تحوّل مخيم مار الياس في قلب العاصمة اللبنانية بيروت إلى وجهة رئيسية للنازحين الفلسطينيين، مع اشتداد القصف على الضاحية الجنوبية وتوسّع إنذارات الإخلاء التي طالت أحياء ملاصقة للمخيمات، ما دفع مئات العائلات من اللاجئين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين إلى الفرار من مخيمي برج البراجنة وشاتيلا بحثاً عن الأمان، هرباً من الخوف والهلع الذي خلّفته الغارات، لا سيما لدى الأطفال والنساء.
واستقبل المخيم مئات النازحين القادمين من مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة، غير أن هذا النزوح لم يكن نهاية المعاناة، إذ سرعان ما تصاعدت وتيرة القصف مجدداً بشكل أكثر عنفاً، مستهدفة مناطق قريبة من المخيمات، خاصة مخيم برج البراجنة، ما اضطر سكان أطرافه إلى إخلائه بالكامل تقريباً، والتوجه إما نحو عمق المخيم أو إلى مناطق أبعد، من بينها طرابلس ومخيم مار الياس الذي يُنظر إليه كمكان أكثر هدوءاً نسبياً.
وفي شهادات ميدانية، أكدت عائلتان فلسطينيتان من مخيمي برج البراجنة وشاتيلا، تحدث إليهما موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن قرار النزوح جاء خوفاً على الأطفال الذين أصيبوا بحالة هلع نتيجة القصف العنيف، مشيرتان إلى أن وتيرة العدوان هذه المرة أكثر تصعيداً وعنفاً من الحرب السابقة، ما يشكّل خطراً مباشراً على حياتهم.
استجابة محلية وإمكانات محدودة
بدوره، أوضح أمين سر اللجان الشعبية في مخيم مار الياس، وليد الأحمد، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن المخيم يستضيف حتى الآن نحو 100 عائلة نازحة، من فلسطينيين ولبنانيين وسوريين، نتيجة القصف الشديد على الضاحية الجنوبية.
وأشار الأحمد إلى أن اللجنة الشعبية أنشأت خلية لإدارة الأزمات منذ اللحظات الأولى للحرب، وبدأت بتسجيل أسماء النازحين وإحصاء أعدادهم بهدف تنظيم عملية تقديم المساعدات، مؤكداً أن دور اللجنة يتركز على التنسيق وإدارة الإغاثة داخل المخيم.
وأضاف أن اللجنة، وبعد إتمام عملية الإحصاء، عملت على تأمين الاحتياجات الأساسية، عبر التواصل مع جمعيات ومؤسسات رسمية وغير رسمية، حيث جرى إنشاء مطبخ داخل مكتب اللجنة الشعبية، بالتعاون مع جمعية "بصمة تغيير"، لتقديم نحو ألف وجبة يومياً داخل المخيم ومحيطه.
كما لفت إلى أن اللجنة حصلت على مساعدات عينية شملت فرشاً وبطانيات ومواد تنظيف، بدعم من منظمة "أطباء بلا حدود"، مؤكداً استمرار الجهود لتأمين مزيد من الدعم.
تقرير ذو صلة: 25 شهيداً فلسطينياً في لبنان جراء العدوان "الإسرائيلي" وتداعيات إنسانية تتفاقم
في المقابل، انتقد الأحمد "الغياب التام" لوكالة "أونروا" في ملف الإغاثة، قائلاً: إن الوكالة "لم تقدم حتى الآن أي شيء يُذكر للنازحين الفلسطينيين"، رغم التواصل المباشر معها وإبلاغها بوجود عائلات نازحة داخل المنازل وأزمة متفاقمة داخل المخيم.
وشدد على أن اللجنة ستواصل العمل لتأمين الاحتياجات الأساسية، خاصة أن معظم النازحين غادروا منازلهم دون أي مقتنيات، مضيفاً: "لدينا أطفال بحاجة إلى حليب وحفاضات، وكبار سن يحتاجون إلى مستلزمات أساسية من طعام وشراب".
معاناة العائلات النازحة
من جهتها، قالت اللاجئة الفلسطينية إيمان أحمد، التي نزحت مع زوجها وأطفالها الثلاثة من مخيم شاتيلا إلى منزل أقاربها في مار الياس: إن القصف العنيف جعل أطفالها غير قادرين على النوم، ما دفع العائلة إلى النزوح.
وأضافت: "خرجنا من المخيم ولم نأخذ سوى بعض الملابس والأوراق المهمة وقليل من المال، لكن مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع والبنزين والغاز، لم يعد بإمكاننا تحمّل المزيد، خاصة أن زوجي توقف عن العمل، ونحن في شهر رمضان الذي يتطلب مصاريف إضافية".
وأشارت إلى أن بعض الجمعيات، بالتعاون مع اللجنة الشعبية، قدمت وجبات طعام ومساعدات عينية مثل الفرش والبطانيات، إلا أن الوضع الاقتصادي لا يزال صعباً للغاية، خاصة مع اقتراب عيد الفطر، الذي قد "يمر مرور الكرام" في ظل غياب القدرة على تأمين احتياجات الأطفال.
وأكدت أحمد أن "أونروا غائبة تماماً"، رغم علمها بوجود مركز إيواء في سبلين، مضيفة: "لا نستطيع الذهاب إلى هناك، لقد تُرك النازحون في مار الياس دون إيواء أو خطة واضحة".
كلفة النزوح… عبء مضاعف
أما اللاجئ جمال حمد، من مخيم برج البراجنة، فاضطر بدوره إلى النزوح بعد اشتداد القصف، قائلاً: إن المخيم "كان يهتز مع كل غارة"، ما دفعه للبحث عن مكان آمن لعائلته.
وأوضح أنه حاول استئجار شقة خارج المخيم، لكنه فوجئ بارتفاع الإيجارات إلى ما بين 1000 و1500 دولار، وهو ما يفوق قدرته، خاصة أنه يعمل موظفاً في شركة شحن.
وأضاف أنه، بعد اتساع نطاق الإخلاء، قرر النزوح إلى مخيم مار الياس، حيث استأجر شقة بمبلغ 750 دولاراً، رغم أن منزله في برج البراجنة ملك خاص ولا يدفع عليه أي إيجار، ما شكّل عبئاً مالياً كبيراً.
وأشار إلى أن استمرار الحرب سيضاعف من معاناته، خاصة في شهر رمضان، موضحاً أنه سجل اسمه لدى اللجنة الشعبية التي تقدم بعض المساعدات، لكنها "غير كافية"، لافتاً أيضاً إلى إغلاق عيادات "أونروا" أو تقليص دوامها.
وختم بالقول: "الحمد لله أننا نعيش تحت سقف، لكن غيرنا اضطر للسكن في المدارس أو على الطرقات في هذا البرد القارس… نأمل أن تنتهي الحرب سريعاً لنعود إلى حياتنا الطبيعية".
اكتظاظ وأعباء متزايدة
بدورها، أكدت الناشطة غادة عثمان أن مخيم مار الياس يشهد اكتظاظاً غير مسبوق، حيث يستقبل نازحين فلسطينيين ولبنانيين من برج البراجنة وشاتيلا وبئر حسن والضاحية الجنوبية، مشيرة إلى أن عدد العائلات النازحة تجاوز 70 عائلة، توزعت بين الإقامة لدى الأقارب واستئجار المنازل.
وأوضحت أن ارتفاع الإيجارات داخل المخيم دفع إلى سكن أكثر من أربع عائلات في منزل واحد، ما خلق ضغطاً اقتصادياً ومعيشياً إضافياً على العائلات التي تعاني أساساً من أوضاع صعبة.
في ظل هذه التطورات، يبرز مخيم مار الياس كملاذ مؤقت للنازحين، لكنه يواجه في الوقت ذاته تحديات إنسانية ولوجيستسة تتفاقم، في ظل محدودية الموارد واستمرار تدفق العائلات، ما يضع السكان واللجان المحلية أمام اختبار صعب لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
