مع الساعات الأولى من صباح عيد الفطر، امتلأت شوارع مخيم اليرموك بالحركة، لكن وجهة كثير من العائلات لم تكن بيوت الأقارب أولاً، بل المقابر، حيث تتقدّم زيارة قبور الغائبين طقوس العيد، في محطة ثابتة يتجلى فيها الوفاء، ويعبّر عن أنّ اشراك الغائبين له مكانة متقدمّة وإن غابوا، أحباءً وشهداء.

مراسلة بوابة اللاجئين الفلسطينيين، واكبت طقوس صباح العيد في مقبرة مخيم اليرموك، الذي عاد أهله لإحساء زيارة المقابر بعد سقوط نظام الأسد، فاختلطت خطوات الزائرين برائحة التراب ونبتة الآس الخضراء التي توضع على القبور كرمز للخلود والاستمرار، فيما تتحول اللغة السائدة إلى دعاء واستذكار، وتغدو المساحة ملتقى بين الحياة والذاكرة.

لم يكن الوصول إلى المقبرة ممكناً في السابق

يقول معين يوسف، وهو لاجئ من أبناء المخيم لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن الحرب والدمار غيّرا كل شيء، حتى إن بعض العائلات لم تعد تعرف مواقع قبور ذويها. ويضيف أنه جاء ليزور قبر والدته، مشيراً إلى أن العودة إلى اليرموك بعد التحرير وسقوط النظام السابق، شكّلت لحظة كبيرة، إذ لم يكن الوصول إلى المقبرة ممكناً في السابق بسبب المعارك وإطلاق النار.

ويستعيد يوسف تلك الأيام قائلاً: إنهم اضطروا للفرار تحت الرصاص، بينما اليوم "الناس تعود لتزور وتحيي العيد"، رغم أن الزيارة تبقى مشبعة بالحنين للأهل والأم والإخوة.

WhatsApp Image 2026-03-20 at 2.33.57 PM (1).jpeg

مشاعر فقد وحنين تحملها الزيارة

أما أمّ وجدي، وهي لاجئة فلسطينية، فتصف زيارة المقبرة بأنها لحظة راحة نفسية، تقول فيها: إن الوصول إلى "التربة" يعيد الإنسان إلى جذوره وذكرياته، حيث يستحضر وجوه والديه وتفاصيل تربيتهما له، وتتحول الزيارة إلى استرجاع كامل للماضي، مقرون بالدعاء لهم بالرحمة.

وفي زاوية أخرى من المقبرة، يقف عادل أحمد، وهو لاجئ فلسطيني وسجين سابق في سجن صيدنايا، أمام قبر والدته بعد غياب طويل فرضه الاعتقال.

ويروي أن والدته توفيت أثناء وجوده في السجن، ولم يتمكن من زيارتها لأكثر من عام ونصف، مضيفاً أن لحظة رؤية قبرها كانت قاسية جداً، إذ انفجر بالبكاء، متمنياً لو أتيحت له فرصة أخيرة ليودّعها. ويشير إلى أن جدته، التي ربّته، توفيت أيضاً، ما جعل زيارته للمقبرة محمّلة بمشاعر فقد مضاعفة.

موضوع ذو صلة: عيد الفطر في المخيمات الفلسطينية بسوريا… طقوس ثابتة وسط أعباء معيشية

من جهته، يؤكد إبراهيم الشربعي أن زيارة القبور بعد صلاة العيد عادة متوارثة، تمتد جذورها إلى عصور قديمة، حيث يحرص الناس على قراءة الفاتحة والدعاء لأمواتهم.

ويقول إنه جاء لزيارة قبر والدَيه، إضافة إلى قبر ابنه الشهيد، بينما توفي بعض أشقائه في محافظات أخرى. ويحمل معه أكياساً من الحلوى يوزعها على الزائرين كتهنئة بالعيد.

WhatsApp Image 2026-03-20 at 2.33.58 PM.jpeg

وبين الدعاء ونبتة الآس، التي ارتبطت تاريخياً بثقافات بلاد الشام كرمز للخلود، تتشكل ملامح عيد مختلف في مخيم اليرموك، عيد يبدأ من المقابر، حيث لا تُعد الزيارة وداعاً، بل استمراراً لعلاقة لا تنقطع، وحضوراً دائماً لمن رحلوا في ذاكرة الأحياء.

 

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد