حذّرت دراسة جديدة صادرة عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات "ملف" من أن الأزمة التي تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لم تعد مجرد أزمة مالية، بل تحوّلت إلى أزمة سياسية مركّبة تهدد مستقبل الوكالة ودورها التاريخي.

الدراسة التي حملت عنوان "الأزمة المالية للأونروا وتحولاتها السياسية: التمويل كأداة سياسية لنزع الشرعية الدولية"، أعدّها عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية فتحي كليب، تعد استكمالاً لدراسة سابقة صدرت عام 2025، وتتناول مجموعة من القضايا المحورية المرتبطة بواقع الوكالة ومستقبلها.

وترى الدراسة أن الأزمة الراهنة تعد الأخطر منذ تأسيس "أونروا" عام 1949، نظراً لتشابك أبعادها المالية والسياسية وتعدد الأطراف المنخرطة فيها. وتشير إلى أن تفاقم الأزمة جاء مع بداية عام 2024، عقب تعليق نحو 18 دولة تمويلها للوكالة استجابة لاتهامات "إسرائيلية" طالت عدداً من موظفيها بالمشاركة في عملية طوفان الأقصى /7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وتؤكد الدراسة أن هذه الخطوة لم تكن مجرد رد فعل مالي، بل جاءت في سياق ضغوط دولية أوسع، بالتوازي مع إجراءات "إسرائيلية" غير مسبوقة شملت سحب الاعتراف بالوكالة، والعمل على تشريع قوانين تحظر أنشطتها وتلغي حصاناتها، في مسعى لضرب مكانتها القانونية والسياسية كشاهد دولي على قضية اللاجئين وحق العودة.

وتناقش الدراسة مبررات الدول المانحة لوقف التمويل، مشيرة إلى أن دولاً كبرى سارعت لاتخاذ القرار استناداً إلى مزاعم أمنية دون انتظار نتائج التحقيقات. كما تطرقت إلى شروط أخرى طرحت لاستئناف الدعم، من بينها تعديل المناهج التعليمية، وفرض "حياد" صارم، إضافة إلى المطالبة بإصلاحات إدارية ومالية، وهو ما اعتبرته الدراسة شكلاً من أشكال الضغط السياسي.

كما لفتت إلى محاولات لإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني ليقتصر على الجيل الأول فقط، ما يعني عملياً تقليص أعداد اللاجئين وإضعاف حقوقهم القانونية، وتحويل قضية اللجوء من مسألة سياسية إلى ملف إنساني بحت.

وبحسب الدراسة، اتخذت "أونروا" إجراءات سريعة عقب الاتهامات، شملت إنهاء عقود عدد من الموظفين وفتح تحقيق داخلي، فيما خلصت لجنة تحقيق أممية برئاسة كاثرين كولونا إلى أن "إسرائيل" لم تقدم أدلة تثبت صحة مزاعمها.

وتؤكد الأمم المتحدة، وفق ما ورد في الدراسة، أنه لا يمكن معاقبة مؤسسة تخدم نحو 6 ملايين لاجئ؛ بسبب اتهامات طالت 19 موظفاً فقط من أصل 30 ألفاً، معتبرة أن الحملة تستهدف أيضاً عزل موظفي "أونروا" عن قضيتهم الوطنية وتقييد خطابهم.

مخاطر استبدال "أونروا"

وتحذر الدراسة من الطروحات التي تدعو إلى نقل خدمات "أونروا" إلى وكالات أممية أخرى، أو إلى الدول المضيفة، مؤكدة أن هذا التوجه ينطوي على مخاطر جدية، أبرزها إضعاف التفويض الدولي الممنوح للوكالة بموجب القرار 302، وتهديد برامجها الأساسية في التعليم والصحة.

كما تشير إلى أن "أونروا" تمتلك خبرة تمتد لثمانية عقود في التعامل مع أوضاع اللاجئين، وهي خبرة تفتقر إليها المنظمات الأخرى، فضلاً عن أن أي تقليص لدورها قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة، في ظل اعتماد عشرات آلاف الموظفين على وظائفها.

وتسلط الدراسة الضوء على تراجع المساهمات العربية في تمويل الوكالة خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفضت نسبتها إلى نحو 3% فقط عام 2025، مقارنة بمساهمات بارزة في عام 2018 بلغت نحو 200 مليون دولار من دول عربية عدة.

وترى أن هذا التراجع يعكس تحولات سياسية، منها الاستجابة لضغوط أمريكية تدفع نحو إعادة توجيه الدعم إلى مسارات بديلة أو عبر اتفاقيات ثنائية، ما يزيد اعتماد "أونروا" على التمويل الغربي، ويجعلها أكثر عرضة للضغوط.

وعلى الصعيد المالي، تكشف الدراسة عن تحول في طبيعة عمل "أونروا" من التنمية إلى الإغاثة، حيث ارتفعت ميزانيات الطوارئ بشكل كبير، خاصة في غزة والضفة الغربية، مقابل ثبات ميزانية البرامج الأساسية عند نحو 880 مليون دولار.

وأدى ذلك إلى تفاقم العجز المالي، الذي ارتفع من 75 مليون دولار عام 2023 إلى 200 مليون دولار في 2025، فيما بدأت الوكالة عام 2026 بعجز يُقدّر بـ222 مليون دولار، ما انعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة للاجئين.

وتخلص الدراسة إلى أن حماية "أونروا" تتطلب تحركاً سياسياً ومالياً عاجلاً، يقوم على رفض أي محاولات لتقليص دورها أو استبدالها، وضمان تمويل مستدام عبر اتفاقيات متعددة السنوات، إضافة إلى تعزيز الدعم الدولي المباشر.

كما تدعو إلى توحيد الجهود الفلسطينية للدفاع عن الوكالة وحقوق اللاجئين، والتمسك بقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار 194، باعتبار "أونروا" جزءاً أساسياً من المنظومة الدولية التي تحفظ قضية اللاجئين وحقهم في العودة.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد