انطلقت صباح السبت 24 كانون الثاني/يناير، في العاصمة القطرية الدوحة، أعمال الدورة الرابعة من المنتدى السنوي لفلسطين، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ويستمر حتى 26 كانون الثاني/يناير الجاري، بمشاركة نخبة واسعة من الباحثين والأكاديميين من مختلف دول العالم.
ويُعقد المنتدى هذا العام في سياق سياسي وإنساني بالغ التعقيد، وتزامناً مع مرور أكثر من عامين على بدء حرب الإبادة الجماعية التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة، وما رافقها من تصعيد واسع في الضفة الغربية، شمل حصار المدن والمخيمات، وتدمير البنية العمرانية، وتهجير السكان، إضافة إلى توسيع دائرة العدوان لتشمل الاعتداء على لبنان واحتلال أجزاء جديدة من الأراضي السورية.
وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت الباحثة آيات حمدان، رئيسة لجنة المنتدى، أن انعقاد الدورة الرابعة يأتي في لحظة دولية وإقليمية مفصلية، تشهد تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، وانكشافاً متزايداً لقضايا الشعوب الواقعة تحت الاستعمار، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وأوضحت أن المنتدى يسعى إلى مقاربة هذه التحولات بحثياً وسياسياً، انطلاقاً من أبعادها الدولية والإقليمية والمحلية.
وأشارت حمدان إلى أن المنتدى يناقش هذا العام 83 ورقة علمية محكّمة، موزعة على 23 جلسة متوازية، تركز بشكل أساسي على حرب الإبادة على قطاع غزة وأدواتها، والانحياز الإعلامي الغربي في تغطية العدوان، إلى جانب تحليلات معمّقة لطبيعة الاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري في فلسطين، وأدوار القانون الدولي وحدوده.
كما تتناول الجلسات تفاعلات القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، وأشكال التضامن العربي والعالمي، لا سيما الشعبي منها، في ظل الحرب الجارية.
ولفتت حمدان إلى أن هذه الدورة تخصص محوراً خاصاً لإعادة إعمار قطاع غزة برؤية فلسطينية، يقدّم مقاربات وخبرات محلية في سياق نقاش أوسع حول مرحلة ما بعد حرب الإبادة، مؤكدة أن الإنتاج المعرفي والنقاش الأكاديمي النقدي يكتسبان أهمية مضاعفة في ظل محاولات تهميش السردية الفلسطينية وقمعها، خصوصاً في الفضاءات الأكاديمية الغربية.
من جهته، أكد مدير مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الدكتور مجدي المالكي، أن منتدى فلسطين انطلق منذ دورته الأولى كفكرة طموحة ومشتركة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ليكون منصة بحثية ونقاشية متقدمة تعنى بكل ما يتعلق بفلسطين والفلسطينيين والصراع العربي–الإسرائيلي، وتجمع بين كبار الباحثين والباحثات، والجيل الشاب من الأكاديميين.
وشدد المالكي على أن الصراع الدائر ليس عسكريًا وسياسيًا فحسب، بل هو أيضاً صراع سرديات، يتطلب جهداً معرفياً منظماً لمخاطبة الرأي العام العالمي، ولا سيما الشعبي منه، الذي أظهر في محطات عديدة انحيازاً متنامياً للحق الفلسطيني.
واعتبر أن استمرار انعقاد المنتدى، في ظل حرب الإبادة والتصعيد "الإسرائيلي" المتواصل في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، يشكل بحد ذاته رسالة صمود وإصرار على مواصلة النضال المعرفي.
وأوضح المالكي أن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كثّفت، منذ اندلاع حرب الإبادة في تشرين الأول/أكتوبر، جهودها التوثيقية والبحثية، عبر إطلاق منصات متخصصة لتوثيق استهداف قطاعات الصحة والتعليم والثقافة والزراعة والإعلام في قطاع غزة، إضافة إلى توثيق أوضاع الأسرى، والانتهاكات اليومية في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وبيّن أن هذه الجهود أسفرت عن إنتاج أوراق سياسات ومواد بحثية وكتب توثيقية جديدة، تسهم في دعم الباحثين والصحفيين والمؤسسات الدولية، وتندرج ضمن مسار طويل من العمل البحثي الذي تضطلع به المؤسسة منذ تأسيسها عام 1963.
ويبحث المنتدى، إلى جانب حرب الإبادة على غزة، قضايا الاستعمار الاستيطاني وسياسات الاستيطان ونظام الأبارتايد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما يناقش الأدوار الدولية في المرحلة المقبلة، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.
ويُذكر أن أعمال اليوم الأول شهدت انعقاد الطاولة المستديرة الأولى ضمن ورشة عمل "نحو أطر فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة"، بعنوان "غزة بعد وقف إطلاق النار: الواقع الإنساني وحدود التعافي"، في إطار التأكيد على أولوية الرؤية الفلسطينية في أي مسار لإعادة الإعمار.
وتُستكمل أعمال المنتدى خلال الأيام المقبلة بسلسلة جلسات وندوات بحثية ومسائية، من بينها محاضرة عامة يلقيها المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة، إضافة إلى نقاشات سياسية وأكاديمية معمّقة حول آفاق القضية الفلسطينية في مرحلة ما بعد حرب الإبادة.
ويأتي المنتدى ضمن مبادرة أكاديمية سنوية أسهمت في دوراتها السابقة في إنتاج معرفة علمية معمّقة عن فلسطين وقضيتها، ونُشرت غالبية أوراقها في دوريات علمية عربية ودولية، كما وفّرت فضاءً للحوار بين الباحثين والفاعلين والنشطاء في فلسطين، وفي حركات التضامن حول العالم.
