نفذ لاجئون فلسطينيون صباح اليوم الثلاثاء 27 كانون الثاني/ يناير، وقفات احتجاجية أمام مكاتب مدراء وكالة "أونروا" بعدد من المناطق والمخيمات في لبنان، رفضاً لقرارات إدارة الوكالة بتخفيض الرواتب وتقليص ساعات العمل.
وجاءت هذه التحركات رفضاً لقرارات المفوض العام لوكالة "أونروا" "فيليب لازاريني"، القاضية بتخفيض رواتب الموظفين وتقليص ساعات العمل بنسبة 20% ابتداءً من الشهر الجاري، في خطوة وصفها المحتجون بأنها "تعسفية" وتستهدف الموظفين واللاجئين على حد سواء. وخلال الوقفة التي شهدتها منطقة ثعلبايا في البقاع الأوسط، سلّم المشاركون مذكرة مطلبية إلى مدير منطقة البقاع، الأستاذ أحمد موح، طالبوا فيها بالتراجع الفوري عن هذه القرارات.
تقليص الخدمات يفاقم معاناة اللاجئين
وفي كلمة باسم اللجنة العليا لمتابعة شؤون "أونروا" في لبنان، ألقاها أبو إياد شعلان، أكد أن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يعيشون أوضاعاً معيشية وإنسانية بالغة الصعوبة، ازدادت حدتها بعد القرارات الأخيرة الصادرة عن الوكالة، ولا سيما تلك المتعلقة بتقليص الخدمات الأساسية في قطاعات التعليم والصحة والإغاثة والشؤون الاجتماعية.
وأشار شعلان إلى أن هذه التقليصات جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وأدت إلى انعكاسات خطيرة تمثلت في تراجع جودة التعليم، وإضعاف النظام الصحي، وزيادة الأعباء على المرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الطارئة.
وشدد على أن اللاجئين الفلسطينيين ليسوا مسؤولين عن الأزمة المالية التي تمر بها "أونروا"، ولا يجوز تحميلهم تبعات عجز التمويل عبر تقليص الخدمات التي تشكل شريان الحياة الأساسي لهم.
وحمّل شعلان الدول المانحة المسؤولية الكاملة عن تفاقم الأزمة نتيجة عدم التزامها بتعهداتها المالية، مؤكدا أن "أونروا" ليست مؤسسة خيرية، بل وكالة أممية أُنشئت بموجب قرار دولي، وتقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية لضمان استمرارية عملها.
وختم شعلان كلمته بالمطالبة بالتراجع عن القرارات الأخيرة المتعلقة بتقليص ساعات العمل، ولا سيما في لبنان، داعياً إلى إشراك ممثلي اللاجئين ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في أي قرارات تمس حياتهم وحقوقهم، واعتماد خطط طوارئ تحمي الفئات الأكثر ضعفًا بدل تحميلها كلفة العجز المالي.
اللجان الشعبية: لا لتقليص الخدمات والتمسك بحقوق اللاجئين
بدوره، ألقى أمين سر اللجان الشعبية في البقاع، عبد الرحيم عوض، كلمة أدان فيها الإجراءات التي اتخذتها رئاسة "أونروا"، والمتمثلة في استهداف رواتب الكوادر الوظيفية، وزيادة أعباء العمل، وتهديد الاستقرار المهني للعاملين.
واعتبر أن هذه الخطوات لا يمكن اختزالها بتدابير مالية، بل تمثل عدواناً صريحاً على لقمة عيش الموظف الفلسطيني وعموم الشعب الفلسطيني، واستهدافاً مباشراً لجودة ومستقبل الخدمات الحيوية المقدمة للاجئين.
وأكد عوض أن ما يجري ليس وليد الصدفة، بل يأتي في سياق مخطط ممنهج يهدف إلى تقويض أركان الوكالة وإفراغها من مضمونها القانوني والسياسي، مشيراً إلى أن المساس بالهيكل الوظيفي يشكل الخطوة الأولى نحو تقليص الخدمات، تمهيداً لتحويل "أونروا" من مؤسسة دولية تجسد المسؤولية السياسية للمجتمع الدولي تجاه قضية اللاجئين، إلى هيئة إغاثية مؤقتة ومتهالكة، في سياق تصفية ملف اللاجئين وإسقاط حق العودة.
واعتبر أن محاولة سد العجز المالي عبر الضغط على الموظفين واللاجئين تشكل انحرافاً أخلاقياً وإدارياً عن تفويض الوكالة وهروبًا من مسؤوليات المجتمع الدولي والدول المانحة.
وبناءً عليه، أعلنت اللجان الشعبية تمسكها بجملة من الثوابت، أبرزها: "الرفض المطلق لكافة الإجراءات التعسفية والمطالبة بإلغائها فوراً، والمساندة الكاملة للتحركات النقابية والمطلبية التي يخوضها الموظفون، واعتبار معركتهم جزءًا لا يتجزأ من معركة حماية أونروا، والتمسك بالولاية القانونية للوكالة ورفض أي محاولة لتقزيم دورها أو تفكيك بنيتها، ومطالبة الأطراف الدولية والدول المضيفة واللجنة الاستشارية بالتدخل العاجل لوقف هذا المسار الذي يهدد الاستقرار الاجتماعي والمعيشي في المخيمات".
لاجئون فلسطينيون يحذرون: تقليص ساعات العمل يهدد التعليم والصحة
وفي شهادتها، طالبت اللاجئة الفلسطينية من ثعلبايا، فريال زيداني، وكالة "أونروا" عبر بوابة اللاجئين الفلسطينيين بالاستمرار في تقديم الخدمات الصحية، ولا سيما علاج الأمراض المستعصية والسرطان، مؤكدة أن الوكالة تشكل الشاهد الحي الوحيد على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وأشارت إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اللاجئون داخل المخيمات وخارجها، متسائلة بمرارة عن كيفية قدرة الناس على العلاج، معتبرة أن تقليص الخدمات الصحية والتعليمية يهدد مستقبل الأجيال ويهدف إلى تجهيل الشعب الفلسطيني، مطالبة في الوقت ذاته بمراعاة أوضاع موظفي "أونورا".
من جهتها، أكدت اللاجئة الفلسطينية أحلام عزام من برالياس، لموقعنا، أن القطاع التعليمي بحاجة ماسة إلى إصلاح جذري، في ظل تدهور المستوى التعليمي واعتماد نظام الترفيع الآلي ودمج الصفوف، ما انعكس سلبًا على الطلاب. وطالبت بإدارة أكثر صرامة تتحمل مسؤوليتها تجاه الطلاب، لا سيما في ظل انتشار ظواهر الإدمان والتعاطي والتدخين.
كما أشارت إلى تعقيدات القطاع الصحي، ولا سيما تأخير أو رفض الفحوصات والعمليات الطبية بانتظار موافقات مركزية، في وقت لا تحتمل فيه بعض الحالات المستعصية أي تأخير.
وفي سياق متصل، شهدت منطقة صور وقفة احتجاجية نفذها اتحاد الموظفين المحليين أمام مكتب "أونروا"، حيث ألقى نائب المجلس التنفيذي في لبنان، الأستاذ رائد أحمد، كلمة طالب فيها الوكالة بالتراجع عن قرارات تخفيض الرواتب والخدمات، معتبرًا أنها تشكل خرقًا قانونيًا جسيمًا وانتهاكًا صريحًا لمنظومة العمل المعتمدة في "أونروا"، وتمس بشكل مباشر أسس العلاقة التعاقدية التي تحكم حقوق وواجبات الموظفين.

ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتراجع خدمات "أونروا" يؤكد اللاجئون الفلسطينيون تمسكهم بحقوقهم الأساسية في قطاعات التعليم والصحة والعمل، محذرين من أن أي مساس بهذه الحقوق من شأنه أن يزيد من حدة الأزمات الاجتماعية والمعيشية داخل المخيمات وخارجها.
وفي ظل تصاعد التحركات والاحتجاجات، يطرح اللاجئون تساؤلات مفتوحة حول ما إذا كانت "أونروا"ستتراجع عن قراراتها تحت ضغط الشارع وتحمّل المجتمع الدولي لمسؤولياته، أم أن اللاجئ الفلسطيني سيواجه موجة جديدة من التقليصات التي تهدد استقراره وكرامته الإنسانية.

