كل من مرّ في مخيم الجليل في البقاع اللبناني لا بد أن يعرف العم طه، صاحب أقدم دكان للخضار في المخيم؛ إذ لا يقتصر محله الصغير على عرض الخضراوات والفواكه، بل يختزن بين جدرانه ذاكرة المخيم، وحكاية لجوء، وعلاقة إنسانية ممتدة مع أجيال من سكانه.

بين أزقة المخيم وتفاصيل الحياة اليومية، يقف محل العم طه شاهدًا على أكثر من ثلاثة عقود من العمل المتواصل. دكان بسيط في شكله، لكنه غني بحكاياته، ويشكّل محطة يومية لأهالي المخيم، كبارًا وصغارًا.

يروي العم طه بداياته لبوابة اللاجئين الفلسطينيين قائلًا إنه بدأ العمل في بيع الخضار عام 1990، حين كان يبيع على عربة في مدينة بعلبك، في منطقتي الثورة والعديد.

هناك تعلّم العم طه المهنة خطوةً خطوة، مستندًا إلى خبرة اكتسبها منذ أيام عمله مع والده، الذي كان يملك بسطة قرب سوق اللحامين بجانب بيت المنيني. ويضيف أنه جلس طويلًا إلى جانب والده، وتعلّم منه أصول المهنة، ليستمر فيها لسنوات طويلة رغم صعوباتها.

ويشير العم طه إلى أن العمل في البسطات ليس سهلًا، خاصة مع أعباء التحميل والتنزيل التي تتطلب جهدًا كبيرًا، إلا أن ذلك لم يمنعه من الاستمرار. ويؤكد أنه معروف في المخيم منذ كان طفلًا، وأن الأطفال يعرفونه منذ سنوات طويلة، منذ كانوا في عمر ثلاث أو خمس أو ست سنوات، أيام الروضات.

ويستعيد ذكرياته مع أطفال الروضات الذين كان يبيعهم الفول والترمس والذرة (العرانيس)، إضافة إلى البرقوق والخوخ، موضحًا أنه أحب الأطفال كما أحب الكبار، وما زال حتى اليوم يلمس محبتهم له؛ إذ يأتون إلى محله، وينادونه بودّ ويقصدونه باستمرار.

WhatsApp Image 2026-01-25 at 22.29.56.jpeg

ويقول أحد زبائن المحل إن أهالي المخيم اعتادوا منذ بداياتهم الشراء من عند العم طه، رغم وجود سوق قريب، مشيرًا إلى أن حسن المعاملة ومحبة الناس له، خاصة مع أهالي المخيم، جعلت العائلات تتمسك به. ويضيف أن والدته كانت تشتري منه، وهم بدورهم عودوا أبناءهم على ذلك، معتبرًا أن العم طه أصبح رمزًا من رموز المخيم.

ويوضح العم طه أن محله الشعبي، رغم عمره الطويل، لا يبيع جميع الأصناف، إذ يتجنب عرض المنتجات المرتفعة الثمن مثل القشطة، والأفوكادو، وجوز الهند، والفراولة، لأنها غالية وقد تتلف وتسبب خسارة.

ويؤكد أن هدفه الأساسي هو توفير الطعام للناس بأسعار مقبولة، بحيث يتمكن الزبون من شراء حاجاته وإطعام أولاده بنحو نصف السعر مقارنة بالأسواق الخارجية.

ويبيّن أن معظم زبائنه من داخل المخيم، مع وجود عدد قليل من القادمين من خارجه، لافتًا إلى أن كثيرين يمرون عنده في أوقات المدارس، فيشترون منه أثناء مرافقتهم أبناءهم، أو في طريق عودتهم، بسبب فارق الأسعار.

ويقارن العم طه بين الأسعار داخل المخيم وخارجه، موضحًا أن التعاونيات والأسواق الخارجية غالية، فيما يشبه محله السوق الشعبي الذي يناسب إمكانات الجميع.

وتؤكد إحدى الفلسطينيات أن أسعار العم طه جيدة، وأن التعامل يسوده الودّ والمحبة، فيما يشير فلسطيني آخر إلى أنهم يعرفونه منذ طفولتهم في هذا الحي، ويشترون من دكانه لقربه من منازلهم، ولمناسبة أسعاره، إضافة إلى بشاشة وجهه وحسن تعامله.

ويختم العم طه حديثه بالتأكيد على البعد الجماعي والإنساني لعمله، قائلًا إن المخيم هو بيتهم، وأهله أهلهم، وهم جميعًا أبناء فلسطين، ما يفرض عليهم التحلي بالمحبة ومساعدة بعضهم البعض، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تتطلب تكافلًا اجتماعيًا.

ويشير إلى أن هناك أيامًا تمرّ على الناس من دون أن يكون في جيوبهم مال، ما يدفعه إلى البيع بأرخص الأسعار الممكنة، وأحيانًا اعتماد التعامل إلى نهاية الشهر. لكنه يلفت إلى أن هذه الآلية ليست سهلة؛ إذ إن التجار أنفسهم يحتاجون إلى حساب مفتوح أو إذن عند شراء البضائع، فضلًا عن غياب الإعانات، وعدم قدرة الجميع على الالتزام بالسداد، حتى من يستدين. ورغم قسوة الظروف، يؤكد العم طه أنه يحاول الصمود، والبقاء إلى جانب أهله، قدر المستطاع.

شاهد/ي التقرير

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد