واقع يهدد العملية التعليمية

التعليم "أونلاين" في مدارس "أونروا" بلبنان يتحول إلى مهمة شاقة في ظروف معقدة

الأربعاء 18 مارس 2026

في وقت يُفترض أن يشكّل التعليم مساحة أمان واستقرار للأطفال، يواجه آلاف الطلاب الفلسطينيين في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في لبنان تجربة تعليمية شاقة عبر الانترنت "أونلاين"، فرضتها ظروف الحرب والنزوح، دون مراعاة كافية للواقع الإنساني والمعيشي داخل المخيمات.

وبين أصوات القصف، وضعف الإمكانيات، وغياب الحد الأدنى من مقومات التعلم، تتصاعد شكاوى الطلاب والأهالي من تداعيات هذا النمط التعليمي على مستقبل أبنائهم، مؤكدين أن ما يجري لا يرتقي إلى تعليم فعلي، بل يشكّل عبئاً إضافياً على عائلات ترزح أصلاً تحت ضغط الأزمات المتلاحقة.

أصوات القصف تطغى على الدروس

تقول الطالبة تسنيم حسين، من الصف الثامن في ثانوية القسطل بمخيم الجليل، لبوابة اللاجئين الفلسطينيينن: إن الدراسة لم تعد أولوية في ظل الخوف اليومي، موضحة أن "أصوات الطيران الحربي والقصف تجعلنا نعيش في حالة توتر دائم، فلا نستطيع التركيز أو متابعة الدروس كما يجب".

وتشير إلى أن كثيراً من الطلاب يحاولون الاستمرار في الدراسة، إلا أن القلق المستمر يشتت انتباههم، ويحوّل العملية التعليمية إلى عبء نفسي بدلاً من أن تكون وسيلة للنجاة.

إنترنت ضعيف… وكلفة تفوق القدرة وجهاز واحد لأكثر من طالب

لا تقتصر المعاناة على الجانب النفسي، بل تمتد إلى عوائق تقنية أساسية، إذ يشهد الإنترنت الذي يشكل الاداة الأساسية والوحيدة للتعليم "الأونلاين"، تراجعاً حاداً في معظم المناطق، خاصة في البقاع ومخيمات الشمال.

وتؤكد تسنيم أن الخدمة لم تكن جيدة أساساً قبل الحرب، لكنها اليوم أصبحت شبه معدومة، فيما يشير الأهالي إلى أن كلفة الاشتراكات الإضافية للانترنت باتت تفوق قدرتهم في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

مع تصاعد موجات النزوح، تحوّلت منازل كثيرة داخل المخيمات إلى مراكز إيواء مكتظة، تضم أكثر من عائلة في مساحة واحدة، ما خلق بيئة غير مناسبة للدراسة، في ظل الضجيج المستمر وغياب الخصوصية والضغط النفسي.

وتوضح تسنيم أن "البيت لم يعد مكاناً مناسباً للدراسة"، وهو ما تؤكده شهادات معظم الطلاب.

من جانبها، تطرح أم هادي شعبان، من مخيم نهر البارد، إحدى أبرز الإشكاليات، قائلة: "لدي ثلاثة أولاد، وهاتف واحد فقط، كيف يمكن لكل واحد منهم حضور دروسه وإرسال واجباته في الوقت المحدد؟".

ولا يقتصر هذا الواقع على عائلة واحدة، بل يشكّل ظاهرة عامة داخل المخيمات، حيث يحوّل نقص الأجهزة التعليم إلى امتياز لمن يستطيع، ويهدد بحرمان شريحة واسعة من الطلاب من حقهم الأساسي.

قرارات غير واقعية ومناهج مكثفة

إلى جانب التحديات المعيشية، يواجه الطلاب مشكلات إدارية وتقنية، من بينها رفض بعض المدارس استقبال أرقام هواتف أجنبية، رغم استخدامها فعلياً من قبل الطلاب.

وتشير أم هادي إلى أن هذا القرار حرم عدداً من الطلاب من إرسال واجباتهم، ما يثير تساؤلات حول مدى واقعية هذه الإجراءات في ظل الظروف الراهنة.

تؤكد إحدى طالبات الشهادة في ثانوية عمقا أن حجم المواد التعليمية كبير ويتطلب تركيزاً عالياً، خاصة مع الاعتماد على الفيديوهات التعليمية، مضيفة: "في كثير من الأحيان لا نستطيع فتح الفيديو أو متابعته بسبب ضعف الإنترنت، ومع ذلك يُطلب منا تسليم الواجب خلال وقت قصير جداً".

ويزيد هذا التناقض بين متطلبات التعليم والواقع التقني من الضغط النفسي، ويدفع الطلاب نحو الإحباط.

أمهات تحت ضغط مضاعف

تقول زينة منصور، من مخيم البداوي: إنها تعجز عن متابعة تعليم ابنتها بسبب التزامات العمل، موضحة أن الأم أصبحت مطالبة بلعب دور المعلمة داخل المنزل، وهو أمر بالغ الصعوبة، خاصة مع وجود أكثر من طفل.

وتضيف أن الضغط النفسي الناتج عن الحرب، إلى جانب الأعباء اليومية، يجعل متابعة الدراسة مهمة مرهقة تفوق قدرة كثير من العائلات.

مراكز الإيواء… تعليم شبه مستحيل وفقدان للحافز

أمّا في مراكز الإيواء، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، يقول أبو محمد، وهو نازح من مخيم شاتيلا إلى مخيم نهر البارد: إن غياب الإنترنت داخل هذه المراكز يجعل الدراسة شبه مستحيلة.

ويضيف أن الاعتماد على شبكة ضعيفة عبر الهاتف لا يسمح بتحميل المواد أو إرسال الواجبات، فضلاً عن غياب الكتب والدفاتر، ما يعني أن الطلاب محرومون حتى من أبسط أدوات التعلم.

توضح زينب الصغير، من مخيم برج الشمالي، أن الحالة النفسية للطلاب تدهورت بشكل كبير، مشيرة إلى أن الخوف من القصف يجعل الأطفال غير قادرين على التركيز أو الاستيعاب.

وترى أن توقيت التعليم الأونلاين غير مناسب إطلاقاً في ظل هذه الظروف، حيث فقد كثير من الطلاب الرغبة في التعلم.

وينقل ناشطون من مخيم عين الحلوة، بينهم إبراهيم الحاج، حالة الغضب المتزايدة بين الأهالي، مؤكدين أن تجربة التعليم الأونلاين بصيغتها الحالية أثبتت فشلها.

ويشيرون إلى أن غياب الإمكانيات الأساسية، من أجهزة وإنترنت وبيئة مناسبة، يجعل هذا النموذج غير قابل للتطبيق، محذرين من الاستمرار في فرضه دون توفير بدائل واقعية.

في ظل هذه المعطيات، لم يعد التعليم الأونلاين خياراً مؤقتاً، بل تحوّل إلى أزمة حقيقية تهدد مستقبل جيل كامل من الطلاب الفلسطينيين في لبنان. وبين واقع الحرب وضيق الإمكانيات، تتزايد الدعوات لإعادة تقييم هذا النموذج التعليمي، والبحث عن حلول تضمن كرامة الطلاب وحقهم في تعليم عادل وآمن.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد