نقاشٌ "حذر" حول المشروع الوطني الفلسطيني.. محاضرة لـ عزمي بشارة في منتدى فلسطين

الأحد 25 يناير 2026

ألقى المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، د. عزمي بشارة، محاضرة عامة بعنوان "المشروع الوطني الفلسطيني: في السياق الدولي/العربي الراهن" ضمن أعمال المنتدى السنوي لفلسطين - الدورة الرابعة، والمنعقد في العاصمة القطرية الدوحة.

وبدأ بشارة محاضرته بالحديث عن بدايات انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني في عام 2013 والذي جاء حينها بعنوان "قضية فلسطين مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، ومن ثم انعقاده في عام 2015 بعنوان "ندوة أكاديمية للبحث في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني" حيث تكرر ورود النقاشات حوله داخل بيئة المركز وشبكته الأكاديمية.

ووقف بشارة على أهمية انعقاد المنتدى الفلسطيني في ظل الظروف العصيبة التي تعصف بالقضية الفلسطينية عقب مرور عامين على حرب الإبادة التي اندلعت على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، متطرقاً إلى محاولات التصفية السياسية للمشروع الوطني الفلسطيني في خضم التحولات الكبرى التي يمر بها الشعب الفلسطيني وقواه السياسية بعد تلك الحرب وما يرافقه من الضم الزاحف للضفة الغربية، قائلاً: "إنه ربّما يكون انعقاد المنتدى السنوي لفلسطين بعد حرب الإبادة، المستمرّة بكثافة منخفضة والمتحولة إلى محاولة تصفية سياسية للمشروع الوطني الفلسطيني مناسبةً لعودة حذرة إلى مناقشته".

وناقش بشارة في بداية محاضرته ما وصفه بالمطابقة الرائجة بين المشروع الوطني والبرنامج السياسي باعتباره مكوّنٌ رئيسٌ في أي منظومة سياسية تستحق أن تسمى المشروع الوطني والذي عبره ترسى المبادئ وتوضع الأهداف للوصول إلى صياغة استراتيجية تحقق بناء على معطيات الواقع وإمكاناته.

أهميّة السياق العربي- الدولي وأثره الحاسم في المشروع الوطني الفلسطيني

وأشار إلى أن الأهداف السياسية يُمكن أن ترد في مقال سياسي عابر أو خطاب، وورودها هذا لا يجعل منها مشروعًا وطنيًا مؤكداً أن "المشروع الوطني يشمل الأهداف والقوى الحاملة لها، والمؤهلة لادعاء أنها تمثل الشرعية الوطنية، بما يعني في الحد الأدنى تفاعل أوساط شعبية واسعة معها وتأييد البرنامج الذي تطرحه".

ووقوفاً على الحالة الفلسطينية يؤكد بشارة أن السياق الإقليمي والدولي اكتسب أهميّةً تفوق أهميته في حالات حركات التحرّر الوطني الأخرى، نظراً لتشابك القضية الفلسطينية مع الاستعمار الأوروبي، والمسألة اليهودية في أوروبا، والمسألة العربية، ونشوء الدول العربية المستقلة مشيراً إلى أن هناك أدلة تثبت أهميّة السياق العربي- الدولي وأثره الحاسم في المشروع الوطني الفلسطيني، والذي يشمل البرنامج السياسي والقوى الاجتماعية - السياسية الحاملة له.

وتناول بشارة أهمية الكفاح المسلح ضمن المشروع الوطني الفلسطيني وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عقب تهجير الفلسطينيين من ديارهم عام 1948 تأكيدًا على الكيانيّة الفلسطينيّة الواحدة، في سياق "صراع عربي – إسرائيلي".

وتطرق بشارة إلى الهزيمة العسكرية لحرب عام 1967، التي وصفها بأنها فرضت حوامل سياسية جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني سيطرت على منظمة التحرير، وهي فصائل الكفاح المُسلّح.

وقال بشارة: "إن البرنامج السياسي للمنظمة لم يتغير فعليًا، ولكن أصبح الكفاح المُسلّح الفلسطيني هو الطريق الوحيد لتحقيق البرنامج وفقًا لرؤية القيادة الجديدة"، مشيراً إلى أن هذا التأكيد ضُمِّن في الميثاق الوطني وعليه كانت مواصلتها الكفاح المسلح في ظرف الهزيمة مصدر شرعية سيطرة الفصائل على المنظمة.

وفي هذا الشأن ألقى بشارة الضوء على عاملين أساسين فيما يتعلق بقناعة أصحاب خيار الكفاح المسلح بكونه الخيار الوحيد لتحرير فلسطين تأثراً بحركات التحرّر الوطني في آسيا وأفريقيا، ولا سيما في الجزائر وفيتنام.

الكفاح المسلّح تحول إلى وسيلة صراع بين الفلسطينيين على القيادة

ويقول بشارة في العامل الأول بأن استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي بعد الهزيمة العربية التي بررت سيطرة هذه الفصائل على منظمة التحرير، ووجود دول عربية رافضة للسلام مع "إسرائيل" بشروطها، ومستعدة لاحتضان المقاومة ومن ثم نزاع هذه الأنظمة على الزّعامة مع تناقض مصالحها وتحالفاتها، عبر تيارات وقوى فلسطينية مختلفة، وتأجيج الخصومة بينها. وما تبعه من عوامل أخرى جعل هذه الأنظمة تستخدم العمل المسلح الفلسطيني في الضغط على جبهات أخرى. ومن ثم أباحت لنفسها السيطرة على القرار الفلسطيني وإخضاعه لأجنداتها من حين لآخر

وفي العامل الثاني يرى عزمي بشارة أن الكفاح المسلّح الفلسطيني لم يكن فقط مواجهة مع الاستعمار الاستيطاني، بل كان أيضًا ساحة صراع على القيادة داخل الحركة الوطنية الفلسطينية.

وأشار إلى أن في بداياته، وُجّه الفعل المسلّح ضد القيادة السياسية التقليدية لمنظمة التحرير، التي كانت تمثل نخب المدن وتعتمد على النظام العربي، خاصة مصر قبل 1967. وبعد سيطرة الفصائل المسلحة على المنظمة، تمحور الفعل السياسي حول تثبيت استقلالية القرار الفلسطيني بقيادة فتح، والتنافس الفصائلي داخل المنظمة لإثبات الدور والشرعية عبر مؤشرات كمية مثل عدد العمليات والشهداء، لا عبر مدى التقدم في تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحرير فلسطين.

ويؤكد بشارة أن شعار "الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين" لم يُترجم إلى استراتيجية تحرير واضحة، إذ ظل التعويل قائمًا على حرب عربية شاملة، في ظل وجود غالبية الشعب الفلسطيني خارج فلسطين.

لذلك، يعتقد بشارة أن الكفاح المسلح لم يُقيّم تاريخيًا على أساس علاقته بتحقيق البرنامج السياسي، بل جرى التركيز على إنجازات رمزية مثل الحفاظ على الهوية ورفض الاحتلال.

ويعزو بشارة صعوبة تقييم هذا الخيار نقديًا إلى تداخله العميق مع الذاكرة الجماعية الفلسطينية، التي تختلف عن التاريخ، فالذاكرة انتقائية وحاضرة في الوعي والهوية، بينما التقييم التاريخي يفترض مسافة نقدية مع الماضي انطلاقًا من الحاضر.

لا يوجد حتى الآن مشروع وطني فلسطيني موحَّد

وانتقل بشارة إلى قسم آخر من محاضرته تناولت التحولات التي فرضها مسار "الأرض مقابل السلام" وتأثيره على المشروع الوطني الفلسطيني عقب اتفاق كامب ديفيد وفشل التصدي له عربيًا.

وقال بشارة إن: "تلك الحرب افتتحت مرحلة جديدة في تاريخ الكفاح المُسلّح الفلسطيني، الذي حملت رايته فصائل منتمية إلى منظّمة التحرير الفلسطينيّة، فقد انسدت الجبهات العربية كلها في وجهه". وأكد أن العمل المسلح كان قد تحول من وسيلة إلى مبدأ، ومبرر وجود، لافتاً إلى أن القوى الوطنية لا تتنازل عن المبادئ نتيجة لضغوط العدو.

وأوضح بشارة أنّ انتقال مركز الثقل في المواجهة من العمل المسلح خارج فلسطين إلى النضال الجماهيري داخلها توّج بالانتفاضة الشعبية الأولى، وترافق مع تحوّل جوهري في البرنامج السياسي لمنظمة التحرير، وصولًا إلى إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، ثم مسار أوسلو وما نتج منه من تغيير جوهري في المشروع الوطني.

الانقسام أهم أسباب تهميش القضية الفلسطينية دولياً

وفي هذا السياق، تناول بشارة الانقسام الذي تولد بعد الاتفاق على إقامة دولة فلسطينية بين الفصائل المتصارعة مشيراً إلى أنه لم يعد هناك مشروع وطني فلسطيني واحد على الرغم من الاتفاق على برنامج إقامة دولة فلسطينية لكن ظل هناك مشروعان مختلفان، بل ومتصارعان بحدّة منذ عام 2007 إلى درجة المواجهة المسلّحة، فضلا عن وقع الشرخ السياسي والجغرافي بنشوء سلطتين، واحدة في الضفة الغربيّة والأخرى في قطاع غزّة.

وعطفاً على ما سبق تحدث بشارة عن تبعات اتفاقيات أوسلو التي التزمت بالتنسيق الأمني مع الاحتلال بقيادة حركة فتح، في حين ظلت السلطة الأخرى محاصرة في غزة بقيادة حركة حماس والتي لم تتخلَّ عن خيار المقاومة المسلحة وبالتالي أًصبح هناك انقسام بين سلطتين في الضفة الغربية وقطاع غزة وأصبح الانقسام من أهم أسباب تهميش قضية فلسطين دوليًا.

طوفان الأقصى.. عملية افتتحت مرحلة جديدة

انتقالاً إلى القسم الأبرز في التحولات التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية، تطرق بشارة إلى عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، متناولاً خلفياته ممثلة بإصرار "إسرائيل" على مواصلة تشديد الخناق على قطاع غزة، وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس، بما في ذلك الحرم القدسي الشريف.

ويرى بشارة أن التحولات التي أعقبت "الرد الإسرائيلي" الواسع على عملية طوفان الأقصى، والدعم الأميركي والدولي له، جعلت من الصعب الاستمرار في التفكير بالمشروع الوطني الفلسطيني انطلاقًا من المسلّمات والأدوات نفسها.

وأوضح أن الرد "الإسرائيلي" حوّل العملية من حدث صادم إلى نقطة مفصلية افتتحت مرحلة جديدة اتسمت بتوسّع النفوذ "الإسرائيلي" في المنطقة، وتوجيه ضربات لمحور المقاومة، إلى جانب ما تعرضت له حركة حماس وسلطتها في قطاع غزة، وما لحق بالفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

وأشار المفكر العربي إلى أن الاهتمام الدولي انصرف من البحث عن حل عادل للقضية الفلسطينية إلى التركيز على إدخال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، تحت رقابة دولية و"إسرائيلية".

وذكّر بأن الحروب العربية–الإسرائيلية توقفت منذ عام 1973، وأن المواجهات اللاحقة كانت حروبًا "إسرائيلية" ضد قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وصولًا إلى حرب الإبادة على غزة، في ظل انقسام عربي وغياب سند إقليمي فعلي لخيار الكفاح المسلح.

وفيما يتعلق بالتغيّرات الكبرى التي أفرزتها حرب الإبادة في الرأي العام العالمي في أوروبا والولايات المتحدة على نحوٍ خاص، صنف بشارة الاهتمام الدولي بقضيّة فلسطين منذ ذلك الحين في فئتين، ضمت الأولى منها محاولات مختلفة لبذل جهود في احتواء القضية في ظل حرب الإبادة، مثل عقد مؤتمر دولي لإعادة الاعتبار لحل الدولتين الذي تهمّش تمامًا في السنوات الأخيرة قبل عمليّة طوفان الأقصى.

أما الثانية فهي من الاهتمام الدولي عبر حركات التضامن العالميّة، التي لم يعرف الفلسطينيون ما يقترب من عمقها واتساعها منذ عام 1948، حتى درجة التضامن العالمي المرتفعة جدًا مع الانتفاضة الأولى، بسبب اتخاذها شكل صراعٍ سلمي بين قوّة محتلّة وشعب رازح تحت الاحتلال بحسب بشارة.

ويعتقد بشارة أن العائق الرئيس أمام تطوّر حركة الاحتجاج ضد الممارسات "الإسرائيلية" التي يجب تحويلها إلى حركة تُشبه حركة التضامن مع النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، هو عدم وضوح المشروع الوطني الفلسطيني الذي يفترض أن يوجهها ويعمل على استدامتها بعد توقف الحرب مؤكداً على أنه على الرغم من كونها مناهضة للاحتلال إلا أنها ليست مؤيدة لمشروع وطني فلسطيني.

وشدد بشارة في اختتام محاضرته على أن بناء المشروع الوطني لا يتم بمعزل عن الفصائل الفلسطينية بوصفها قوى سياسية واجتماعية قائمة وذات رصيد، ولا يمكن الاستخفاف بدورها وتجربتها مبيناً أنها تحتاج إلى مراجعة سياساتها ونهج عملها، وربما اندماج بعضها.

وحذر بشارة من أنه دون مشروع وطني تحرري جامع للقوى الفلسطينية والمؤسسات في الداخل والخارج وملتزم بالهدف السياسي، تتحول الجدلية البنّاءة أعلاه بين الوطني والمدني، وبين الأهداف الوطنية ومقتضيات المرحلة، إلى صراعات سياسية على السلطة قبل التحرر من الاحتلال ومن نظام الفصل العنصري، وتنشأ الديناميكية المدمرة التي قادت إلى المرحلة الحالية منذ اتفاقيات أوسلو.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين/ متابعات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد