أعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" استمرار أزمتها المالية الحادة، نتيجة تعليق التمويل من قبل مانحين رئيسيين وعدم كفاية المساهمات المقدّمة من شركاء آخرين، ما أدى إلى عجز مالي متوقّع يبلغ نحو 220 مليون دولار أمريكي خلال عام 2026، الأمر الذي دفع الوكالة إلى اتخاذ إجراءات تقشّفية تطال ساعات العمل في جميع أقاليم عملياتها، بما فيها لبنان.
وذكرت الوكالة، في بيان موجّه إلى مجتمع الفلسطينيين في لبنان، اليوم السبت 31 كانون الثاني/يناير 2026، أن المفوض العام أعلن في 14 كانون الثاني/يناير خفض ساعات عمل الموظفين والتكاليف المرتبطة بها بنسبة 20% اعتبارًا من 1 شباط/فبراير، كإجراء يهدف، بحسب الوكالة، إلى حماية الاستقرار المالي وولاية الوكالة وضمان استمرارية تقديم خدماتها.
وبموجب القرار، ستطبّق "أونروا" في لبنان ترتيبات عمل معدّلة أسوة ببقية أقاليم العمليات (الأردن، قطاع غزة، سوريا، والضفة الغربية)، مع تأكيد إدارة الوكالة في لبنان سعيها إلى الحد قدر الإمكان من تأثير هذه الإجراءات على الخدمات المقدّمة.
خدمات لن تتأثر
أكد البيان أن عددًا من الخدمات الأساسية لن يتأثر بتخفيض ساعات العمل، من بينها خدمات الصرف الصحي، بما يشمل إزالة النفايات، وضخ ومعالجة المياه، وصيانة أنظمة المياه في المخيمات الاثني عشر، إضافة إلى استمرار إحالات الاستشفاء إلى المستشفيات المتعاقدة دون أي تغيير وبمستويات التغطية ذاتها.
كما ستواصل مكاتب خدمات المخيم والمجتمع المحلي عملها كالمعتاد، إلى جانب استمرار مشاريع البناء، بما فيها إعادة إعمار مخيم نهر البارد، دون تأثر.
ترتيبات معدّلة لبعض القطاعات
في قطاع التعليم، ستواصل جميع مدارس "أونروا" عملها خمسة أيام أسبوعيًا لضمان استمرارية العملية التعليمية، مع احتمال إدخال تعديلات طفيفة على ساعات الدوام، سيتم إبلاغ الأهالي بها عبر إدارات المدارس.
أما مركز سبلين للتدريب، فسيواصل متدرّبو الامتياز (TS) والبكالوريا الفنية (BT) الدوام خمسة أيام من الاثنين إلى الجمعة، فيما يداوم متدرّبو التدريب القائم على الكفايات (CBT) أربعة أيام من الاثنين إلى الخميس.
وفي القطاع الصحي، ستعمل المراكز الصحية التابعة للوكالة أربعة أيام أسبوعيًا من الاثنين إلى الخميس، من الساعة 7:15 صباحًا حتى 2:45 بعد الظهر.
وحدّدت الوكالة أرقام مسؤولي الصحة للحالات الطارئة على النحو الآتي: بيروت/المنطقة الوسطى 70888542، صيدا 03936777، الشمال 70088002، صور 70088004، والبقاع 03935777.
كما خصّصت أرقامًا لمسؤولي الاستشفاء: بيروت/المنطقة الوسطى 76683644، صيدا 76683657 و71102170، الشمال 03010243، صور 03927974، والبقاع 03935777.
وبحسب البيان، ستعمل مكاتب الإغاثة والخدمات الاجتماعية أربعة أيام أسبوعيًا من الاثنين إلى الخميس.
وأعربت "أونروا" عن أسفها للوضع المالي الصعب الذي فرض هذه الإجراءات الهادفة إلى ترشيد النفقات، مؤكدة إدراكها للتأثير القاسي على مجتمع الفلسطينيين وموظفيها على حد سواء، ومشددة على مواصلة جهودها للحفاظ على مواردها الأساسية لتجنّب آثار سلبية إضافية، في ظل أزمة تطال منظومة الأمم المتحدة والمنظومة الإنسانية بأكملها.
وختمت الوكالة بالتأكيد على استمرار التزامها تجاه مجتمع الفلسطينيين، مشددة على أنها تواصل تقديم خدماتها في أماكن لا تقوم فيها أي جهة أخرى بهذا الدور.
رفض نقابي وحقوقي
من جهته، أعرب اتحاد المعلّمين في لبنان عن بالغ استغرابه من الترتيبات التي أعلنتها المديرة العامّة للوكالة في لبنان، دوروثي كلاوس، معتبرًا أن ما صدر يوحي بالتعامل مع قرار المفوض العام وكأنه أصبح نافذًا وملزمًا، وكأن المطلوب من العاملين الالتزام به والعمل وفق الآليات المعلنة.
وأكد الاتحاد استمرار رفضه القاطع لقرار المفوض العام، مشددًا على عدم استعداده للتعامل مع مخرجاته أو مناقشة آلياته التنفيذية، باعتباره قرارًا ظالمًا ومرفوضًا، مجددًا التزامه بمسار نزاع العمل مع الإدارة، وبما أعلنه المؤتمر العام بشأن التوجّه إلى الإضراب المفتوح فور انتهاء المهلة المحددة.
وأشار الاتحاد إلى أن آلية الدوام المطروحة للمدارس محكوم عليها بالفشل، لكونها غير تربوية، ولأن العاملين في المدارس مقبلون على تنفيذ إضراب مفتوح التزامًا بقرار المؤتمر العام.
وبناءً عليه، دعا اتحاد المعلّمين في لبنان جميع العاملين في قطاع التعليم إلى البدء بالمقاطعة الإدارية، والتي تشمل: رفض الاجتماعات التي تطلبها الإدارة، أو تدعو إليها، مقاطعة جميع الدورات المعلنة، سواء كانت حضورية أو عبر الإنترنت، مقاطعة تحليل نتائج امتحانات نصف السنة، ومقاطعة إدخال العلامات النصفية على برنامج "إيميس".
كما دعا مدراء المدارس إلى عدم التجاوب مع أي تعديلات على البرامج وفق الآلية التي تطرحها إدارة التعليم، مطالبًا بالالتزام الكامل بتوجيهاته في هذه المرحلة الحسّاسة والخطيرة من تاريخ المؤسّسة.
بدورها، وصفت الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين قرار المفوض العام لوكالة "أونروا" بأنه قرار غير قانوني وتعسّفي، مؤكدة أن تداعياته ستطال موظفي الوكالة والفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس ابتداءً من يوم الأحد 1 شباط/فبراير.
وأشارت الهيئة إلى أن القرار يعدّ سابقة لم تشهدها الوكالة منذ تأسيسها عام 1949، إذ يقضي بخفض ساعات الدوام الأسبوعي من 37.5 ساعة إلى 30 ساعة، ما سينعكس على رواتب الموظفين المشمولين بالقرار بنسبة تصل إلى 20%، وغالبيتهم من العاملين في قطاع التعليم.
وحذّرت الهيئة من أن خفض ساعات العمل سيؤدي إلى تراجع إنتاجية الموظفين، ما سينعكس مباشرة على مستوى الخدمات المقدّمة لأكثر من ستة ملايين فلسطيني، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة والبنى التحتية داخل المخيمات، بنسبة تقدَّر بنحو 20%.
وأضافت أن تبرير القرار بذريعة العجز المالي للوكالة "ادعاء غير دقيق"، مشيرة إلى أن "أونروا" واجهت أزمات مالية متكررة خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية من دون اللجوء إلى إجراءات مماثلة.
واعتبرت الهيئة أن هذا القرار، إلى جانب قرارات أخرى وصفت بالتعسّفية اتُّخذت قبل ومطلع عام 2026، يحمل أبعادًا سياسية، ويتقاطع مع توجهات تستهدف تقليص دور الوكالة، نظرًا لما تمثّله من أهمية استراتيجية للفلسطينيين على المستويات السياسية والقانونية والإنسانية.
