تعيش المخيمات الفلسطينية في لبنان واحدة من أقسى أزماتها المعيشية منذ عقود، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة تضرب البلاد، جراء تأثيرات العدوان "الإسرائيلي" والحرب في المنطقة والانهيار الاقتصادي السابق لها بالأساس، وتنعكس بوطأة مضاعفة على اللاجئين الفلسطينيين، ومع الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات من غاز وبنزين ومازوت، ارتفعت تباعاً كلفة معظم السلع الأساسية، بما في ذلك الخضار واللحوم والطحين، إلى جانب اشتراكات مولدات الكهرباء وكلفة النقل، ما أدخل العائلات في دوامة معيشية خانقة.

ويكاد واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يُختصر بعبارة "المصائب لا تأتي فرادى"، إذ يرزحون أصلاً تحت أعباء نقص الخدمات الأساسية، من انقطاع المياه والكهرباء، وتراجع مقومات الحياة، لتأتي موجة الغلاء الحالية وتدفعهم إلى ما يشبه "عاصفة معيشية" تتجاوز قدرتهم على التحمّل.

شهادات ميدانية: عجز عن تأمين الأساسيات

وفي جولة ميدانية أجراها موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين داخل عدد من المخيمات، أجمعت شهادات العائلات على العجز المتزايد في تأمين الاحتياجات الأساسية، حيث بات الهمّ اليومي ينحصر في توفير الحد الأدنى من الغذاء، حتى رغيف الخبز لم يعد بمنأى عن الارتفاع.

ففي مخيم عين الحلوة، تصف اللاجئة الفلسطينية لطيفة الحاج تفاقم الأزمة، مشيرة إلى أن "الارتفاع طال مختلف السلع الأساسية، وعلى رأسها اللحوم والدواجن، التي أصبحت خارج متناول الكثير من العائلات".

1.jpeg

وتؤكد أن هذا الواقع يضاعف معاناة الأهالي في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتقليص خدمات وكالة "أونروا" حيث بات تأمين وجبة متكاملة أمراً شاقاً، ما يدفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو الاستغناء عن هذه المواد بشكل شبه كامل، كما تشير إلى الارتفاع الكبير في أسعار اشتراكات المولدات الكهربائية، التي تشكّل عبئاً إضافياً إلى جانب الإيجارات ومصاريف التعليم.

الغاز… سلعة أساسية بسعر يفوق القدرة

من جهته، يوضح أبو ممدوح، وهو موزّع غاز في مخيم عين الحلوة، أن ارتفاع الأسعار "ليس بيدنا"، لافتاً إلى أن الحرب الدائرة في المنطقة انعكست مباشرة على أسعار الغاز، ويضيف أن اللاجئين الفلسطينيين خفّضوا استهلاكهم بشكل ملحوظ، متسائلاً: "كيف يستطيع الناس تدبير أمورهم؟"، مؤكداً أن الغاز حاجة أساسية لكل منزل، خاصة في إعداد الطعام اليومي.

ويشير إلى أن الأسعار تُحدَّد من قبل المحطات الرئيسية، وترتفع بشكل شبه يومي من دون سقف واضح، وقد تصل إلى نحو 50 دولاراً للقارورة، وهو رقم يفوق قدرة معظم العائلات، ويؤكد أن الموزعين داخل المخيم يحاولون الاكتفاء بهوامش ربح محدودة "شعوراً بمعاناة الناس"، منتقداً في الوقت ذاته غياب الرقابة وترك اللاجئين لمصيرهم.

البطالة تدفع الأطفال إلى سوق العمل

وفي مخيم المية ومية شرق صيدا، يروي خالد السيد تداعيات الأزمة على حياته بعد توقف عمله في قطاع الورش والإعمار نتيجة الحرب، مشيراً إلى تضاعف مصاريفه بشكل كبير. ويقول: "كنا نصرف شهرياً نحو 100 دولار، أما اليوم فنحتاج إلى 300 دولار، وهذا أمر يفوق قدرتي"

ويضيف أنه اضطر لإرسال أبنائه، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و20 عاماً، إلى سوق العمل للمساعدة في تأمين المصاريف، متسائلاً بمرارة: "ما ذنب هذا الجيل أن يعيش بين الحرب والفقر؟"

ويتابع: "قبل خمسة أيام اشتريت قارورة الغاز بـ18 دولاراً، واليوم ارتفع سعرها 7 دولارات، ماذا سنفعل عندما تنفد؟ هل سنعود للطبخ على الحطب؟."

2.jpeg


 

النقل والكهرباء… أعباء إضافية

وفي تجمع وادي الزينة، يصف مازن الحايك صدمة ارتفاع كلفة النقل المدرسي لابنه من 30 إلى 50 دولاراً شهرياً نتيجة ارتفاع أسعار البنزين، قائلاً: "أنا أعمل في محل حلاقة وبالكاد أوفّر قوت يومي، فكيف يمكنني تحمّل هذه الزيادة؟"

ويضيف أن الخيارات أصبحت قاسية، بين إرسال ابنه مشياً لمسافات طويلة أو إبقائه في المنزل، كما يشير إلى أزمة الكهرباء، حيث ارتفعت فاتورة الاشتراك إلى نحو 120 دولاراً في الأشهر العادية، مع احتمال تجاوزها 300 دولار صيفاً، بعد وصول سعر الكيلوواط إلى 85 سنتاً.

بيروت: الخبز نفسه خارج القدرة

وفي بيروت، لا يختلف الواقع في مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة، حيث تتقاطع الأزمات ذاتها من غلاء وتراجع خدمات "أونروا" وضغط معيشي متفاقم.

ويقول أبو عبد الله هجاج، صاحب متجر في مخيم شاتيلا: إن اللاجئين الفلسطينيين كانوا بالكاد قادرين على الشراء سابقاً، "فكيف اليوم مع هذا الارتفاع الجنوني؟"

ويضيف: "وصل سعر ربطة الخبز الصغيرة إلى 65 ألف ليرة، والعائلات الكبيرة تحتاج إلى أكثر من ثلاث ربطات يومياً، أي ما يقارب 5 دولارات يومياً، و150 دولاراً شهرياً فقط للخبز، وهو أبسط الاحتياجات".

ويشير إلى أن الإقبال بات يتركّز على المعلبات الأرخص ثمناً، مثل الفول والتونة والسردين والمرتديلا، بعدما أصبحت اللحوم والدواجن والخضار بعيدة عن متناول معظم العائلات. كما ينتقد محدودية المساعدات، لافتاً إلى أن مبلغ 50 دولاراً الذي يُقدَّم للأطفال "لم يعد يشتري شيئاً"، متسائلاً عن مصير كبار السن والمرضى في ظل هذا الواقع.

أزمة مفتوحة على احتمالات خطيرة

في ظل هذا المشهد، يخوض اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات معركة يومية لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، وسط غياب أي حلول جذرية، وبين تقليص الخدمات وضعف المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة، تتعمّق الأزمة بشكل ينذر بتداعيات إنسانية خطيرة إذا استمر الوضع على حاله.

4.jpeg


 

ويبقى الأمل معقوداً على تحرك جدي من الجهات المعنية كالقيادة الرسمية الفلسطينية ووكالة "أونروا" لتخفيف الأعباء، وضمان الحد الأدنى من مقومات الصمود، وإنقاذ ما تبقى من قدرة هذه العائلات على الاستمرار في مواجهة واحدة من أشد الأزمات قسوة في تاريخها.

بوابة اللاجئين الفلسطينيين

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد