تقف المرأة الفلسطينية داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان أمام الأزمات المتلاحقة التي يواجهها اللاجئون في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد التوتر الأمني، حيث يبرز دور النساء كركيزة أساسية مهمتها الحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع في أدوار تمتد من رعاية الأبناء إلى إدارة شؤون الحياة اليومية ضمن ظروف صعبة، تتحمل معها مسؤوليات ضاعفتها تداعيات العدوان "الإسرائيلي" المستمر.
الأعباء الاقتصادية والتحديات المعيشة حمل ثقيل وقع على كاهل النساء خلفته التغيرات الإقليمية الحالية التي دفعت إلى ارتفاع أسعار كل ما يندرج ضمن مقومات الحياة الأساسية داخل مخيمات اللاجئين في لبنان وهو الأمر الذي دفع المرأة للبحث عن طرق جديدة لإدارة الدخل، وتأمين الغذاء لأفراد الأسرة.
أزمات اقتصادية تدفع النساء للبحث عن مصادر دخل
ومع ارتفاع معدلات البطالة داخل المخيمات صار المنوط بالمرأة تحمل المسؤولية في إعالة الأسرة وتوفير مقومات المنزل عبر البحث عن مصادر دخل تلبي احتياجات العائلة إلى جانب القيام بمسؤوليات الأمومة.
وتقول ميرنا جمعة إحدى اللاجئات الفلسطينيات: "إن انتشار معدلات البطالة وتراجع فرص العمل جعلني أجد نفسي المعيل الأساسي لأسرتي، إلى جانب أعمال المنزل من التنظيف والطبخ فأنا أقوم أيضاً بالعمل على مشاريع صغيرة لسد بعض الاحتياجات، مثل تحضير هدايا لعيد الأم وعيد المعلم وعيد الطفل، ولكن هذا العمل يكون فقط بالمناسبات".
وتشعر جمعة أن الحمل بات ثقيل جداً عليها، لاسيما أن زوجها عاطل عن العمل منذ عام لأسباب صحية غير أن المنزل الذي يقطنه الزوجان وطفلاهما يحتاج لمتطلبات كثيرة وقد زادت الحرب من هذه الأعباء، حيث تحتم الظروف عليها أن تظل قوية أمام أبنائها.
وتضيف: "جاءت الحرب، فأصبحت مضطرة أيضاً أن أكون قوية وأن أخفي خوفي وقلقي أمام أولادي، ولكن داخلي منهار.. فالأعمال المطلوبة مني كأم كثيرة، لكن أحاول قدر الإمكان أن أقسم وقتي بين عملي، وتنظيف المنزل، وتحضير الطعام ، وتدريس أولادي".
إبداء الصمود وسط الخوف..مهمة ليست سهلة
ويفرض العدوان "الإسرائيلي" المتزامن مع حرب إقليمية حالة الخوف والهلع التي أصاب مخيمات اللاجئين، وفرضت أعباء اجتماعية أخرى على المرأة الفلسطينية التي تضطلع بمسؤولية رعاية الأطفال وتقديم الدعم النفسي في ظل أجواء يعمها الخوف وعدم اليقين.
مريم علي لاجئة فلسطينية أخرى، ترى أن الحرب وضعت النساء في مواجهة مباشرة مع واقع قاسٍ، خاصة مع تكرار الغارات واستهداف المناطق السكنية، حيث تعاني هي الأخرى أزمة نزوح قاسية قائلة: إنها اضطرت لمغادرة منزلها الواقع في منطقة مستهدفة عند الساعة الثالثة فجراً، مؤكدة أن أصعب اللحظات كانت إيقاظ أطفالها من النوم للهروب، وسط عجزها عن الإجابة عن تساؤلاتهم.
وتضيف أن دورها كأم فرض عليها إخفاء الخوف، وسط محاولات مستمرة لطمأنة أطفالها خلال القصف، واصفة صوت الانفجارات بأنه "رعد"، كما تؤكد أنها خاطرَت بالعودة إلى منزلها في اليوم التالي لإحضار ألعاب الأطفال بهدف التخفيف عنهم.
وتوجه علي رسالة إلى النساء الفلسطينيات، تدعوهن فيها إلى التمسك بالقوة والإيمان، مؤكدة أن المرأة تمثل عمود الأسرة، وأن صمودها يمنح العائلة القدرة على الاستمرار، رغم ما قد تعانيه من ضعف في بعض اللحظات.
دائرة متشابكة من الأزمات
من جانبها، ترى ألماظة الشرقاوي، مديرة "جمعية البرامج النسائية" في مخيم عين الحلوة، أن أوضاع النساء داخل المخيمات تتسم بالتعقيد والهشاشة نتيجة تداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
وتوضح لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن النساء يعانين من الفقر وندرة فرص العمل، ما يدفع العديد منهن للاعتماد على المساعدات أو الانخراط في أعمال غير مستقرة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وانعدام الاستقرار الأمني.

وتلفت الشرقاوي إلى أن المرأة تتحمل أدواراً متعددة في آن معاً، فهي الأم والمعيلة ومقدمة الرعاية، في ظل ظروف قد تشمل غياب الزوج أو محدودية دخله، لافتة إلى أن النساء يعشن تحت ضغوط نفسية مستمرة نتيجة الخوف والنزوح وفقدان الشعور بالأمان.
ورغم ذلك، تواصل النساء إدارة الموارد المحدودة، وتنظيم المصروف، وتأمين الاحتياجات الأساسية، إلى جانب البحث عن مصادر دخل إضافية مثل الأعمال المنزلية والمشاريع الصغيرة، مع الاستمرار في رعاية الأطفال والاهتمام بتعليمهم وصحتهم النفسية.
حاجة إلى دعم مجتمعي
وتؤكد الشرقاوي أن الجمعيات النسوية تسعى إلى دعم النساء من خلال برامج متنوعة، تشمل الدعم النفسي والاجتماعي، والتمكين الاقتصادي عبر التدريب المهني ودعم المشاريع الصغيرة، إلى جانب التوعية بحقوق المرأة وتعزيز شبكات الدعم داخل المخيمات.
وتشدد على أن المرأة في المخيم ليست مجرد ضحية، بل هي ركيزة أساسية للصمود، إذ تثبت يومياً قدرتها على التكيف وتحمل المسؤوليات رغم قسوة الظروف.
آثار نفسية عميقة
بدورها، توضح الأخصائية النفسية رانيا البوبو أن النساء في المخيمات يعانين من آثار نفسية متعددة، أبرزها القلق والخوف المزمن من المستقبل والمجهول، إضافة إلى القلق المستمر على الأطفال في ظل صعوبة تأمين احتياجاتهن الأساسية.
وتشير إلى أن هذه المعاناة تتفاقم لدى النساء اللواتي مررن بتجارب قاسية، مثل النزوح أو فقدان أحد أفراد العائلة أو التعرض المباشر للقصف، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

وتضيف البوبو أن العديد من النساء يلجأن إلى كبت مشاعرهن نتيجة تعدد الأدوار والمسؤوليات، حيث يضعن احتياجات أطفالهن في المقدمة، ويؤجلن الاهتمام بصحتهن النفسية، فيما تتمكن بعضهن من التكيف مع الواقع بدرجات متفاوتة.
كما تؤكد أن النساء يمتلكن قدرة لافتة على الصمود والاستمرار، وغالباً ما يكون الأبناء الدافع الرئيسي لذلك، فيما يلعب التضامن بين النساء دوراً مهماً في التخفيف من الضغوط، في حين يؤدي غياب الدعم إلى تعميق الشعور بالعزلة والاغتراب في ظل ظروف الحرب.
وعلى الرغم من الأزمات التي تعصف بالنساء الفلسطينيات داخل مخيمات اللجوء إلا أنهن يمثلن عنواناً للصمود والتضحية، فدورهن لا يقتصر على مواجهة التحديات، بل يتعداه إلى إعادة بناء الحياة وسط الركام، وبينما تستمر الأزمات، يبقى دعم هذه الفئة وتمكينها ضرورة ملحة، ليس فقط لتحسين ظروفها، بل لضمان استقرار المجتمع بأكمله.
