اتُهم الفيلم الفلسطيني "الي باقي منك" الذي رشح لجائزة الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم روائي دولي لعام 2026، عن دولة الأردن، بتمرير معانٍ ترمي إلى التطبيع مع الاحتلال عبر مشاهد حملت انتقادات حادة وأوحت بإزالة الحاجز العدائي بين الفلسطيني والاحتلال "الإسرائيلي" ضمن مفاهيم "التعايش والتجانس"، وهو الذي أُخرج ومُثل عبر جمع متنوع من الممثلين في مقدمتهم فلسطينيون.

تبدأ قصة فيلم "الي باقي منك" من مدينة يافا إحدى أعرق المدن الفلسطينية تاريخياً وثقافياً، حينما عادت ذاكرة عائلة فلسطينية ممثلة بثلاثة أجيال لبدايات الاشتباك مع الاحتلال الذي استولى على المدينة، حيث يحكي الفيلم كيف استطاع من تبقى في المدينة الاحتفاظ بذكريات أجدادهم وثقافتهم وعاداتهم، ليكونوا تجسيدًا حيًّا للهُوية.

ويقود حبكة الفيلم مراهق فلسطيني انخرط في الاشتباكات التي كانت دائرة آنذاك مع الاحتلال في الضفة الغربية ضمن جملة من الأحداث التي عكست رؤية مختلفة لما يعانيه الفلسطينيون، قدمتها الكاتبة والمخرجة الأردنية شيرين دعيبس، وشارك في التمثيل نخبة من أبرز الممثلين الفلسطينيين والعرب، من بينهم صالح بكري، وآدم بكري، ومحمد بكري، وماريا زريق، إضافة إلى مشاركة المخرجة شيرين دعيبس نفسها في التمثيل.

اتحرك: محاولةٌ لإثبات إنسانية الفلسطيني بدلاً من إظهار وحشية المُحتل

واعترض "تجمع اتحرك" لدعم المقاومة ومجابهة التطبيع على العمل بوصفه أحد الأعمال الفنية التي تجرد الاحتلال من مسؤوليته كقوة استعمارية تحتل الأرض، علاوة على أن بعض القائمين على هذه الأعمال تورطوا سابقًا في التمثيل بمسلسل فوضى "الإسرائيلي"، أو في أفلام "إسرائيلية"، بينهم الممثلين محمود مرة وصبحي حصري، ما يضع هذه الأعمال ضمن سياق مشبوه يتعارض مع معايير المقاطع، وفق الحملة.

يقول محمد العبسي، مسؤول تجمع "اتحرّك"، لبوابة اللاجئين: إن تقييم الأعمال السينمائية والفنية يجب أن يستند إلى معايير وطنية واضحة، تنطلق من جوهر القضية الفلسطينية"، محذرًا من خطورة الترويج لأعمال تفرغ الصراع من مضمونه التحرري وتقدّمه في إطار "إنساني" يتجاهل الطبيعة الاستعمارية للاحتلال.

قرار عائلة الفتى الذي ارتقى برصاص جيش الاحتلال داخل الفيلم، التبرع بأعضائه "لإسرائيلي" قبل أن يقترح أطباء الاحتلال نقله بكل سهولة إلى أحد مشافي حيفا المحتلة، كان أكثر المشاهد جدلاً بوصفه قد يجعل العالم مكانا أكثر تسامحا" كما عكست وجهة نظر القائمين على العمل الفني فيما اعتبره البعض يسعى لإثبات إنسانية الفلسطيني الذي لا يزال يتعرض للقمع والقتل "الإسرائيلي" بدلاً من إثبات وحشية المحتل وعدوانه.

ويعتقد عبسي أن العمل الفني يطرح قصة تحمل طابعاً إنسانياً ظاهرياً لكنها في جوهرها تساوي بين الضحية والجلاد، وتُقدّم رسائل مضللة للمتلقي، لافتاً إلى أن الشعب الفلسطيني أجبر تاريخيًا على أن يكون ضحية بفعل الاحتلال والاستعمار والإبادة العرقية، لذا فإن التعامل مع هذه الضحية لا يمكن أن يكون بمعزل عن السياق السياسي والوطني.

سردياتٌ تفرّغ القضية الفلسطينية من مضمونها الحقيقي

وأكد أن أي عمل سينمائي أو فني لا يقدم القضية الفلسطينية من منطلق تحرري، ولا يدافع عن الحق الفلسطيني في المقاومة، ولا يكشف طبيعة الاحتلال وجرائمه، هو عمل مرفوض ويدخل في إطار التطبيع الثقافي.

وأضاف: "نحن لا نروّج لخطاب إنساني على حساب الطابع السياسي والوطني، بل نُصرّ على فضح الاحتلال من خلال أعمال وطنية وثقافية تُظهر جرائمه، بما في ذلك سرقة أعضاء الأسرى والشهداء، وهي جرائم موثقة كان آخرها ما تكشّف خلال حرب الإبادة على غزة".

وأشار عبسي إلى أن بعض هذه الأفلام مثل "الي باقي منك" تروي قصصًا تنتهي بتبرع شهيد فلسطيني بعضو من أعضائه لـ"إسرائيلي"، رغم رفضه الخدمة في جيش الاحتلال، معتبرًا أن مثل هذه السرديات "تفرغ القضية من مضمونها التحرري، ولا تُعرّي الاحتلال كقوة استعمارية، بل تساهم في تبييض جرائمه".

وتقوم بنود معايير مؤسسة "اتحرك" للمقاطعة الثقافية للأفلام والأعمال السينمائية على حظر كل فيلم يدعو للتطبيع مع العدو "الإسرائيلي" إلى جانب حظر كل فيلم يسهم فيه أي أردني أو عربي يتعامل مع أية جهة في كيان العدو ولو كان وثائقياً لا تمثيل فيه.

وتستثني تلك المعايير فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 حيث الاضطرار للتعامل مع مؤسسات الاحتلال في مجالات مفروضة مثل الجنسية، والعلاج، والتعليم، لكن عبسي شدد في المقابل على أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال الترويج للصهيونية، أو تمثيل دولة الاحتلال في أي محفل دولي.

ودعا العبسي إلى مقاطعة هذه الأعمال الفنية والسينمائية، مطالبًا الجمهور بتخفيض تقييمها وتوضيح أسباب ذلك، لأنها – بحسب قوله – تُسوّي بين الضحية والجلاد، ولا تُبرز الحقيقة الجوهرية للصراع بوجود مستعمر وجلاّد وشعب واقع تحت الاحتلال.

وأكد أن الصراع مع الاحتلال يجب أن يظل حاضرًا في الأعمال الفنية والثقافية طالما أن الاحتلال قائم، وأن تحمل هذه الأعمال رسالة سامية تقوم على حق المقاومة، والدفاع عن الأرض، ودحر الاحتلال، وحماية الوجود الفلسطيني، وحق العودة.

وختم العبسي بالتشديد على أن الفن لا يمكن فصله عن القضية الوطنية، معتبرًا أن الادعاء بأن العمل الفني "محايد أو غير سياسي" هو ادعاء مضلل، مضيفًا: "الكيان الصهيوني يوظف السينما والثقافة لتبرير وجوده وإبراز سرديته حول التعايش والانسجام، ولذلك لا يمكننا فصل العمل السينمائي عن السؤال الجوهري: ماذا نريد أن يصل إلى وعي المتلقي؟؟

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد