كشف تقرير صادر عن المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد" عن تداعيات إنسانية متسارعة للتصعيد العسكري العدواني "الإسرائيلي" على لبنان منذ 2 آذار/مارس، حيث تجاوز عدد النازحين 816 ألف شخص خلال أقل من أسبوعين، بينهم آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم أمام موجة نزوح جديدة داخل واقعهم الهش أصلاً، وسط فجوات حادة في المأوى والخدمات والحماية.
وبحسب التقرير، أدى التصعيد العسكري الذي اتّسم بضربات جوية مكثفة وأوامر إخلاء واسعة إلى نزوح داخلي واسع في لبنان، إذ سجّلت وحدة إدارة مخاطر الكوارث الحكومية نحو 816,700 نازح حتى 11 آذار/مارس، بينهم 125,800 شخص في 590 مركز إيواء جماعي، فيما لجأ الآخرون إلى منازل أقاربهم أو مساكن مؤقتة.
وجاء هذا النزوح خلال أقل من عشرة أيام، ما فاقم هشاشة البنية التحتية والخدمات العامة، وأدى إلى ضغط حاد على المدارس والملاجئ والخدمات الأساسية في مختلف المناطق.
"نزوح داخل النزوح" للفلسطينيين
يسلط التقرير الضوء على واقع اللاجئين الفلسطينيين، الذين واجهوا شكلاً مركباً من النزوح، إذ اضطرت عائلات من مخيمات الجنوب وبيروت إلى الانتقال نحو مخيمات الشمال أو مراكز إيواء تديرها وكالة "أونروا"، في تداخل واضح مع نزوح اللبنانيين والسوريين.
وحتى 10 آذار/مارس، تم تسجيل 1,567 نازحاً فلسطينياً (436 عائلة) داخل مراكز إيواء "أونروا"، توزعوا بين سبلين ومحيط صيدا ومدرسة في شمال لبنان. كما نزحت 290 عائلة (1,015 فرداً) من مخيمات صور إلى الملاجئ، وانتقلت 52 عائلة من بيروت إلى مخيمي ضبية ومار إلياس.
نزوح نحو الشمال… وفجوات إغاثية
وبالتوازي، شهدت مخيمات الشمال موجات نزوح خارج منظومة الإيواء الرسمية، حيث استقبل مخيم نهر البارد 350 عائلة فلسطينية، فيما وصل 230 عائلة إلى مخيم البداوي، وسط مؤشرات على تأخر فتح مرافق إيواء جديدة.
وفي الجنوب، استقبل مخيم الرشيدية 234 عائلة (1,014 شخصاً) من جنسيات متعددة، بينهم فلسطينيون ولبنانيون وسوريون، مع وجود 372 طفلاً و26 مسناً و17 شخصاً من ذوي الإعاقة، ما يعكس حجم الاحتياجات لدى الفئات الأكثر هشاشة.
مخاطر متعددة… من السكن إلى الصحة
ويشير التقرير إلى جملة من المخاطر التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين، أبرزها محدودية السكن الآمن وارتفاع الإيجارات، والتكدّس داخل المخيمات، وتراجع خدمات "أونروا" في الصحة والتعليم، إضافة إلى الضغط على المياه والصرف الصحي.
كما تتفاقم التحديات النفسية والاجتماعية، خاصة لدى الأطفال، في ظل بيئات مكتظة، إلى جانب القيود القانونية المزمنة التي تحد من فرص العمل والملكية والضمان الاجتماعي للفلسطينيين في لبنان.
ويستند التقرير إلى تعداد عام 2017 الذي أظهر وجود 174,422 لاجئاً فلسطينياً في لبنان، مع تقديرات غير رسمية تشير إلى أن العدد قد يصل إلى 230 ألفاً. ويتركز معظمهم في صيدا والشمال وصور، وهي مناطق تأثرت بشكل مباشر بالتصعيد الأخير.
كما بيّنت البيانات أن عدداً من المخيمات، مثل شاتيلا وبرج البراجنة والبداوي، تضم كثافة سكانية مختلطة من فلسطينيين وسوريين ولبنانيين، ما يزيد الضغط على الموارد خلال الأزمات.
مسار النزوح: من الجنوب إلى الشمال
ويوضح التقرير أن النزوح مرّ بمرحلتين رئيسيتين: الأولى بين 2 و8 آذار، حيث انتقلت العائلات من الجنوب وبيروت إلى مراكز الإيواء، والثانية مع اتساع العمليات العسكرية، حيث تزايد النزوح نحو مخيمات الشمال مثل نهر البارد والبداوي.
وتزامن ذلك مع ارتفاع إجمالي النازحين في لبنان من نحو 517 ألفاً في 8 آذار إلى أكثر من 816 ألفاً في 12 آذار، مع تقديرات بتجاوز 800 ألف في منتصف الشهر.
أزمة خدمات: الصحة والتعليم والمياه
على الصعيد الصحي، أدى التصعيد إلى إغلاق مراكز رعاية وخروج مستشفيات عن الخدمة، ما رفع مخاطر الأمراض، خاصة في الملاجئ المكتظة. كما أدى توقف بعض خدمات "أونروا" إلى فجوة في الرعاية الصحية داخل المخيمات.
وفي التعليم، تحولت 344 مدرسة إلى مراكز إيواء، ما أدى إلى تعطيل تعليم أكثر من 111 ألف طالب، إضافة إلى إغلاق مدارس "أونروا" منذ 2 آذار، ما أثر على آلاف الطلاب الفلسطينيين.
أما في قطاع المياه والصرف الصحي، فقد نفذت اليونيسف تدخلات في 188 ملجأً لخدمة نحو 46 ألف شخص، بينما سجلت مخيمات الجنوب تدهوراً في خدمات النظافة وتراكم النفايات.
وحدد التقرير عدة فجوات رئيسية، أبرزها نقص المأوى للفلسطينيين خارج الملاجئ الرسمية، وتدهور خدمات المياه والنفايات، وضعف التنسيق في المخيمات المختلطة، إضافة إلى فجوة في التعليم والحماية نتيجة استخدام المدارس كملاجئ.
احتياجات عاجلة وتوصيات
وأكدت "شاهد" أن اللاجئين الفلسطينيين بحاجة ماسة إلى مأوى آمن، وخدمات مياه وصحة محسّنة، ودعم نفسي واجتماعي، واستمرارية التعليم، إضافة إلى برامج دعم نقدي.
وأوصت بإنشاء نظام موحد لرصد النزوح الفلسطيني، وتوسيع خدمات الإيواء، وتنفيذ تدخلات عاجلة في المياه والصحة، وتعزيز آليات الحماية، وضمان عدم التمييز في الوصول إلى الخدمات.
كما دعت إلى إجراءات متوسطة الأمد تشمل تحسين البنية التحتية داخل المخيمات، وتطوير التعليم البديل، ودعم سبل العيش، وفتح نقاش حقوقي حول القيود المفروضة على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
وفي ختام التقرير، حذرت المؤسسة من غياب قاعدة بيانات موحدة للنازحين الفلسطينيين، وضعف المعلومات الديموغرافية، واحتمالات الازدواجية في الأرقام، إضافة إلى صعوبة تتبع أثر تدهور الخدمات داخل المخيمات، ما يحد من فعالية الاستجابة الإنسانية القائمة على الأدلة.
