير الانقطاع التعليمي المطوّل، وتدمير المدارس، وتقييد عمل "أونروا"، ومنع الطلبة من السفر، بما يعادل فاقدًا تعليميًا غير مسبوق يتراوح بين 3 إلى 5 سنوات من التعليم الفعلي، مؤكدًا أن هذه الخسارة تحمل آثارًا كارثية طويلة الأمد على التنمية البشرية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتنذر بظهور ما بات يعرف بـ"الجيل الضائع" في قطاع غزة.
إبادة تعليمية لأجيال كاملة في غزة
ووصف تقرير المركز الحقوقي ما جرى بأنه إبادة تعليمية عملت على محو منهجي للتعليم، من خلال قتل المعلمين والطلبة وتجويعهم وتشريدهم، إلى جانب تدمير البنية التحتية التعليمية، محمّلًا الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة عن ذلك.
ودعا المركز المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ضمان حرية حركة الطلبة الفلسطينيين وحمايتهم وتمكينهم من الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية داخل فلسطين وخارجها، كما طالب بفتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم استهداف التعليم بكافة أشكاله، مشددًا على أن هذه الهجمات ليست حوادث معزولة، بل تمثل نمطًا ممنهجًا من العدوان يهدف إلى تفكيك أسس المجتمع الفلسطيني.
كما حثّ المجتمع الدولي على الالتزام بتمويل وإعادة بناء النظام التعليمي، وضمان تمويل مستدام لـ"أونروا"، وبرامج التعافي النفسي والتعليمي، محذرًا من أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الكارثة التعليمية المركّبة يهدد مستقبل جيل كامل من الفلسطينيين في قطاع غزة.
من جهته، أكد التجمع الديمقراطي للمعلمين والمعلمات الفلسطينيين، بمناسبة اليوم العالمي للتعليم، أن القطاع التعليمي في غزة تعرّض خلال حرب الإبادة المتواصلة إلى استهداف مباشر وممنهج، حيث قتل جيش الاحتلال آلاف الطلبة والمعلمين.
وشدّد التجمع على أن ما يجري لا يعد مجرد تعطيل للعملية التعليمية، بل جريمة مكتملة الأركان بحق الإنسان الفلسطيني ومستقبله، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية التي تكفل حماية التعليم في أوقات النزاعات المسلحة، داعيًا المجتمع الدولي والمؤسسات التعليمية والحقوقية إلى تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية.
