تحوّلت أزقة مخيم الجليل في البقاع إلى ملاذ مؤقت للعائلات النازحة، مع تصاعد العدوان "الإسرائيلي" والتوترات الأمنية في بعلبك، في مشهد يضع سكان المخيم أمام اختبار يومي لقدرتهم على الصمود. ومع اضطرار مئات العائلات إلى النزوح إلى المخيم، لم يتأخر الأهالي في فتح منازلهم واستضافة الوافدين، ما انعكس مباشرة على الخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء ورعاية صحية، في ظل ضغط متزايد يفوق قدرات المخيم المحدودة.

ويتكرر هذا المشهد وسط غياب واضح لوكالة "أونروا" وإغلاق مراكزها أمام النازحين، حيث لم يختلف حضورها عن فترة الحرب عام 2024، إذ لم تسجل استجابة تذكر سواء عبر المتابعة أو تقديم المساعدات. في المقابل، بادرت جمعيات ومؤسسات محلية إلى التحرك، رغم محدودية إمكاناتها مقارنة بحجم الاحتياجات المتصاعدة.

مخيم الجليل .jpg
 

نزوح قسري ومعاناة يومية

يروي أبو حسين، وهو لاجئ فلسطيني يقيم في بلدة دورس، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أنه اضطر للنزوح إلى المخيم مع بداية الحرب عقب أول إنذار، حيث أمضى أربعة أيام قبل أن يعود إلى منزله، موضحًا أنه يضطر للعودة مجددًا إلى المخيم مع عائلته كلما شعر بالخطر. ويشير إلى أن عائلة زوجته اللبنانية تلجأ أيضًا إلى المخيم باعتباره مكانًا أكثر أمانًا.

ويؤكد أبو حسين أن "أونروا" لم تقدم أي مساعدات تذكر، لافتًا إلى نقص الأدوية في العيادة وعدم انتظام عمل المختبر كما في السابق، مضيفًا: "لم نتلقَ مساعدات إلا من الجمعيات واللجان الشعبية، حيث حصلنا على قسيمة مازوت بقيمة 30 دولارًا وقسيمة غذائية بالقيمة نفسها، إضافة إلى فرشات وأغطية".

ويشرح أن عمله كسائق تاكسي تأثر بشكل كبير، إذ لم يعد قادرًا على التنقل بحرية بسبب الوضع الأمني، قائلاً: "أعمل فقط عند الطلب"، في وقت ارتفعت فيه أسعار المازوت، ما زاد صعوبة تأمين مصدر دخل ثابت.

منازل ضيقة ومسؤوليات متفاقمة

من جهته، يقول أبو محمد أحمد، وهو لاجئ فلسطيني من سكان المخيم، إنه استضاف عائلتين نازحتين مؤلفتين من ثمانية أفراد منذ بداية الحرب، رغم ضيق منزله الذي يقطنه مع عائلته، ما اضطره إلى توزيع بعض النازحين بين منزله ومنازل أقاربه.

ويشير إلى أن غالبية منازل المخيم صغيرة، ولا تتسع لأعداد كبيرة، مؤكدًا أن الوضع الاقتصادي المتدهور يجعل من الصعب تحمّل هذه الأعباء لفترة طويلة. ويضيف أن حركة النزوح غير مستقرة، إذ تصل العائلات مع تصاعد التهديدات، ثم تغادر وتعود مجددًا، لافتًا إلى أنهم يضطرون للسهر ليلًا في أوقات الخطر، ما يزيد القلق والتوتر، مؤكدًا: "استضافة النازحين واجب إنساني".

غياب "أونروا" … والجمعيات تسد الفراغ

في ظل غياب وكالة "أونروا"، لم تُسجّل تدخلات كافية لتلبية احتياجات النازحين أو المقيمين، وبقيت المسؤولية على عاتق الجمعيات المحلية التي حاولت، ضمن إمكاناتها المحدودة، تأمين الحد الأدنى من المساعدات الغذائية والصحية والتعليمية والنفسية.

وفي هذا السياق، أوضحت مسؤولة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، دارين شعبان، أنه جرى توزيع مساعدات مقدمة من مؤسسة التعاون شملت قسائم مازوت ومواد غذائية لنحو 250 عائلة من النازحين والعائلات المضيفة.

بدوره، قال محمد أحمد، منسق في جمعية "مساواة"، إن الجمعية نظمت يومًا طبيًا داخل المخيم جرى خلاله توزيع الأدوية والحفاظات لذوي الاحتياجات الخاصة، مشيرًا إلى استمرار الاستجابة في مختلف مراكز الإيواء في البقاع.

مخيم الجليل يستقبل .jpg

ومن جهتها، ذكرت سارة النهيلي، منسقة قسم الشباب في جمعية "شهد"، أنه تم توزيع حصص من الخضار والفواكه على 115 عائلة نازحة، إلى جانب تنظيم جلسات توعية، والعمل على التعليم عن بُعد للأطفال وتقديم دعم نفسي واجتماعي.

كما أفاد مدير جمعية "أطفال الجليل" بتوزيع 400 حصة غذائية و60 حصة من الفرش والأغطية، فيما أشار مدير جمعية "عضد الخيرية" إلى استمرار توزيع وجبات الطعام والخبز على النازحين خلال شهر رمضان.

مخيم الجليل يستقبل النازحيkk.jpg

300 عائلة نازحة… والأعداد مرشحة للارتفاع

وفي مقابلة مع أمين سر اللجان الشعبية في البقاع، خالد عثمان، أوضح أن التقديرات الأولية تشير إلى وجود نحو 300 عائلة نازحة داخل المخيم، من فلسطينيين لبنانيين وفلسطينيين سوريين ولبنانيين، مع استمرار تغير الأعداد نتيجة حركة النزوح المستمرة.

وأكد أن النزوح لا يزال قائمًا وإن بوتيرة أقل، تبعًا للتطورات الأمنية، مشددًا على أنه نزوح قسري بطبيعته، مع الأمل بعودة العائلات إلى مناطقها فور تحسن الظروف.

وبيّن أن أبرز التحديات تتمثل في محدودية الموارد، والضغط الكبير على البنية التحتية، ونقص المساعدات مقارنة بحجم الاحتياجات، إلى جانب تراجع خدمات المياه والكهرباء، مشيرًا إلى أن دور "أونروا" لا يزال محدودًا جدًا مقارنة بحجم الأزمة.

وختم عثمان بالدعوة إلى استجابة عاجلة من الجهات المعنية والمؤسسات الإنسانية، مؤكدًا أن مستوى التدخل الحالي لا يرقى إلى حجم الكارثة.

وفي ظل هذه الظروف، وبين ضيق المنازل وقلة الموارد، تتسع مساحات التضامن بين العائلات داخل المخيم، في محاولة لتخفيف وطأة النزوح، فيما يطرح غياب "أونروا" تساؤلات جدية حول دورها في هذه المرحلة.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد