حذّر المؤرخ الفرنسي "جان بيير فيليو" من تراجع الاهتمام الدولي بمعاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، في ظل تحوّل أنظار العالم نحو تصاعد التوترات في مناطق أخرى، من بينها إيران، وذلك في كتابه الجديد "مؤرخ في غزة"، الذي يوثق فيه الواقع الإنساني في القطاع.
وأوضح "فيليو" أن الأوضاع في غزة لا تزال بعيدة عن الاستقرار رغم مرور أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، مشيراً إلى استمرار سقوط الضحايا ومعاناة السكان من نقص حاد في الغذاء والدواء، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في التغطية الإعلامية الدولية، خصوصاً في الولايات المتحدة.
وفي السياق السياسي، أشار إلى تحركات تقودها جهات في الإدارة الأمريكية، في عهد "دونالد ترامب"، لدفع ما تسمى "خطة السلام" إلى مراحل جديدة، رغم انتقادات تتعلق بغياب تمثيل فلسطيني فعّال في هذه الجهود، ما يثير تساؤلات حول جدوى هذه المبادرات.
ولفت المؤرخ إلى أن الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 كانت قد استحوذت على اهتمام عالمي واسع، مع انتشار صور الدمار وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، غير أن هذا الزخم بدأ يتراجع تدريجياً، رغم استمرار الاحتجاجات في عدد من الجامعات والمدن حول العالم، في ظل غياب خطوات حاسمة من الحكومات لوقف العمليات العسكرية.
كما تناول "فيليو" استمرار الدعم العسكري الأمريكي لـ "إسرائيل"، إلى جانب استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لصالحها، مشيراً إلى أن الإدانات الدولية، سواء من بعض الدول الأوروبية أو العربية، لم تُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض، في وقت يحذر فيه خبراء من تصاعد مؤشرات على ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
ويستند الكتاب إلى زيارة ميدانية أجراها المؤلف إلى قطاع غزة مطلع عام 2025، حيث أمضى شهراً كاملاً وثّق خلاله شهادات مباشرة من السكان، نقلت شعوراً متزايداً بأن المجتمع الدولي تخلى عنهم، رغم الآمال التي علّقت سابقاً على تحرك الرأي العام العالمي.
ويعرض "فيليو" في كتابه مشاهد إنسانية قاسية، تشمل مستشفيات تعاني من نقص حاد في الإمكانيات، وعمليات جراحية تُجرى في ظروف صعبة، إلى جانب تفشي سوء التغذية بين الأطفال، ووفاة بعضهم نتيجة البرد، فضلاً عن الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية ومخيمات اللاجئين.
كما يربط المؤلف هذه الأزمة بتراكمات تاريخية تعود إلى عقود، مشيراً إلى القيود المفروضة على القطاع منذ عام 1967، والتي جعلت من المعابر أداة ضغط سياسية واقتصادية، وأسهمت في تعميق الفقر والانهيار الاقتصادي، مع اعتماد شريحة من السكان سابقاً على العمل داخل "إسرائيل".
وتُظهر الأرقام التي أوردها الكتاب حجم الكارثة الإنسانية، حيث قُتل وأصيب عشرات الآلاف، بينهم عدد كبير من الأطفال، كما تعرضت معظم مستشفيات القطاع لأضرار جسيمة نتيجة القصف أو الحصار، في حين سُجلت خسائر كبيرة بين العاملين في القطاع الصحي.
ويخلص "فيليو" إلى أن تراجع التغطية الإعلامية لا يعكس تحسناً في الأوضاع، بل يشير إلى تحول في أولويات الاهتمام العالمي، محذراً من أن استمرار هذا التراجع قد يؤدي إلى تهميش معاناة سكان غزة، في وقت لا يزال يواجهون فيه أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة.
