عائلات بين الخوف والتشتت وغياب المأوى

نزوح من المخيمات الفلسطينية في صور بعد إنذار بالإخلاء .. ولاجئون اختاروا البقاء

الأربعاء 18 مارس 2026

شهدت المخيمات الفلسطينية في منطقة صور جنوبي لبنان موجة نزوح واسعة خلال الساعات الماضية، عقب إنذار بالإخلاء صدر ليل أمس الثلاثاء 17 آذار/ مارس، وشمل المدينة ومحيطها، بما في ذلك المخيمات والتجمعات الفلسطينية، في ظل تصاعد التوترات الأمنية واستمرار الغارات "الإسرائيلي" في الجنوب.

وأفاد شهود عيان بأن عائلات فلسطينية بدأت بمغادرة مخيمات مخيم الرشيدية والبرج الشمالي ومخيم البص خلال ساعات الليل، متجهة إلى مناطق أكثر أمناً داخل المدينة أو إلى مناطق أبعد، فيما فضّلت عائلات أخرى البقاء داخل المخيمات رغم المخاطر.

نزوح من مخيمات صور 2.jpeg

نزوح ليلي تحت ضغط الخوف

يقول أبو خالد، وهو أحد النازحين من مخيم الرشيدية: إن قرار المغادرة لم يكن سهلاً، لكنه جاء تحت وطأة الخوف: "خرجنا ليلاً بشكل سريع، لم نأخذ معنا إلا القليل، الأطفال كانوا خائفين، ولم نعرف إلى أين نذهب، فقط أردنا الابتعاد عن أي خطر".

ويضيف: أن العائلات اضطرت للاعتماد على أقارب أو معارف لتأمين مكان مؤقت، في ظل غياب مراكز إيواء مخصصة لاستقبال النازحين من المخيمات.

أما أم محمد، التي نزحت من مخيم البرج الشمالي، فتقول: "تركنا البيت وكل شيء خلفنا، لا نعرف إن كنا سنعود قريباً أم لا، الأهم كان حماية الأطفال".

البقاء رغم المخاطر

وفي المقابل، اختارت بعض العائلات البقاء داخل المخيمات، إما لعدم توفر بدائل أو بسبب عدم رغبتها بالتشرد، ويقول أحمد، أحد سكان مخيم البرج الشمالي: "لا يوجد مكان نذهب إليه، البقاء هنا رغم الخطر أهون من التشرد، نحن ننتظر ونراقب الوضع"

ويضيف: أن كثيراً من العائلات تعيش حالة تردد، بين الخوف من القصف وصعوبة النزوح في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

مخيم برج الشمالي .. نصف المخيم نزح
من جهته، قال أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم برج الشمالي، محمد رشيد: إن موجة النزوح كانت كبيرة خلال الساعات الماضية.

وأوضح في تصريح لـبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن "نحو نصف سكان المخيم نزحوا إلى مناطق أخرى، سواء داخل صور أو خارجها، نتيجة حالة الخوف بعد إنذار الإخلاء الذي شمل المدينة والمخيمات".

وأشار إلى أن النزوح تم بشكل عفوي، من دون وجود خطة واضحة أو مراكز إيواء مجهزة، ما دفع العائلات للاعتماد على إمكانياتها الذاتية أو على دعم الأقارب.

تشتت وغياب مراكز الإيواء

ويعيش النازحون حالة من التشتت في ظل غياب مراكز إيواء مخصصة، حيث توزعت العائلات بين منازل أقارب ومعارف داخل مدينة صور ومحيطها، فيما اضطرت عائلات أخرى إلى استئجار مساكن مؤقتة رغم ارتفاع التكاليف.

ويقول أحد النازحين: إن "العدد كبير داخل المنزل الواحد، والظروف صعبة، لكن لا خيار آخر في ظل غياب أي جهة تنظم عملية الإيواء أو تقدم بديلاً مناسباً".

ويضيف: أن العديد من العائلات خرجت بشكل مفاجئ، من دون تجهيزات كافية، ما يزيد من صعوبة التكيف مع واقع النزوح.

قلق وترقب داخل المخيمات

وفي المقابل، تسود حالة من القلق والترقب بين العائلات التي ما زالت داخل المخيمات، في ظل استمرار التهديدات وعدم وضوح ما قد تحمله الساعات أو الأيام المقبلة.

ويقول أحد السكان: إن "الناس تعيش بين خيارين صعبين: إما النزوح وترك كل شيء خلفهم، أو البقاء تحت الخطر".

نزوح من مخيمات صور 3.jpeg

وتشير مصادر محلية إلى أن بعض العائلات تستعد للمغادرة في أي لحظة، بانتظار تطورات الوضع الأمني، ما يعكس حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المخيمات في هذه المرحلة.

اللجان الشعبية: "مستمرون في خدمة الناس ولن نغادر"

وتواصل موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" مع أمناء سر اللجان الشعبية في مخيمات صور، الذين أجمعوا على حالة الخوف والارتباك التي يعيشها اللاجئون عقب الإنذار الأخير، مشددين على أن عمل اللجان مستمر داخل المخيمات "ولو كان هناك نفر واحد"، وأنهم "لن يتركوا المخيم أبداً"، مؤكدين وجود تنسيق على أعلى المستويات لضمان خدمة السكان.

350 عائلة نزحت من مخيم البص

في مخيم البص، قال مسؤول اللجنة الشعبية علي الجمل: إن المخيم شهد حركة نزوح قوية مقارنة بباقي مخيمات صور، نظراً لقربه من المدينة والمواقع الحيوية التي قد تكون عرضة للاستهداف. وأوضح أن الإنذار "الإسرائيلي" الأخير أدخل الخوف والهلع إلى صفوف اللاجئين، ما دفع معظمهم إلى النزوح شمالاً نحو صيدا وسبلين، إضافة إلى مخيمي البداوي ونهر البارد.

وكشف الجمل أن عدد العائلات التي نزحت من المخيم بلغ نحو 350 عائلة، فيما يتراوح عدد المقيمين حالياً بين 2500 و3000 شخص. وأضاف أن الوضع داخل المخيم "طبيعي" نسبياً، مع انخفاض حركة التنقل والتزام من تبقى من اللاجئين منازلهم، مشيراً إلى أن اللجان الشعبية تواصل زياراتها للأهالي بهدف طمأنتهم ورفع معنوياتهم، خاصة أن من قرر البقاء أكد أنه لا يملك مكاناً آخر يلجأ إليه.

وأشار الجمل إلى أن اللجان الشعبية عملت على توجيه النازحين نحو مناطق أكثر أماناً، مثل سبلين ومدرسة نابلس في صيدا، ومدارس مخيم نهر البارد، مع تطمينهم بأن ممتلكاتهم وأرزاقهم "تحت ضمانة اللجنة الشعبية" إلى حين عودتهم.

50% من أهالي مخيم برج الشمالي نزحوا

وفي مخيم برج الشمالي، قال أمين سر اللجنة الشعبية محمد رشيد: إن المخيم الذي كان يشكل محطة إيواء لعدد كبير من النازحين من القرى الجنوبية، بات اليوم يشهد نزوحاً من سكانه نتيجة التهديدات "الإسرائيلية" التي شملته.

وأوضح رشيد أن نحو 50% من سكان المخيم اضطروا للنزوح إلى معهد سبلين أو إلى صيدا وطرابلس، مضيفاً: "الناس هنا تعيش على أعصابها، وهم يفضلون البقاء في المخيم، لكن لا نعرف كيف ستتطور الأوضاع مستقبلاً، وقد يضطر المزيد للنزوح".

وتابع: "قمنا بجولة تفقدية على جميع الأهالي داخل المخيم وطمأنتهم، كما تلقينا اتصالاً من السفير الفلسطيني في لبنان محمد الأسعد، قدم لنا فيه كل الدعم اللازم لنخدم الناس ونوفر لهم مقومات الصمود للبقاء داخل المخيم" ، وفق قوله.

مخيم الرشيدية .. نزوح أقل

أما في مخيم الرشيدية، الذي سجّل نسبة نزوح أقل مقارنة بباقي المخيمات، فقد شهد حركة نزوح طفيفة، وسط حالة من الترقب والحذر لدى السكان.

وأكد أمين سر اللجنة الداخلية في اللجان الشعبية في المخيم، إبراهيم أبو الدهب، أن "الحركة داخل المخيم طبيعية جداً، مع وجود بعض الخوف والترقب"، مشيراً إلى أن نحو 30% من السكان نزحوا، فيما بقي 70% داخل المخيم.

وأضاف أن اللجان الشعبية اتخذت مجموعة من الإجراءات لدعم صمود الأهالي، قائلاً: "سندعم مستشفى بسلم، وسندعم الأفران، وسنهتم بوصول المياه إلى جميع البيوت، وسنقدم كل الخدمات، وذلك بناءً على توجيهات من السفير الفلسطيني محمد الأسعد"، بحسب قوله أيضاً.

دعوات لتحرك عاجل
ودعت فعاليات محلية ولجان شعبية إلى ضرورة التدخل العاجل لتأمين مراكز إيواء مناسبة وتقديم مساعدات إنسانية للعائلات النازحة، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان.

وأكدت أن المخيمات، التي تعاني أصلاً من الاكتظاظ وضعف الخدمات، غير قادرة على تحمل مزيد من الضغوط في حال استمرار النزوح والتصعيد.

ومع استمرار حالة القلق والترقب، تبقى عودة العائلات إلى منازلها مرهونة بتطورات الوضع الأمني، وسط مخاوف متزايدة من أن يطول النزوح ويترك آثاراً إنسانية قاسية على اللاجئين الفلسطينيين في جنوبي لبنان.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد